باريس تحتفي بماريلين مونرو في مئويتها: ماذا داخل الفستان الأبيض؟

ثقافة 15-04-2026 | 09:22

باريس تحتفي بماريلين مونرو في مئويتها: ماذا داخل الفستان الأبيض؟

ماذا نرى عندما ننظر إلى ماريلين مونرو؟ أهي حقّاً ما تكشفه الصورة، أم ما تنجح في إخفائه؟
باريس تحتفي بماريلين مونرو في مئويتها: ماذا داخل الفستان الأبيض؟
زوار المعرض المُقام في السينماتك الفرنسية.
Smaller Bigger

بمجرد عبور عتبة "السينماتك الفرنسية" في باريس لحضور معرض ماريلين مونرو (1926 – 1962)، تفرض صورة النجمة الشقراء نفسها بقوة: فستان أبيض يتطاير فوق فتحة تهوئة، مجمَّد في الزمن كحقيقة تبدو عصيّة على التشكيك. وكأن كلّ ما تلا تلك اللحظة لم ينجح في زحزحة هذه الأيقونة أو إعادة تعريفها، فتبقى ابتسامتها الطفولية وسعادتها الظاهرة هي الصورة التي تختزلها في الذاكرة الجمعية.

تتراجع مآسي الحياة مع مرور السنوات، بل تبدو كأنها تتسرب من بين الأصابع، فيما تتولّى الصور والأرشيف واللقطات المؤطرة بعناية، صناعة حقيقة بديلة عن حياة النجوم. فلا تكاد تجد في أرجاء المعرض لحظة واحدة، أخفيةً كانت أم معلنة، تفضح ما عاشته نورما جين (اسمها الحقيقي)، من طفولة قاسية، ووحدة ممتدّة، واستغلال، وعلاقات سامة، وإدمان، واضطرابات نفسية. لا بد من العودة إلى النصوص المرافقة للمواد المعروضة كي نلمّ بشيء من هذه السيرة المظلمة.

لقد عرفت ماريلين، على امتداد العقود، كيف تخدع، ولا تزال تفعل ذلك حتى اليوم. فحتى بعد الاطلاع على مآسيها ورحيلها المبكر في السادسة والثلاثين، تظلّ صورتها البراقة هي التي تطفو إلى الذاكرة، لا تلك الروح المنهكة خلفها. الخديعة نفسها هي ما شعرتُ بها وأنا أخرج من مبنى السينماتك. فصورها في مقتبل الشباب تتحوّل، في الحقيقة، إلى مدخل مضلّل: إذ توهمك بأنك ستلتقي ماريلين مونرو، بينما يقودك المعرض في حركة دائرية متواصلة بين ماريلين ونورما جين، من دون أن يحسم هذا الانقسام. هكذا يتحوّل الأمر برمّته إلى سؤال معلّق وهاجس مفتوح لا يملك المعرض نفسه القدرة على الإجابة عنه: من هي ماريلين مونرو؟

 

ماريلين مونرو في ”سنة الحكّة السابعة“ لبيلي وايلدر.
ماريلين مونرو في ”سنة الحكّة السابعة“ لبيلي وايلدر.

 

ما يقدّمه المعرض، الذي صُمِّم في مناسبة مرور مئة عام على ميلاد مونرو، هو نوع من التشريح البصري لمسيرتها عبر أفلامها الـ32، والشخصيات التي أدّتها، والكيفية التي تعاملت بها مع صورتها العامة، وأحياناً بالامتثال لها، وأحياناً أخرى بمقاومتها أو اللعب على تناقضاتها، من دون إغفال محاولة القائمين على المعرض ردّ الاعتبار اليها كممثّلة، بعيداً من اختزالها في مصيرها الشخصي أو نهايتها التراجيدية.

