"مايكل" يحيط "ملك البوب" بهالة من القداسة
خمسون عاماً من حياة مايكل جاكسون كانت كافية لتصنع منه الاسم الأبرز في الغناء الأميركي، وأحد أكثر رموزه تأثيراً في تشكيل هيمنتها الثقافية. غير أن التعقيدات التي أحاطت بسيرته، وتشابك أبعاد حياته الخاصة والعامة، وما رافقها من جدال أخلاقي، جعلت السينما تتريّث قبل الاقتراب من حكايته الكاملة. احتاج الأمر إلى أكثر من عقد ونصف عقد بعد رحيله كي يظهر فيلم سينمائي يطمح إلى تقديم سيرته، وإن جاءت في النهاية مجتزأة ومليئة بالتحفّظات.
فيلم عن مايكل جاكسون لأنتوان فوكا
هذا ما يقدّمه "مايكل" لأنتوان فوكا (المعروض حالياً على شاشات العالم)، المخرج الذي دخل هذا الحقل الشائك بكلّ ما رافقه من إعادة كتابة وتصوير للفيلم فرضته اعتبارات قانونية معقّدة. غير أن النتيجة، في مجملها، تبدو إشكالية، بحيث يمكن القول إن الجبل قد تمخّض فأنجب فأراً، إذ يظلّ النصّ السينمائي على سطح الأشياء، مكتفياً بقراءة "خارجية" إلى حد ما لمسار صعوده التدريجي نحو النجومية. نتابع فيه مسيرة الفنّان منذ طفولته الاستثنائية، مروراً بمحطّاته الأولى، وصولاً إلى ذروة مجده في منتصف الثمانينات، حيث يتولّى الأداء ابن أخي مايكل، جعفر جاكسون، مقدّماً أداءً لافتاً في تجسيد الشخصية. وينتهي الفيلم عند لحظة مفتوحة. خاتمة مربكة تترك المتلقّي أمام أسئلة وحيرة.

لم يتوقّف أثر مايكل جاكسون (1958 – 2009) عند أغانيه، بل تجاوزه إلى إعادة تعريف مفاهيم الأداء على الخشبة، وحتى إلى الفيديو كليب نفسه، كما في "ثريللر" الذي أخرجه جون لانديس، مع ما حمله من بُعد سينمائي غير مسبوق في ذلك الزمن. كما ترك بصمة واضحة في عالم الرقص، عبر حركاته التي تحوّلت إلى ختمه الفنّي. وقد تصدّر ألبوم "ثريللر" (1982) قوائم الأكثر مبيعاً في التاريخ، ليغدو شاهداً لاتساع تأثيره وعمق امتداده، ملهماً لأجيال متعاقبة من الفنّانين في مختلف أنماط الغناء المعاصر. ومع ذلك، وكحال كثير من الأسماء، تبقى صورته مركّبة ومفتوحة على جدال. غير أن مكانته الفنية والثقافية تكاد تحظى بإجماع واسع، رغم تباين القراءات حول شخصه وسيرته. ومن هنا، يصعب الادعاء بموضوعية كاملة عند مقاربة فيلم يتناول شخصية رافقت تفاصيل طفولتنا وشبابنا، وتشكّل جزءاً من الذاكرة السمعية والبصرية لجيل كامل.
الفيلم يُشاهَد كما لو أنه شربة ماء في قيظ الصيف، منعش، لكن لا يمكن حمله على محمل الجد. غير أن جزءاً غير قليل من الصحافة تعامل معه بصرامة، إذ أبدى استياءً واضحاً منه واصماً إياه بالسطحية والتهافت، لكونه يتجاوز أو يتجاهل جوانب جوهرية من حكاية جاكسون، وفي مقدّمتها الاتهامات بالانتهاكات الجنسية في حقّ الأطفال، التي لاحقته لسنوات طويلة وشكّلت مادة لوثائقي بعنوان "الرحيل من نافرلاند". وفي زمن يُشار إليه أحياناً بـ"عصر الووك"، حيث يُعاد النظر في السرديات التاريخية والشخصيات العامة من زوايا أخلاقية جديدة، يُطرح السؤال نفسه: هل قدّم أنتوان فوكا فيلماً يسبح عكس هذا التيار؟ وهل تعمّد تبييض الصورة أو الامتناع عن مساءلة الإرث، من دون أن يضيف حقائق أو يفتح نافذة جديدة؟ الإجابة أكثر تعقيداً من هذا التصوّر. فالفيلم لم يتبنَّ موقفاً جدلياً بقدر ما جرى تجريده أصلاً من جزء كبير من مادته المحتملة، بفعل اعتبارات قضائية حالت دون التطرق إلى الاتهامات المثارة.

