رسالة إلى أهلي وأرضي في جبل عامل
إلى أحمد بيضون، عبّاس بيضون، جهاد الزين، علي حرب، علي الأمين، حسن جوني، علويّة صبح، جمانة حدّاد، حسن داوود، منى فياض، أنيسة الأمين، شوقي بزيع، وضّاح شرارة، محمد سويد، محمّد أبي سمرا، حمزة عبود، يوسف بزي، يحيى جابر، رفيق علي أحمد، وجيه كوثراني، أسامة بعلبكي، أيمن بعلبكي، حنان الشيخ، جودت فخر الدين، رفيف صيداوي، محمد فرحات، أحمد فرحات، بلال خبيز، سناء الجاك، ريما سعد...
وإنّما أنتم عينةٌ من بحرٍ، ونبعٌ من ينابيع، ونهرٌ من أنهارٍ، وسهلٌ من سهولٍ، وعلاماتٌ مضيئةٌ في حلكةٍ، وإشاراتٌ رمزيّةٌ تنفتح وتمتدّ إلى جيلٍ وأجيال، وعمرٍ وأعمار، وغمرٍ وأغمار، إلى آخرين يستحقّون أنْ يُذكَروا معكم بوقار؛ كثيراتٍ وكثرًا، مواطنين وأفرادًا عاديّين وفلّاحين ومزارعين ورؤيويّين ومفكّرين وكتّابًا وشعراء وفنّانين ونقّادًا وعارفين وعقلاء وحكماء وأحرارًا، وعابرين في الظلال، أحياءً وموتى (منكم حسين مروّة ومهدي عامل وكامل مروّة وحبيب صادق وهاني فحص وكريم مروّة ومحمّد دكروب ومحمّد حسين شمس الدين ومحمّد العبدالله وحسن العبدالله، عبد الحميد بعلبكي، ليلى عسيران، ليلى بعلبكي، حسين ماضي، بسام حجار، حسن قبيسي، عصام العبدالله...)، من أعمال جبل عامل، كنايةً عن عباقرته وأهله أجمعين.

أنتم لستم تفصيلًا في زمنٍ عابرٍ، ولا هوامش تُقاسُ على تحوّلات القوى والرايات. وُجِدتم قبل كلّ تسمية، وعشتم خلالها، وستبقون بعدها، لأنّ ما يصنعكم لا يُختَصر بانتماءٍ، ولا يُستنفد في خطاب. قيمتكم في ذواتكم؛ في قدرتكم على أن تكونوا أفرادًا كاملين ونبلاء وأشاوس في أرضٍ تُغري بالذوبان في الجماعة، وفي وفائكم لما لا يُرى ولا يُكافأ.
أكرّر: إليكم أنتم، كنايةً عن أهل جبل عامل، شعرائه وكتّابه وفنّانيه ومفكّريه وعشّاقه وناسه الطيّبين المزروعين في الوعر، وإلى كلّ من صان مسافةً بينه وبين "الجموع"، ولم يُسلّم صوته لليقينيّات الجاهزة، يليق بكم احترامٌ يوازي وقوفكم العظيم في العاصفة الهوجاء، ويليق بكم تكريمٌ يلاقي صمتكم، وتوقيرٌ لا يحتاج إلى إعلان.
أنتم لستم صدًى لمرحلة، بل نبرةٌ نبيلةٌ وفريدةٌ وخاصّة رفضتْ أنْ تُختَزَل. كتبتم وشهدتم لا لتؤكّدوا ما هو قائمٌ، بل لتُبقوا المعنى ممكنًا حين يضيق.
لم تغرّكم الرايات والأسلحة والدعوات القياميّة، ولا أغرتكم السلطة الرمزيّة التي تمنحها الجماعات لأبنائها المطيعين. اخترتم الطريق الأصعب: أنْ تكونوا أنفسكم، وأنْ تكونوا فحسب، وأن تدفعوا ثمن ذلك، بلا شكوى وبلا ادّعاء. وفي هذا، يكمن جوهر ما يستحقّ الاحترام: استقلالٌ دفينٌ وبنيويٌّ وعضويٌّ لا يعلو صوته، لكنّه لا ينحني ولا ينكسر.
