لا تدعوا الجيل الجديد يعيش هذه التجربة!
لا أتذكر متى بدأت الحرب تماماً، لكنني أتذكر الخوف. كان أكبر مني، أكبر من بيتنا، وأكبر من كل شيءٍ كنت أعرفه.
كان بيتنا يطلّ على مخيم تل الزعتر من جهة، ومن الجهة الأخرى على شارع "السلاف" (في الدكوانة).
حين اشتد الخوف، انتقلنا إلى بيت جيراننا. كانوا مسيحيين. المفارقة التي فهمتها لاحقاً أن هؤلاء الجيران أنفسهم احتموا بنا، نحن المسلمين، خوفاً من جهةٍ أخرى. كنا نحتمي ببعضنا، لا نعرف من يخاف من من أكثر.
يومها اشتدّ القتال واقترب المسلحون الى حيث نقيم. طلب منا الصديق المشترك لعائلتنا والجيران الياس الداموري أن نرفع صوتنا ونقول "نحنا لبنانيي، مسالمين".
ثم دخلوا.
لا أتذكر وجوههم بوضوح، لكنني أتذكر أصواتهم العالية وأقدامهم الثقيلة على الأرض. طلبوا منا الخروج. صراخ، بكاء، وأوامر لا يمكن رفضها. أخرجونا الى مدرسة الراعي الصالح، وبدأوا يفرزوننا. في تلك اللحظة لم أفهم ماذا يعني "مسلم" و"مسيحي" ، لكنني فهمت أنه شيء يقرر أين تقف… وربما إن كنت ستبقى.
كنت حافية القدمين. لا أعرف كيف خرجت من البيت بهذه السرعة، لكنني شعرت فجأةً بشيءٍ حاد يخترق قدمي. أردت أن أبكي من الوجع، لكن الصوت لم يخرج. كان هناك ما هو أكبر من الألم.

أوقفونا قرب الحائط. لم أفهم ما الذي سيحدث. لم أكن أفهم معنى "التصفية"، لكنني شعرت أن النهاية قريبة.
ثم بدأوا يتجادلون.
أصوات مرتفعة، كلمات لم أفهمها، لكن نبرتها كانت كافية. بعضهم كان غاضباً جداً، وآخرون كانوا يتحدثون بطريقةٍ مختلفة. لم أكن أعرف أنهم يتجادلون حول مصيرنا. لم أكن أعرف أن حياتنا معلقة على هذا النقاش.
وفجأةً… تغير كل شيء.
لم يطلقوا النار. لم يمت أحد. قرروا أن نكون أسرى.
لا أعرف كم مرّ من الوقت بعد ذلك. كانت الأيام متشابهة، ثقيلةً وخائفة. لم أعد أشعر بقدمي، ولا بالجوع، ولا حتى بالتعب. كنت فقط أريد أن أعود إلى بيتنا، إلى شيءٍ يشبه الأمان.
ثم جاء عمي.
لا أعرف كيف وصل إلينا. قالوا إن لديه "معارف" كثر، وإنه استطاع أن يجدنا. كان ظهوره أشبه بمعجزة. كأن باباً انفتح فجأة، وأعاد لنا الحياة.
خرجنا... نجونا.
كبرت بعدها، لكن تلك اللحظات بقيت كما هي، حادة وواضحة. لا أتذكر كل التفاصيل، ولا كل الوجوه، لكنني لا أنسى الحائط، ولا الدم في قدمي، ولا ذلك الشعور بأن الحياة يمكن أن تتوقف في أي لحظة… أو تستمر، فقط لأن أحدهم قرر ذلك.
هذه التجربة لا تفارق ذاكرتي، وتعود كلما اهتزّ لبنان على وقع غارةٍ إسرائيلية أو خبر استهداف. لا يعود الخوف وحده، بل يرافقه غضب آخذ بالاتساع لدى شريحةٍ من اللبنانيين، ممن يشعرون أنهم غير معنيين بهذه الحرب ولم يختاروها، ومع ذلك يجدون أنفسهم يدفعون ثمنها قلقاً وخسارة وخوفاً يومياً. هذا الغضب تحديداً، بما يحمله من إحساسٍ بالظلم والفرض، يوقظ الخشية الأعمق من أن يتحول التوتر إلى انقسام، وأن تتسلل الشروخ بين الناس، فتعيد إلى الواجهة شبح الحرب الأهلية التي لم نخترها أيضاً، لكنها تركت فينا ما يكفي من الندوب لنخاف عودتها.
فلا تدعوا الجيل الجديد يعيش هذه التجربة!
نبض