متحف "بارجيل" في الشارقة... مرحلة جديدة في عرض الفن العربي
في الشارقة، حيث شهدت البنية التحتية الثقافية توسّعاً مضطرداً مدى العقدين الماضيين، تتهيّأ مؤسسة جديدة لترسيخ فصلٍ مهم في تاريخ الفن العربي الحديث. فقد أعلنت "مؤسسة بارجيل للفنون" عن خططٍ لافتتاح متحفٍ مُشيَّد خصيصاً لها في مطلع عام 2028، ليكون أول مقرٍ دائم لها بعد سنوات من العمل عبر فضاءاتٍ مستعارة.
تأسّست "بارجيل" عام 2010 على يد سلطان سعود القاسمي، وقد وُجدت، حتى الآن، في حالةٍ من التنقّل المنتج. استُضيفت مجموعتها أولاً في "مركز مرايا للفنون" بين عامي 2010 و2018، قبل أن تنتقل إلى متحف الشارقة للفنون، حيث بقيت حتى عام 2025. وقد أتاح هذا المسار المتنقّل للمجموعة أن تُتداول، وأن تلتقي جماهير مختلفة، وأن تترسّخ ضمن شبكةٍ أوسع من المؤسسات.

سيُشيَّد المبنى المستقبلي على امتداد شارع الشيخ محمد بن زايد (إ 331)، على قطعة أرضٍ تبلغ مساحتها 3 آلاف و800 مترٍ مربع، منحها حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي. وقد صمّم المشروع المعماري محمد عيسى من شركة "Architecture Corner Consultants"، مستلهماً فكرته من رسمٍ أولي أعدّه سلطان سعود القاسمي نفسه، ومستوحياً لغة العمارة السكنية الحديثة في الشارقة. ويحمل هذا الاختيار دلالةً لافتة؛ فبدلاً من الاستعراض الضخم، يبدو أن المتحف يفضّل الحميمية، والتناسب، ونوعاً من الألفة المنزلية، وهي خصائص قد تُشكّل كيفية تفاعل الزائرين مع الأعمال.
في الداخل، ستعرض المؤسسة مجموعة "براجيل" في عرضٍ طويل الأمد، بما في ذلك أعمال لم تُعرض من قبل. وستعتمد المقاربة القيّمية على تتبّع تطوّر الفن الحديث في العالم العربي عبر محاورٍ موضوعية، مقدّمةً سرداً بدلاً من تسلسلٍ زمني خطّي. ومنذ عام 2019، اعتمدت المؤسسة مبادئ تهدف إلى ضمان تمثيلٍ متوازن جندرياً، وهو إطار سيستمر في المتحف الجديد، مع اهتمامٍ خاص بمساهمات الفنانات. وإلى جانب العرض الدائم، ستستضيف قاعتان مركزيتان - تبلغ مساحة كلّ منهما نحو 120 متراً مربعاً - معارض موقتة، بما يعزّز دور المؤسسة بصفتها أرشيفاً ومنصّة فاعلة في آنٍ واحد.

بالنسبة إلى القاسمي، يُجسّد المشروع طموحاً طويل الأمد، عبر تأمين فضاءٍ دائم لمجموعةٍ بُنيت عبر سنواتٍ من البحث والاقتناء. فمدى العقد الماضي، رسّخت المؤسّسة مكانتها بصفتها طرفاً محورياً في تقديم الفن العربي على الساحة الدولية. فقد نظّمت أكثر من أربعين معرضاً حول العالم، بينها "Imperfect Chronology" في "معرض وايت تشابل" في لندن (2016 - 2018)، و"Taking Shape" في "متحف غراي للفنون" في نيويورك (2020–2022)، و"Resonant Histories" في متحف شاتراباتي شيفاجي مهراج فاستو في الهند (2025). كما انتشرت أعمالها على نطاقٍ واسع من خلال إعاراتٍ لأكثر من 170 مؤسسة، بينها "موما بي إس 1" في نيويورك، و"معهد العالم العربي" في باريس، وبينالي البندقية، والمتحف العربي للفن الحديث، وبينالي ساو باولو.
في الوقت نفسه، حافظت المؤسسة على ارتباطٍ وثيق بالمنظومة الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مطوّرةً شراكاتٍ مع مؤسساتٍ مثل لوفر أبوظبي، وجامعة نيويورك أبوظبي، ومؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون، ومركز جميل للفنون، وبينالي الشارقة. ومن خلال المعارض والإعارات والمنشورات - ومنها Imperfect Chronology: Arab Art from the Modern to the Contemporary (2015)، وTaking Shape: Abstraction from the Arab World (2020)، وThe Life and Work of Inji Efflatoun (2025) - ساهمت في بلورة خطابٍ نقدي حول الحداثة العربية وامتداداتها المعاصرة.

إن افتتاح متحفٍ دائم لا يقتصر على حلّ مسألةٍ لوجستية فحسب، إنّما يعيد تعريف الشروط التي تُرى وتُدرَس وتُؤرَّخ في ظلّها مجموعة فنية. فمن خلال جمع أعمال طالما تنقّلت عبر الحدود ضمن فضاءٍ سردي واحد ومستمر، تدخل "مؤسسة براجيل للفنون" مرحلةً جديدة قد تتيح، إلى جانب الحفظ، منظوراً أكثر استقراراً لإعادة النظر في مسارات الفن الحديث في العالم العربي.
نبض