عدسة إماراتية تروي حكاية المكان والزمان

ثقافة 28-04-2026 | 11:54

عدسة إماراتية تروي حكاية المكان والزمان

اختارت فاطمة أن تكون عدستها شاهدةً على تراث الإمارات وثقافتها، فوثّقت الأزقة القديمة، ووجوه الناس البسطاء، والمشاهد التي تختزن في تفاصيلها روح المكان ونبض الأرض. 
عدسة إماراتية تروي حكاية المكان والزمان
بعدسة المصورة فاطمة الموسى
Smaller Bigger

الصورة أبلغ من ألف كلمة، فليست كل الحكايات تُقال، ومهما تحدّث الراوي لا يمكن الكلمات أن تنقل جوهر اللحظة. ومن هنا وُجدت عدسة الكاميرا، ذلك المترجم الصامت الذي يختصر العبارات، وينقل المشاعر، ويوثّق اللحظات والحضارات، ويجعل الماضي حاضراً رغم المسافات، ليبقى خالداً في ذاكرة العين إلى الأبد.

من بين أولئك الذين فهموا هذه اللغة الصامتة، تبرز المصوّرة الإماراتية فاطمة الموسى التي أمسكت الكاميرا منذ صغرها لتترجم من خلالها شغفها بالعالم المحيط بها. لم تتعامل مع الكاميرا كأداةٍ تقنية، بل كجسرٍ بين الإنسان والمكان، بين الضوء والظل، وبين الماضي والحاضر. تقول لـ"النهار": "لم أتعامل مع الكاميرا كجهازٍ تقني، بل كوسيلةٍ للتعبير والتوثيق".

بعدسة المصورة فاطمة الموسى
بعدسة المصورة فاطمة الموسى


اختارت فاطمة أن تكون عدستها شاهدةً على تراث الإمارات وثقافتها، فوثّقت الأزقة القديمة، ووجوه الناس البسطاء، والمشاهد التي تختزن في تفاصيلها روح المكان ونبض الأرض. آمنت بأن الصورة ليست مجرّد لقطة، بل سردٌ بصريّ يحمل ذاكرة الوطن ودفء تاريخه.

اللحظة المفصلية في مسيرتها جاءت عام 2023، عندما اختيرت ممثّلةً رسمية عالمية لإطلاق كاميرا Leica M11 Monochrome، وقدّمت خلالها أعمالها الفنية التي اعتمدت فيها على الأبيض والأسود، لتجسّد روح التراث الإماراتي وثقافة البلاد على المستوى الدولي. وفي العام نفسه، نالت جائزة الشخصية الفوتوغرافية الواعدة، تأكيداً لموهبتها الاستثنائية ورؤيتها التي تخطّت الحدود.

 

بعدسة المصورة فاطمة الموسى
بعدسة المصورة فاطمة الموسى
في كل مشروعٍ من مشاريعها، تسعى فاطمة الى أن تُظهر الإمارات كما تراها بعدستها: أرض الأصالة والتسامح، والتاريخ الذي يلتقي الحاضر في مشهدٍ واحد. فصورتها لا تنقل مجرد مشهدٍ جمالي، بل رسالة إنسانية وثقافية تعبّر عن مجتمعٍ عربيّ وخليجيّ غنيّ بقيمه وتاريخه.

رحلتها في توثيق التراث لم تكن سهلة؛ فقد واجهت تحدياتٍ تراوح بين الإضاءة القاسية في الصحراء وضعف الضوء في الأماكن التراثية، وبين صعوبة التكوين البصري للّقطات، والبحث عن الزوايا التي تُبرز جمال الماضي بعيداً من ضجيج الحداثة. ومع حرارة الصيف، وصعوبة التفاعل مع الناس والحصول على موافقات التصوير، ظلّ شغفها أقوى من كل العقبات. كانت تقول دائماً: "كل صعوبة هي فرصة لصورةٍ لا تتكرّر".

في بداياتها، كانت تلتقط كل ما تراه جميلاً، ثم مع مرور الوقت، أدركت أن كل صورة تحمل رسالة، وأن الضغط على زر الكاميرا لم يعد مجرّد حركةٍ تقنية، بل فعل وعيٍ فنيّ، يختزل تجربةً إنسانية ورؤيةً بصرية عميقة.

بعدسة المصورة فاطمة الموسى
بعدسة المصورة فاطمة الموسى

تفضّل فاطمة الصور بالأبيض والأسود، وترى فيها صفاءً بصرياً يحرّر الصورة من ضجيج الألوان. هذا النمط، وفق ما تقول "يكشف روح المشهد، ويُبرز التفاصيل الخفية: الملمس، الضوء، الظلال، التعبير". فحين تُزال الألوان، لا يبقى أمام العين إلا جوهر الحكاية.

تؤمن فاطمة بأن السرّ ليس في الأدوات، بل في العقل والرؤية والإحساس. تنصح كل من يبدأ طريق التصوير بأن يفهم أولاً ما يريد أن يقوله بالصورة، لأن الكاميرا متاحة للجميع، لكن الإبداع هو ما يميّز المصوّر عن حامل العدسة. وهي من الداعمين الدائمين للتعلّم المستمر، فتمزج بين التقنيات الحديثة والتقليدية، تستخدم كاميراتٍ رقمية متطورة وعدساتٍ كلاسيكية قديمة لتخلق تجربةً بصرية تجمع بين الأصالة والابتكار.

ورغم ما قد يواجهه الفنان من انتقادات، تتعامل الموسى مع النقد بروحٍ إيجابية، إذ تراه مساحةً للنموّ والتطوير. تعتبر مجتمع المصوّرين ركيزةً أساسية في رحلتها، لما يوفّره من تبادل خبراتٍ ودعمٍ متبادلٍ يُثري المسيرة الفنيّة.

وفي حديثها عن المرأة الإماراتية، لا تنسى أن تشير إلى الدور الريادي للشيخة فاطمة بنت مبارك في تمكين المرأة ودعمها في مجالات الفنون والإبداع، مؤكّدةً أن هذا الدعم فتح الأبواب أمام أجيالٍ من الإماراتيات ليُثبتن حضورهن في الساحة العالمية.

في نهاية رحلتها، لا ترى فاطمة الموسى التصوير مجرّد عملٍ فنيّ، بل رسالة صادقة تسعى من خلالها إلى خلق جسرٍ بين الماضي والحاضر، وبين الإمارات والعالم. تريد أن تبقى صورها شاهدةً على قوة التراث وجماله، وعلى القيم التي غرسها الشيخ زايد – مؤسس الدولة – في أبناء الوطن: قيم الفخر، والاعتزاز، والتسامح، والإنسانية. فكلّ صورةٍ تلتقطها، وفق ما تقول، هي وعدٌ بأن الذاكرة لا تموت، بل تُخلّد في ضوءٍ لا ينطفئ.

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/27/2026 9:12:00 PM
يمثل علي الزيدي نموذجاً لقيادة تجمع بين الخبرة العملية والرؤية المستقبلية في العراق.
ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.