"قطار النهر": العالم من داخل مقصورة

ثقافة 26-04-2026 | 13:04

"قطار النهر": العالم من داخل مقصورة

فيلم أنجزه شباب خرجوا إلى التصوير بلا ضمانات سوى شغفهم وفضولهم وقلوبهم المفتوحة على التجربة.
"قطار النهر": العالم من داخل مقصورة
"قطار النهر"، الفيلم الأرجنتيني المعروض في برلين 76.
Smaller Bigger

فيلم مغاير، بألوان زاهية وكلام شحيح، يكاد يكون منفصلاً عن بعض تمظهرات الواقع، ويدور في فلك طفل في التاسعة يُدعى ميلو (ميلو باريّا)، يعيش في بيئة ضاغطة، ترغمه على تعلّم الرقص والانصياع لواجبات عائلية لا يرغب بها ولا يشعر أنها تخصّه. كلّ ما في حكاية ميلو أنه يريد الهرب، والهرب فقط. إلى أين؟ هذا ما سنكتشفه في "قطار النهر" الذي عُرض في قسم "برسبكتيف" ضمن الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي

مغادرة قريته النائية، والتعرف الى ما هو أكبر وأوسع وأعظم. فكرة بسيطة، تكاد تكون بدائية، لكنها تسكن كثراً من أهل الريف. فمن لم تراوده رغبة الرحيل يوماً، سواء في الطفولة أو حتى في الكبر، فليكن أول مَن يرمي طفلنا العزيز بحجر.

 

التعرف على ما هو أكبر وأوسع وأعظم.
التعرف على ما هو أكبر وأوسع وأعظم.

 

نعرف جيداً حكايات الكبار الذين يخوضون رحلات تلقينية، يعودون منها مختلفين، وقد وضعوا أقدامهم على طريق الحرية والاستقلال. لكن أن يفعل ذلك طفل، أن يركب القطار وحيداً إلى بوينس آيريس ليخوض تجربة كهذه، فأمرٌ أكثر ندرةً وقسوةً. اختار المخرجان الأرجنتينيان لورنزو فيرو ولوكاس أ. فينيالي، تصوير هذه المغامرة من خلال البطل الطفل الأسمر، صاحب العينين المعبّرتين، الذي يذهب إلى أقصى ما يمكن أن يذهب إليه كائن في مثل عمره، من دون رعاية، ومن دون حماية، ومن دون يد تمسك به.

من لقاءاته العابرة، ومن عشوائية العيش، ومن دهشته الأولى أمام العالم، يولد فيلم شديد الحميمية، يغوص بنا في عالم الطفولة البريئة. براءة لا تُعرَض باعتبارها ضعفاً، إلى حدّ أنها تنتقل إلى المشاهد نفسه، فيترك مقعده موقّتاً، ويرى الأشياء بعيني ميلو.

يعتمد الفيلم على الشكل كحامل أساسي للمضمون، فينزلق داخله بسلاسة لافتة ومن دون افتعال. تحضر العناصر البصرية في كادرات ضيقة، لكنها، خلافاً للمتوقع، لا تخنق الأحداث ولا تُثقِل الإيقاع، محدثةً نوعاً من الانشراح. نرافق الصبي في طموحه الصامت، وفي تحرّره التدريجي من سطوة العائلة ومن المصير المفروض عليه، مصير يبدو أنه يعي خطورته وضيق آفاقه منذ عمر مبكر. بعد تدريبات مرهقة ليغدو راقصاً، ها هو يخوض رحلة ستكون، على نحو ما، خلاصه الموقت.

 

فيلم مغامر بألوان صارخة.
فيلم مغامر بألوان صارخة.

 

إذا كان صحيحاً أن ميلو يحاول فكّ أسرار الحياة، مغموراً ببراءته، فإن اللغز الأكبر يبقى قائماً: نحن لا نعرف الكثير عن أفكاره. لا صوت داخلي ولا اعترافات. لا نملك سوى سلوكه، ونظراته، وإيماءاته الصغيرة لنكوّن فكرة عن رغباته. ومع ذلك، يبقى بابٌ موصد في وجهنا دائماً. يبتكر الفيلم منه شخصية متعدّدة الطبقة، تظهر وتنسحب. أما التفسير، فلا يحاول الفيلم أن يقدّمه، ولا يبدو معنياً بذلك أصلاً. وهذا الامتناع تحديداً هو ما يمنحه كاريزما خاصة. فبعض الأفلام يضيء على كلّ شيء، وأجملها ما يبقي شيئاً منها في العتمة.

يخوض أفراد عائلة بارّيا وبازوس، وفي مقدمهم الطفل ميلو، أولى تجاربهم التمثيلية في هذا الفيلم. تعيش العائلة المؤلفة من أربعة أفراد في مدينة جنرال خوان مادارياغا، على مسافة تقارب 500 كم من العاصمة بوينس آيريس. غير أن ما يميّز العمل لا يقتصر على طبيعته التمثيلية، بل على الطريقة التي وُلد بها، أي من إيمان جماعي بفكرة بسيطة. فمجموعة من الأصدقاء قرروا أن يضعوا كلّ ما يملكونه في رحلة نحو قرية نائية، حيث يعيش طفل موهوب سيغدو قلب فيلمهم الأول وروحه المنعشة. هكذا، بلا خطط محكمة ولا حسابات إنتاجية ثقيلة، راح الفيلم يتشكّل من الحياة نفسها. 

جرت عملية التصوير بخفّة وحرية لافتتين. كاميرا صغيرة تتحرك مع المكان واللحظة، تقترب حين يلزم. وفي مرحلة تشهد فيها الأرجنتين تراجعاً ملحوظاً في دعم السينما، مع سياسات عامة تُقصي الفنّ وتعلّق التمويل وتنسحب بهدوء من الترويج الثقافي، يأتي هذا الفيلم كفعل إصرار. عمل أنجزه شباب خرجوا إلى التصوير بلا ضمانات سوى شغفهم وفضولهم وقلوبهم المفتوحة على التجربة. أحياناً، لا تحتاج السينما لأكثر من ذلك.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
أفادت الخدمة السرية الأميركية بأن المشتبه به، الذي كان مسلحاً ببندقية، حاول اختراق الإجراءات الأمنية، قبل أن يتم توقيفه.