"الرجل الأكثر وحدةً في المدينة": عن آخر ما تبقّى
يقدّم "الرجل الأكثر وحدةً في المدينة" لتيتسا كوفي وراينر فريمل، الذي شاهدناه في مسابقة الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي، بورتريهاً حميمياً هادئاً ورقيقاً لرجل من فيينا يعيش محوطاً بذكرياته، أكثر ممّا يعيش في الحاضر الآني. آل كوك، الثمانيني، يبدو كأنه محاصر بقيود لا تسمح له بالمضي قدماً. منذ اللحظة الأولى، يلمّح الفيلم إلى فكرته الأساسية: الشيخوخة في المدن الكبيرة قد تكون مساراً طويلاً من الوحدة. الحياة تمضي في الخارج بإيقاعها المعتاد، بينما يظلّ البعض عالقين في محطّات سابقة من حياتهم.
للاحتكاك بهذه الشخصية، يموضعنا الفيلم في بيئة آل الخاصة. شقته الصغيرة الواقعة في قبو بناية قديمة تحوّلت إلى ما يشبه متحفاً شخصياً: رفوف من الكتب، أشرطة فيديو، أسطوانات فينيل، وأغراض تراكمت عبر السنوات. كلّ قطعة منها تبدو كأنها صفحة من سيرة كانت مليئة بالاحتمالات، قبل أن تتأكل تحت وطأة الخيبات والفرص الضائعة. الكاميرا تتسلّل إلى هذا الفضاء الحميم، تستخرج من تفاصيله طبقات مختلفة من الماضي، بينما يجلس آل وسطها متأمّلاً، أحياناً ساخراً من نفسه، في حين يستمر العالم خارج جدران شقّته بلا اكتراث.
لكن الفيلم لا يكتفي باستدعاء الماضي أو الغرق في الحنين. فالسرد سرعان ما يضع آل في مواجهة مع الحاضر حين تقرر شركة عقارية هدم المبنى الذي يسكنه. فجأةً، يفقد الرجل آخر ملاذ له. ماذا يبقى من الإنسان حين تُنتزَع منه المساحة التي كانت تحفظ ذاكرته؟ وكيف يمكن إعادة بناء الذات في خريف العمر، عندما يختفي المسرح الذي تشكَّلت عليه؟

أمام هذا التحوّل القاسي، يمضي آل في اتجاه قرار غير متوقّع: شراء تذكرة سفر ذهاب بلا إياب إلى الولايات المتحدة. قرار يبدو في الوقت ذاته متهوراً ومتأخّراً، لكنه يحمل أيضاً احتمال بداية جديدة. كأن الشيخوخة، بعد سنوات من التردّد والانكفاء، تجرؤ أخيراً على المغامرة.
رغم مدّة عرضه التي لا تتجاوز 86 دقيقة، يستغرق الفيلم وقتاً طويلاً نسبياً للتعريف ببطله وبناء علاقته بالمُشاهد. النصف الأول يتبلور بإيقاع هادئ، فيركّز على تفاصيل يومه، قبل أن يفضي هذا كله إلى الصراع الرئيسي في النصف الثاني. هذا الإيقاع قد يترك انطباعاً بالبطء أحياناً، لكن لحظات حميمية صغيرة تعيد إليه الحيوية. من بينها لقاء آل بحبيبة قديمة وحديثهما الصريح عن سبب انفصالهما، في مشهد يحمل شيئاً من الطرافة والمرارة.
يعزل الفيلم الشخصية عن كلّ ما يحيط بها، ليجعل الكاميرا تركّز عليها وحدها. وكأن الزمن يتباطأ كي يتيح لنا التأمّل في تفاصيل حياة رجل واحد. هذه المقاربة تمنح العمل شفافيته، إذ نرى آل كما هو: إنساناً عادياً يحاول أن يمنح معنى لما تبقّى من عمره.
