.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بوتسفيورد واحدة من القرى النروجية القصيّة، حيث البحر جزء من حياة السكّان اليومية والثلج يغطّي المشهد معظم أشهر السنة. داخل هذا العالم المعزول ظاهرياً، اختارت المخرجة غورو سانيولا بييرك أن تضع كاميرتها، لتوثيق أحوال مجتمع يعتمد على صيد السمك، خصوصاً القُدّ، لكنه يواجه تحوّلات أوسع من حدوده الجغرافية. لا يكتفي الفيلم الذي يحمل عنواناً لمّاحاً هو "في القُدّ نؤمن"، برصد طبيعة المكان القاسية والجميلة، وإنما يذهب إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر: كيف تتكيّف المجتمعات البعيدة في ظلّ تقلّص الفوارق بينها وبين المراكز الكبرى، ويصبح التحدّي الأساسي هو القدرة على مجاراة واقع ذي إيقاع سريع ومتحوّل باستمرار؟ في هذا السياق، تغدو القرية مساحة اختبار يومي للتوازن بين نمط عيش تقليدي وضغوط عالم يتبدّل بسرعة.
العمل الوثائقي، الذي اكتشفناه خلال الدورة الأخيرة من مهرجان تسالونيك (آذار 2026)، يقدّم مقاربة تقوم على المراقبة الهادئة. من خلال شخصياته المتنوّعة، يتيح الفيلم الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية، حيث يمتزج الصعب بالحميم، وحيث يمكن دفء العلاقات الإنسانية أن يظهر حتى في بيئة تُعرَف ببرودتها المناخية. النتيجة؟ عمل متماسك وطريف ومشغول بصدق، يحوّل المكان إلى شخصية في ذاته، واضعاً المُشاهد أمام رؤية مختلفة عن الأطراف البعيدة. التقت "النهار" غورو سانيولا بييرك وكان الحديث الآتي.
* عندما تنجزين فيلماً وثائقياً كهذا، من الطبيعي أن يرتبط بتجربتك الشخصية وبتاريخكِ. لكن، كيف وازنتِ بين عمل يعبّر عنكِ أنتِ، والآخرين؟ أي بين الذاتية والموضوعية؟
- هذا سؤال صعب. كنت في حاجة إلى تلك الذاتية. لقد نشأتُ وسط هذا العالم، وسط كلّ تلك الأحاديث إلى مائدة الطعام حول صيد السمك. نقاشات عن الخوف من أن السفن الكبيرة تبالغ في الصيد، وأن التلوّث في البحر يتفاقم… هذا كله كان جزءاً من طفولتي. أمي فنلندية، كانت مترجمة للعمّال الفنلنديين الذين جاؤوا إلى قريتنا، فيما والدي كان يبني أرصفة السفن، مشيّداً البنى التحتية التي تسمح لها بالدخول والخروج. نرى أمي في الفيلم، انها المرأة التي تنظر من النافذة وتتحدّث عن الزمن الذي كانت فيه خمسون قارباً تخرج وخمسون تعود. كانت من أوائل الفنلنديين الذين انتقلوا إلى باتسفيورد، ربما الأولى أو الثانية. لم تعمل في مصنع للأسماك، بل ترجمت لأبناء بلدها. تحوّلت طاولة مطبخها إلى مكتب. كان الناس الذين يحتاجون للمساعدة يمرّون عبر غرفة معيشتنا، وكنت أنا هناك كطفلة أختبئ خلف الأريكة. أتذكّر أنني شعرتُ بالرهبة، لأن الناس جاؤوا أحياناً في حالة سُكر، يدخّنون، ويحملون معهم قصصاً ثقيلة. بعضهم عاش تجارب عنف، وآخرون دخلوا في شجارات، أو واجهوا مشاكل مع أرباب عملهم، أو تعرضوا لحوادث في العمل. كان هناك دائماً شيء ما، قصص كثيرة ومؤلمة. أمي لم تعلّمني الفنلندية، وأعتقد أنها تعمّدت ذلك. لم تكن تريد لنا أن نفهم تلك المآسي التي يمر بها الناس. أرادت حمايتنا منها.