في هذه الفسحة التي تستعيد أواسط القرن الماضي بنوع من النوستالجيا الدقيقة والمُحكَمة، نتعرف إلى القوى التي صنعت مونرو وروّجت لها، لتتحوّل سيرتها إلى مرآة لزمن كامل وتحوّلاته. فقصّة ماريلين ليست سوى ربع قرن من التاريخ الأميركي، بل تحديداً تلك السنوات التي شهدت الحرب الباردة وبدايات حرب فيتنام، مروراً بالماكارثية وحملات مطاردة الشيوعيين، وصولاً إلى نضالات الحقوق المدنية للسود. وهي مرحلة يمكن القول إنها قامت على التناقض: تناقض بين الطهرانية والتحرر، وبين الصورة الرسمية وما يتشكّل في الهامش.
لم تكن مونرو في منأى من هذه التحوّلات، وإنما بدت كأنها من تجلياتها الأكثر كثافةً. فقد استُغِلّت بقدر ما هي استثمرت أيضاً هذه التحوّلات. استُغِلّت عبر التوتّرات التي مزّقتها، واستثمرت عبر اضطلاعها بدور رمزي في إعادة تشكيل صورة المرأة، والخروج بها من القوالب التقليدية الضيقة التي حُصرت فيها لعقود.

على الصعيد الاجتماعي، تلك مرحلة تميزت بالمطالبة بالحقوق، وظهور ثقافات شعبية بديلة، وتنامي الجدل حول الرقابة على الجنس وحدودها. في هذه اللحظة الانتقالية بين عالمين، عالمٍ يأفل وآخر يتشكّل، ظهرت مونرو، مجسدةً كلّ التناقضات: بين الخطاب المحافظ من جهة، وصور مجلة "بلايبوي" من جهة أخرى. 
يبدأ المعرض من مسقطها: لوس أنجلوس العشرينات، حيث وُلدت طفلة بلا أب، في سياق عائلي مضطرب وظروف فقر قاسية. فيما أميركا مشغولة على الجبهات، تُكتَشف نورما جين، التي كانت آنذاك عاملة في أحد المصانع، فتتحوّل بالمصادفة إلى عارضة. وفي غضون أشهر قليلة، يبدأ وجهها في تصدّر غلف المجلاّت، كفتاة عفوية في زمن الانفجار الكبير للثقافة الاستهلاكية.

هذه السرعة في الصعود جعلتها تتعلّم مبكراً كيف تكون "صورة". وعندما تتعاقد معها استوديوات "فوكس" وهي لم تتجاوز العشرين بعد، يتبدّل كلّ شيء: الاسم، الشعر، وحتى الملامح. يصبح الشعر الأشقر، تحديداً، جزءاً من استراتيجيا تسويقية محسوبة، ومن صناعة "غلامور" هوليوودي قائم على نموذج المرأة المثالية كما تتخيله الثقافة البيضاء المهيمنة آنذاك. أما الجسد، فيُعاد تشكيله بدقّة ليطابق هذا القالب المصنوع سلفاً.

 

ملصق معرض ماريلين مونرو في “السينماتك الفرنسية“.
ملصق معرض ماريلين مونرو في “السينماتك الفرنسية“.

 

هكذا تولد ماريلين مونرو كمنتَج في يد صناعة تعرف تماماً كيف تسوّقه للعالم. هذه الآلية، يسلّط المعرض الضوء عليها بوضوح: في هوليوود نظام العقود يجعل الممثّلين والممثّلات ملكاً فعلياً للاستوديوات. تُصادَر الصورة، والحياة الشخصية تتحوّل إلى أداة دعائية ضمن ماكينة الإنتاج. ماريلين ليست استثناءً في هذا السياق، لا بل المثل الأوضح والأكثر اكتمالاً، حتى وإن عملت تحت إدارة كبار المخرجين، من فريتس لانغ وهاورد هوكس إلى بيلي وايلدر، مروراً بجون هيوستن وجورج كيوكر، حيث ظلّت دائماً بين صورتين: نجمة تُصنَع بعناية، وموهبة تحاول أن تجد لنفسها مكاناً داخل تلك الصناعة الصارمة.

بين عامي 1945 و1952، تظهر مونرو في أدوار ثانوية متشابهة، تنتقل من أعمال الدعاية السياسية إلى الكوميديات الخفيفة التي ستصبح فضاءها المفضّل: سكرتيرة، راقصة، فتاة بريئة الملامح، الخ. كان حضورها في تلك المرحلة حضوراً جسدياً أكثر منه درامياً، فهي "الفتاة اللعوب" التي يلتف حولها الرجال، كعنصر جاذبية داخل المشهد.

