رسّام جزائري يُهدي البابا لوحةً للقديس أوغسطينوس... جسرٌ فنّي بين الإسلام والمسيحية
تابع العالم زيارة البابا لاوون الرابع عشر الرسولية إلى الجزائر باهتمام؛ استمع لخطابه إلى السلطات المدنية، وشاهده في الجامع الكبير، وسار وإيّاه على خطى القديس أوغسطينوس. وشاهد تلك اللوحة التي أُهديت للحبر الأعظم، والتي تُمثّل الفيلسوف والمفكّر اللاهوتي المسيحيّ، بريشة فنان جزائري شاب، مسلم، مؤمن بالإنسانية.
تُختزل الهويّات في عالمنا المعاصر إلى تعريفاتٍ ضيّقة، وتُحاصَر المعاني داخل خرائطٍ صلبة. في المقابل، ينبثق فعلٌ فنّيّ هادئ ليقترح مسارًا مغايرًا، قوامه أن يكون الفنّ مساحةَ وصلٍ لا فصل، وأن يستعيد الإنسان، عبر الصورة، بُعده الأوّل والأعمق.
من هذا الأفق، يخرج عمل الفنّان الجزائري الشاب معاوية رُواق، المعروف باسمه الفنّي "عزيز معاوية" كتجلٍّ داخليّ يتشكّل على مهل. فنّه، الذي يتغذّى من الأحلام ويستعير لغته من المخيّلة، يجد نفسه، من حيث لا يخطّط، داخل حوارٍ يتجاوز اللوحة: حوار مع التاريخ، مع الذاكرة، ومع تلك الطبقات العميقة من الانتماء التي لا تقبل القسمة بين ما كان وما صار.

حين اختار أن يعيد تأويل "انتصار القدّيس أوغسطينوس"، لم يكن يستدعي شخصيةً لاهوتيةً كبرى بقدر ما كان يستحضر جذراً حيّاً من تربة الجزائر نفسها. حضور أوغسطينوس متجذّر في الأرض؛ فهو صوتٌ خرج من هيبون (عنّابة الحالية) ليصير أحد أعمدة الفكر الإنساني. كتاباته شكّلت اللاهوت المسيحيّ، وساهمت في نحت لغة التأمّل الداخلي، في إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الحقيقة ومسارات البحث عنها.
في هذا السياق، يتحوّل فعل الرسم عند رواق إلى ما يشبه استعادة ذاكرةٍ مشتركة، وتاريخٍ لم يكن يومًا أحاديّ الصوت. أوغسطينوس، بالنسبة إليه، فيلسوفٍ عظيم وعلامةٌ على ذلك القلق النبيل الذي يدفع الإنسان إلى ملاحقة الحقيقة، حتى وهو يدرك استحالتها الكاملة. هذه الفكرة - فكرة السعي - تتسرّب إلى قلب اللوحة، وتمنحها نبضها العميق.
اللون الأزرق، الذي يهيمن على التكوين، يُشكّل لغة قائمة بذاتها. هو أثرُ البحر الذي سكن ذاكرة الفنان، وامتدادٌ لعلمٍ درسه، وحنينٌ إلى أفقٍ مفتوح لا يحدّه شيء. في هذا الأزرق، تتجاور السماء والصفاء، العمق والعلوّ، المادّة والميتافيزيقا؛ كأنّ اللوحة نفسها معلّقة بين مستويين: ما يُرى، وما يُحَسّ.