* هل كنتِ تتوقّعين أن تتحوّل القرية نفسها إلى الشخصية الرئيسية؟
- عندما بدأتُ العمل على الفيلم، وددتُ التحدّث مع أشخاص كثيرين، لأرى إن كانت رؤيتي تتطابق مع رؤيتهم. فكلّ شخص في القرية لديه قصّته: كيف نشأ، كيف يرى المكان، مدى ارتباطه بجيرانه، وعدد الصداقات في حياته. كنت أعرف العديد من الأجانب الذين يعيشون فيها، لكنني لم أسألهم من قبل بشكل مباشر: كيف كانت تجربتكم عند الوصول؟ كم استغرقتكم من الوقت لتشعروا بالاندماج؟ هل واجهتم عنصرية؟ هذه ليست أسئلة تُطرَح عادةً في الحياة اليومية. من هنا جاءت، بطريقة ما، وجهة نظري "الخارجية". حاولتُ أن أضمّن ذلك كله في الفيلم. في البداية، لم أكن أدرك حتى أن القرية ستصبح الشخصية الرئيسية، لكن في النهاية، أصبحت القرية هي التي تروي قصصها. ومع ذلك، ما هي القرية أصلاً؟ هي لا تساوي شيئاً بلا سكّانها، فهم مَن يصنعون حكاياتها.
* في قرية صغيرة كهذه، لا يمكن إخفاء أنك تنجزين فيلماً… كيف تعامل الناس مع الكاميرا؟
- كانوا مرتاحين تماماً. بل إنهم استمتعوا بذلك. يأتون إليّ ويقولون: "ربما تريدين تصويري أنا أيضاً؟ لديّ قصص. هل تحدثتِ مع ذلك الرجل؟"، الخ. إنهم منفتحون جداً ومتعاونون. الأبواب دائماً مشرّعة، يمكنك ببساطة أن تدخل.
* هناك مشهد طريف أعجبني بشدّة. ثلاثة عمّال في مصنع السمك يغادرون المصنع… وهناك ثلاث سيارات ألمانية فارهة في انتظارهم. شعرتُ وكأنك تعرضين تبايناً بين طبيعة عملهم و…
- … عندما بدأتُ التحضير للفيلم، كان لديّ تصوّر محدّد جداً عن شكل الصياد، وهو شكل مستمد من ذكريات طفولتي. في ذلك الوقت، خلال ما يمكن أن نسمّيه "سنوات الازدهار"، كان هناك نشاط كبير والصيادون يجنون مالاً جيداً، لكن العمل كان شاقاً للغاية. الصيد كان مرهقاً جسدياً، وغير متوقّع، أشبه باليانصيب. عندما يصطادون، يربحون. لكن لم يكن هناك أي ضمان. ثم جاءت فترة صعبة، بدا البحر وكأنه فارغ لفترة. كانت فترة مأسوية. غادر كثير من الناس القرية. كان هناك شعور عميق بالخسارة. لاحقاً، تحسّنت الأوضاع مجدداً، لكن بطريقة مختلفة تماماً. اليوم، يمتلك الصيادون قواربهم، سفن سريعة ومتطورة. لم يعد الصيد يعتمد على الحظ، بل أصبح محسوباً: يعرفون أين توجد الأسماك، وكم منها يمكنهم الاصطياد. كلّ شيء يمكن التحكّم فيه عن بُعد. لم يعد العمل منهكاً جسدياً كما كان في الماضي. وتالياً، تغيّرت صورة الصياد بالكامل. في السابق، كنت تراه يقف في الميناء، يشتكي على شاشة التلفزيون، يرتدي قبّعة فرو تهبّ بها الرياح، يدخّن، ويبدو ممتلئاً بالمرارة، يقول إن كلّ شيء يتّجه نحو الأسوأ. كانت تلك الصورة النمطية: رجل يكافح، يكاد يكون محطّماً. اليوم، انعكست الآية. الصيادون يحقّقون نجاحاً باهراً. يستثمرون في قوارب حديثة، بل وحتى كهربائية. يصطادون كميات كبيرة من السمك، ويكسبون الكثير من المال، ويقودون سيارات فارهة. كلّ شيء أصبح حديثاً. أشكالهم نظيفة وأنيقة.
لذا، نعم، ظروف العمل تغيّرت، وكذلك الصورة الكاملة المرتبطة بالمهنة.