لا يمكن إغفال أن مدير أعمال جاكسون السابق أشرف على مراحل إنتاج الفيلم، وهو ما كان كافياً لتوقّع نبرة تميل إلى إعادة بناء صورة الفنّان في معالجة أقرب إلى التمجيد منها إلى المساءلة: إنسان رحيم، يحب الحيوانات، يهتم بالأطفال المرضى، ويخضع طويلاً لسلطة الأب وهيمنته.
في العقود الأخيرة، تغيرت السير الذاتية، فقد دفعت أفلام مثل "كابوتي" عن ترومان كابوتي، و"روكتمان" عن إلتون جون، و"الشبكة الاجتماعية" عن مارك زكربرغ، بهذا النوع إلى مستوى أكثر جرأةً وتعقيداً، حيث لم يعد كشف العيوب أو الظلال فعلاً تجريحياً أو إهانة لصاحبه، بقدر ما أصبح جزءاً من الحقيقة التي يتغذّى عليها الفنّ. فيلم "مايكل" يبتعد كثيراً عن هذا المنطق المركّب. فهو يقدّم مساراً صاعداً بلا انكسارات تُذكَر، مركّزاً على رحلة الانتقال من فرقة العائلة إلى ذروة المجد الفردي، لنكتشف فنّاناً صاغته بالكامل آلة صناعة الربح، بعدما تحوّلت موهبته الأدائية الخارقة إلى منتج داخل منظومة ترفيهية تسعى كما تفعل دائماً إلى صناعة النجوم ثم استهلاكهم تدريجاً.
فيلم "مايكل" لطيف أكثر ممّا يجب
حتى اللحظات التي كان يمكن أن تشكّل مفاصل درامية حقيقية، تمرّ من دون استثمارها على نحو نقدي أو رمزي. فحادثة احتراق شعره الشهيرة خلال تصوير إعلان لـ"بيبسي"، بكلّ ما تحمله من دلالات عن العلاقة بين الجسد والشهرة والعنف الكامن في صناعة الإعلان، تُترَك في الهامش، من دون أن تتحوّل إلى لحظة مفصلية في قراءة مسار جاكسون.

الفيلم لطيف أكثر ممّا يجب، إذ يخفّف حدّة الصراع (جوهر أي دراما سينمائية)، ليحوّله إلى مستوى شبه تبسيطي. فالمشهد كله يُختزَل في ثنائية محدودة: الأب )كولمان دومينغو) في مواجهة الابن، مع تلميحات خفيفة إلى مشكلته مع لون بشرته، وكأنه عامل عابر وليس عنصراً مركزياً في تجربته العامة أو في تلقّيه الثقافي. في هذا التصوّر، تصبح مشكلة جاكسون محصورة في والده وحده. يظهر الأب باعتباره شخصية لا تُطاق، لا يكفّ عن استغلال ابنه منذ طفولته. مايكل طفل معرّض للعنف الجسدي والنفسي، يتلقّى ضربات الحزام من أب يرى في أولاده مشروعاً ربحياً، ويدفعهم إلى الكفاح باعتباره السبيل الوحيد لتفادي المصير البائس. لكن المفارقة أن هذا المنطق القائم على الإكراه، يتحوّل، مع مايكل، إلى مسار آخر، بفعل موهبته الاستثنائية التي تفلت من حدود "المشروع العائلي".
يبقى الأب الحضور الأثقل في الفيلم، فيما تتحوّل الأم إلى شاهد صامت، حضورها أقرب إلى الظلّ منه إلى الفعل. أما الإخوة الذين انطلقوا معه في بداياته ضمن الفرقة العائلية، فكأنهم مجرد خلفية ديكورية وليسوا رابطاً سردياً حقيقياً يجمعهم بالبطل، حتى ليبدو وجودهم هامشياً في بنية الحكاية. في المقابل، يظلّ الأب هو السلطة المركزية التي يحاول جاكسون التحرر من قبضتها، في صراع طويل يترك آثاراً نفسية.