ورغم استلهامها من عمل كلاسيكيّ لكلاوديو كويلو، لا تُعيد نسخة رواق إنتاج الماضي، إنّما تُعيد التفكير فيه. التكوين يحتفظ بهيبته السردية، بفكرة الانتصار كحالةٍ رمزية، لكنّ الرؤية تنزاح نحو أفقٍ شخصيّ، حيث تتفكّك الرموز لتُعاد صياغتها بلغةٍ أقرب إلى الحلم منها إلى التمثيل.
في أعلى العمل، ينبض القلب الملازم لتصويرات أوغسطينوس الفنّية - رمز الجوهر والصفاء - وتعلوه كلمة "Veritas"، أي "الحق". لكنّ هذه الكلمة، في سياق تجربة رواق، لا تبقى حبيسة معناها اللاتيني، بل تنفتح على أفقٍ آخر: "الحق" أحد أسماء الله الحسنى في الوعي الإسلامي. تتقاطع الدلالات إذن لتتجاور، كأنّ الحقيقة، في جوهرها، أوسع من أن تُحتكَر داخل تقليدٍ واحد.
في المقابل، يظهر الشرّ كحضورٍ مهزوم منذ البدء، لا كقوّةٍ استعراضية. الشيطان في أسفل اللوحة أثرٌ متلاشٍ، بينما تتقدّم الملائكة، بهيئاتٍ شفّافة، بلا وجوه. كائناتٌ من نورٍ خالص. في تجريدها من الملامح، تفقد أيّ انتماءٍ ضيّق، وتتحوّل إلى حضورٍ كونيّ، لا يُعرَّف إلا بنقائه.

أما وصول اللوحة إلى يد البابا لاوون الرابع عشر، فقد جاء خارج حسابات الفنان. تكليفه السابق بإنجاز 25 لوحة تُمثّل العذراء مريم "سيدة أفريقيا" لتُهدى للوفد الفاتيكاني حمل بذاته بذرة هذا الحوار، خصوصاً مع العبارة التي طلبت منه الكنيسة المحلّية تدوينها، "يا سيدة أفريقيا، صلّي لأجلنا ولأجل المسلمين". عبارةٌ تختصر، في بساطتها، إمكانية العيش المشترك خارج منطق التنافر.
لوحة أوغسطينوس جاءت لاحقًا. لم يكن رواق حاضرًا لحظة تقديمها للحبر الأعظم، لأنّه يسكن في محافظة الجزائر، لكنّ غيابه لم ينتقص من حضور العمل؛ على العكس. اللوحة وجدت طريقها وحدها، كما لو أنّ الفنّ، حين يصدق، لا يحتاج إلى وسيط.
يُدرك رواق ندرةَ ما أقدم عليه، ويقول: "بصراحة، لم أرَ فنانين جزائريين أو عربًا يُجسّدون التاريخ المسيحي للجزائر أو ماضيها ما قبل الإسلامي"، مضيفاً: "أردتُ أن تكون لوحتي جسرًا يصل بين المسيحيين والمسلمين". إنها عبارةٌ بسيطة في ظاهرها، غير أنّها مُثقَلة بالدلالة. ففي منطقةٍ كثيرًا ما تُنتقى فيها الذاكرة على نحوٍ انتقائي، يصرّ عمله على الاستمرارية بدل القطيعة.

مع ذلك، لا يدّعي رواق طموحاتٍ كبرى أو أدوارًا مفرطة. يقول بوضوحٍ لافت: "بوصفي فنانًا جزائريًا مسلمًا، قد لا أستطيع أن أغيّر العالم أو أوقف الحروب، لكن يمكنني أن أُسهم بطريقتي الخاصة من خلال الفن". إيمانه ليس ساذجًا ولا مجرّدًا من الواقع، بل يستند إلى قناعةٍ هادئةٍ راسخة: "الفنّ قادرٌ على شفاء القلوب، وأصوات الفنانين اليوم ضرورةٌ لا غنى عنها".
وبينما يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل زمننا، "وبينما تصوغ الحروب والرأسمالية العالم الحديث"، وفق رواق، لا يرى الفنان الشاب نهايةً للفنّ، إنّما يرى ضرورته الملحّة. يقول متأمّلًا: "يخشى بعضهم أن يحلّ الذكاء الاصطناعي مكان الفنانين"، مضيفاً: "أرى العكس تمامًا: الناس بحاجةٍ إلى الفنّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى. إنهم يبحثون عن تواصلٍ إنساني؛ عن شيءٍ حقيقيّ وأصيل". بين البحر والسماء، بين أوغسطينوس والحاضر، بين الإسلام والمسيحية، لا يرسم رواق إمكانًا. إمكانٌ هشّ، ربّما. لكنّه، في عمقه، ضرورة.
نبض