تحيّةٌ إليكم، لا تُلقي عليكم عبءَ تمثيلِ أحدٍ، بل تُعيد إليكم ما هو لكم أصلًا: حقّكم في أنْ تُقرأ حيواتكم وكلماتكم وأفعالكم وتجاربكم وآراؤكم وأفكاركم وشهاداتكم وحضوركم الإنسانيّ، بوصفها أفعالَ حريّة، وأنْ تُرى كاختبارٍ دائمٍ للمعنى، لا كملحقٍ لأيِّ زمنٍ أو سلطةٍ، أو وليٍّ وزعيم.
أنتم لستم "قبل" أو "بعد". أنتم في صميم ما يبقى، حين يمرّ كلّ شيء.

هذه هي أرضكم، هذه الأرض اللبنانيّة الأصيلة، حين تُذكَر بلا ادّعاء، لا تطلب سوى أن تُرى كما هي: طبقةً من كرامةٍ وإبداعٍٍ وتمايزٍ وتعبٍ وجهدٍ، متراكمة، وذاكرةً لا تنطفئ، ونَفَسًا رقراقًا ومزهرًا يعاند الانمحاء.
هي أرضٌ، هي أرضٌ، وليست في حاجةٍ إلى مديحٍٍٍ صاخبٍ، ولا إلى خطاباتٍ تُثقِلها بما ليس فيها. يكفي أن تُلمَس برفقٍ، وأن يُصغى إليها كما يُصغى إلى جرحٍ قديمٍ، إلى عشقٍ تعلّم أن يشهد بصمت.
هناك، في جبل عامل، حيث تتعاشق الأنسام والشموس والأقمار والنظرات والأفئدة والقرى والسهول والوديان والأنهر والظلال كأنّها بقايا صلاةٍ طويلة، ليس الشعرُ فيها، والأدبُ، والفنّ، والثقافة، والفكرُ، والعقلُ، والأنسنة، زينةً، بل ضرورة.
الكلماتُ هناك، لا تُكتَب لتُقال، بل لتبقى، كترابٍ لا ينشف ولا يجفّ ولا يزول، كموهبةٍ قصوى، كحجارةٍ في جدارٍ يعرفُ أنّه قد ينهار، لكنّه يتغاوى بما فيه من معنى.
أنتم يا عشّاق الحياة والأرض، يا شعراءها، وكتّابها، وفنّانيها، ومفكّريها، الذين لم تُسلّموا أرواحكم لليقينيّات المغلقة، ولم تختبئوا خلف أيديولوجيّاتٍ تُميت السؤال، أنتم لستم استثناءً، بل أنتم، في كراماتكم الأليمة، في أوجاعكم الوجوديّة، وفي حضوركم الأبيّ، القاعدةُ التي لا تُعلن نفسها.، ولا تتباهى بنفسها.
تعرفون أنّ الانتماء ليس شعارًا، بل امتحانٌ يوميّ: أنْ تبقى وفيًّا لما لا يُكافئكَ، وأنْ تُنصت لما لا يُسمَع، وأنْ تكتب كما لو أن الكتابةَ شكلٌ من أشكال البقاء، لا التزيين.
ولأنّكم كذلك، لا تحتاجون إلى تحيّةٍ رسميّة، ولا إلى احتفاءٍ يُشبه المناسبات.
تحيّتي أنْ تُترَك البيوتُ لكم، والأمكنةُ، والأهل، والمعاني، والأفكارُ، والقيمُ، والمعاييرُ، والماضي، والحاضرُ والمستقبلُ، وأنْ تُترَكوا إلى بيوتكم، إلى أهلكم، إلى صدقكم، إلى نبلكم، إلى كبريائكم، وأنْ يُعترَف بأنّكم ضمير الأرض ووجدانها، وحَمَلةُ ما تبقّى من خيطٍ دقيقٍ يربط الإنسانَ بوجوده، دون أنْ يخنقَه بها. تحيّتي إليكم أنْ يُقال، بهدوءٍ: إنّكم، في هذا الزمن الخطير والملتبس، لم تساوموا على المعنى.
الأرضُ اللبنانيةُ لا تُكافئ كثيرًا. لكنّها، في لحظاتٍ نادرة، تعطي مَن يشبهها: قسوةً صافية، ونورًا خافتًا يكفي لكي لا يضيع الطريق تمامًا.
أنتم لا تطلبون أكثر من ذلك. وأنتم تستحقّون أكثر.
سلامي إليكم.
نبض