هذا فيلم يبدو أقرب إلى منطق التسعينات منه إلى حساسية السرد المعاصر. فهو يميل إلى الاحتفاء أكثر ممّا يميل إلى ”التحطيم الإيجابي“، متجنّباً تعكير صفو الحفل، سواء في ما يتعلّق بنجم أو بمنظومة صناعة الترفيه ذاتها، بكلّ ما تحمله من جولات وعلاقة شبه أسطورية مع الجمهور.

لكن المشكلة الأعمق أن الفيلم، في نهاية المطاف، لا يبدو ملتصقاً بخصوصية مايكل جاكسون بقدر ما يمكن أن يُسنَد إلى أي نجم آخر. فلو استُبدِل به اسم مثل برنس، لما تغيّر كثير في البنية العامة للسرد. وهذا ما يكشف عن محدودية مشروع لا يلتقط ما هو فريد واستثنائي، بل يكتفي بإعادة إنتاج سردية عامة عن "النجم الصاعد" داخل ماكينة الترفيه الأميركية. وفي هذا المعنى، تفشل المقاربة في ما هو جوهري في أفلام السِيَر الكبرى: القدرة على تحويل الحكاية الفردية إلى رؤية أوسع، أو إلى مساءلة لطبيعة التجربة نفسها، بدل الاكتفاء بإعادة سردها.
قصّة جاكسون متعدّدة الأوجه لعدد من الأسباب، من بينها الطفولة المعذّبة وما تركته من أثر مباشر في تشكيل شخصيته الفنية والإنسانية، مروراً بالتحوّلات الشكلية التي خضع لها لاحقاً، والتي يمكن قراءتها في سياق هوس بناء الهوية وتأثير نظرة الآخرين إليه، وصولاً إلى تلك المنطقة الغامضة التي ألقت بظلالها على فنّه العبقري، وظلّت مادة مفتوحة للتأويل. غير أن هذا التعقيد كله لا يجد طريقه إلى الفيلم، الذي يبدو وكأنه يبدأ عند الطفولة وينتهي عندها، مقدّماً مايكل وكأنه يولد طفلاً ويظلّ طفلاً حتى النهاية. وبعيداً من كونه عملاً صادراً عن ورثة الفنّان، وهي مسألة لها دلالاتها، يمكن القول إن الفيلم كان يحتاج إلى مخرج يميل إلى تفكيك الانحطاط لا إلى ترميم الصورة، أي إلى عين نقدية لا تخشى النزول إلى الجحيم، بدل أن يكتفي برؤية الجانب "المضيء" في الإنسان، خصوصاً في سيرة شخصية لا تخلو من تناقضات.
وكما سبق القول، فإن أفلام السِيَر ليست أعمالاً حرة بالكامل، فهي دائماً مقيّدة بمجموعة من العناصر التي ينبغي ترتيبها ضمن سياق سردي واضح، ممّا يفرض حدوداً على المخيلة. وفي حالة جاكسون، تشكّل الأغاني تلك العناصر الجوهرية، فهي التي صنعت مجده ورسّخت حضوره العالمي، من "بيلي جين" و"بيت إيت" إلى "باد" و"ثريللر"، إلى جانب الحركة الشهيرة التي عُرِفت بـ"موونووك" وحوّلته إلى ظاهرة كونية. يربط السيناريو تلك الأغاني بمحطّات من حياته الخاصة، ملتقطاً لحظات صعوده على الخشبة أمام جمهور هستيري، فتبدو في ذاتها بمثابة هدية متأخّرة لذلك الجمهور الذي صنع جزءاً من أسطورته. يصعب الإنكار أن هذه اللحظات تمنح الفيلم بعضاً من قوته، إذ تتيح لنا إدراك حجم الموهبة التي خاطبت جيلاً كاملاً من دون خطاب سياسي أو شعارات كبرى، بل عبر اللحن والحركة وحدهما. لكن خارج هذا الإطار، يصبح من الصعب الاقتناع بالصورة المثالية التي يحاول الفيلم تثبيتها، وكأن مايكل جاكسون كان قديساً خارج ساعات عمله كمغن وراقص.
نبض