العلاقة بين المخرجَين وآل ليست علاقة عابرة. فهما بحسب راينر فريمل، يعرفانه منذ زمن طويل، وقد تكوّن فهمهما لحياته عبر سنوات من الحوار، قبل التفكير أصلاً في تخليدها على شريط. هذا القرب جعل المشروع مغرياً وصعباً في الوقت نفسه. فآل فنّان مستقل إلى أقصى حدّ، معتاد على السيطرة الكاملة على عمله الفنّي: من كتابة الأغاني وأدائها، إلى تصميم غلف الأسطوانات. هذا الاستقلال يشبه، إلى حد بعيد، مقاربة المخرجَين للسينما. ولعل ما جذبهما في شخصية آل هو هذا التناقض: موسيقي بلوز موهوب يعزف أحياناً في أماكن غير مهمّة، وأحياناً أمام جمهور أوسع، من دون أن يساوم يوماً على رؤيته الفنية. بالنسبة إليهما، آل رمز لكل الفنّانين الذين يدفعون ثمن التزامهم الأصالة على حساب الانتشار والاعتراف. سؤال المساومة وإلى أي حد يمكن القبول بها، هو سؤال يشترك فيه آل ومخرجا الفيلم.
آل كوك موسيقي عاصر البلوز. بدأ العزف في الرابعة عشرة، وكانت مشاهدته لإلفيس بريسلي في السينما تجربة مؤسِّسة. عبر جار له، كان يشغّل أسطوانات البلوز بصوت مرتفع، اكتشف الموسيقى التي استطاع من خلالها التعبير عن ذاته. لم يعش موسيقى أخرى، ولم يسلك طريقاً آخر. علّم نفسه كلّ شيء: العزف، الغناء، وحتى الأداء بلهجة جنوبية أميركية، رغم أنه لم يزر الولايات المتّحدة قط. تسجيلاته في أواخر الستينات والسبعينات توحي بإمكان مسيرة دولية، لولا رفضه الدائم لأي تنازل فنّي. الصراع ضد قوى غير مرئية، يرمز إلى حياة آل بأكملها، حياة قائمة على الصمود في وجه التغيير.
رغم أن الفيلم يتناول الوحدة والخسارة، فإنه في جوهره قصّة شغف. آل فيينّاوي، لكن البلوز يسكنه. صحيح أن أميركا لم تكن بقعة جغرافية له، لكنها أضحت حضوراً دائماً عبر الموسيقيين الذين التقاهم وعزف وإياهم في العاصمة النمسوية. هذا الشغف، المقرون بموقف لا يقبل المساومة وموهبة استثنائية، هو ما يصنع شخصيته.
المقتنيات، من مواد متعلّقة بإلفيس، إلى الأسطوانات، وأجهزة العرض، وأشرطة الفيديو، امتداد لذاته. جميعها تعود فعلياً الى آل. الأشياء تحمل الذاكرة، ويمكن لمسها، ولهذا تُصوَّر غالباً في لقطات قريبة، ضمن إضاءة خافتة وطبيعية. كلّ غرض يوقظ سلسلة من الذكريات، لأن آل يعيش، في جوهره، داخل ذاكرته.
رغم البُعد العاطفي، يحرص الفيلم على مقاربة الشخصية بنظرة حنونة لا تخلو من الفكاهة. بالنسبة لتيتسا كوفي، إدخال لمسة إنسانية خفيفة إلى الدراما ضرورة حياتية أكثر منها خياراً جمالياً. الكوميديا في نظرها لا بد أن تأتي من المواقف ومن الأشخاص أنفسهم.
ينتهي الفيلم من دون إجابة حاسمة عن مستقبل آل كوك. هناك أملان متوازيان يلوحان في الأفق: أن تعيش مقتنياته مع آخرين أصغر منه سنّاً، وأن يتمكّن هو نفسه، ربما، من تحقيق حلمه أخيراً. هكذا تبدو حياته، كما يقول راينر فريمل، حلماً متحقِّقاً وغير متحقِّق في آن واحد. فيلم يترك الباب مفتوحاً على الاحتمالات، لأن المخرجين، شأنهما شأن آل، لا يعرفان كيف ستستمر الحكاية.
نبض