مع ذلك، يبدأ شيء ما بالتشكّل في الهامش. في هذه الأدوار الصغيرة، كانت تضيف تفاصيل دقيقة تكسر النمط: حركة غير متوقّعة، نظرة تطول أكثر ممّا ينبغي، ليونة خفية تشق القالب المصنوع لها. في موازاة ذلك، عملت على نفسها بصرامة لافتة، درست التمثيل في صفوف لي وبولا ستراسبرغ، جالسةً بين طلابها، رغم أنها كانت في ذروة شهرتها. غير أن المفارقة أن هذا الجهد لم يُنقذها من القالب، فرسّخ حولها فخّاً جديداً: صورة "الشقراء الغبية" تحوّلت إلى قناع ثقيل يبتلع ما عداه من ملامح.

مع فيلمي "نياغارا" لهنري هاثاواي و"الجنتلمانات يفضّلون الشقراوات" لهاورد هوكس، تشق مونرو طريقها نحو العالمية وهي في العشرينات من عمرها. في الفيلم الأول تظهر كامرأة فاتنة وخطيرة في آن واحد، وفي الثاني تتحوّل إلى شخصية تبدو سطحية في ظاهرها، لكنها تحمل قدراً من الذكاء والمكر. غير أن النجاح، بدل أن يحررها، يثبت الصورة أكثر، ذلك انها تصبح إما تهديداً أو خيالاً، وفي الحالتين ليست إنسانة كاملة، بل تمثيل لشيء آخر.

 

ماريلين عندما كانت نورما جين.
ماريلين عندما كانت نورما جين.

 

تبرز المفارقة التي يضيء المعرض عليها: كلما ازدادت شهرتها، تضاءلت رؤيتها كممثّلة. حتى المخرج والشاعر الإيطالي بيار باولو بازوليني لم ينجُ من هذا الاختزال، إذ تعامل معها من موقعه الماركسي بوصفها "ظاهرة" أكثر من كونها فنّانة، ورأى فيها ضحية بنية اجتماعية لا أكثر، من دون أن يلتقط تعقيدها الداخلي أو الرمز الكامن خلف الأيقونة.

المشهد الأشهر، الذي يتّسم بقدر من الإيحاء، في "سنة الحكّة السابعة" لبيلي وايلدر، يتصدّر المعرض: الفستان الأبيض. في ظلّ "كود هايز" الذي كان يفرض رقابة صارمة على تمثيل الجنس في السينما، يلتفّ وايلدر على المنع عبر إيحاء بصري ذكي، يوظّف الطهرانية ذاتها ويقلبها إلى مادة ساخرة. إنه استفزاز صارخ، لكنه في الوقت نفسه يتناغم مع منطق هوليوود التجارية التي لا تجد غضاضة في تحويل التلميح إلى أرباح عالمية.

والنتيجة كانت مشهداً أيقونياً تجاوز الفيلم نفسه، وانتشر في العالم كلحظة جمالية خالصة. في هذا العمل، حيث تجسّد مونرو استيهامات رجل متزوج، تتحوّل إلى رمز: أنوثة مقبولة لأنها تبدو مرحة، خفيفة، وغير مهدِّدة للنظام القائم. غير أن هذه الصورة، التي صاغتها الصناعة بعناية، لم تكن هي الصورة التي أرادتها لنفسها. ففي الواقع، كانت مونرو تحاول الهروب من هذا القالب الضيق، والمطالبة بأدوار أكثر عمقاً وتعقيداً. ابتداءً من منتصف الخمسينات، تدخل في صراع مباشر مع "فوكس"، رافضةً أدواراً تراها سطحية ومكررة، ومطالبةً في الوقت نفسه بمعاملة مهنية متساوية مع النجوم الذكور، الذين كان بعضهم يتقاضى أضعاف أجرها.
تبلغ هذه المرحلة ذروتها مع تأسيس شركة إنتاج وانتقالها إلى نيويورك، والتحاقها بـ"أكتورز ستوديو"، في محاولة واعية لإعادة بناء ذاتها كممثّلة. كانت هوليوود تريد تثبيت الصورة كما هي، فيما هي تسعى إلى تفكيكها وإعادة صوغها.

في "محطّة الباص" لجوشوا لوغان، تظهر بملامح أكثر إنسانية وقلقاً، وفي "الأمير وفتاة الاستعراض" تبدأ في اللعب على صورتها بوعي واضح، كأنها تعيد توجيه القناع بدلاً من الخضوع له. غير أن كلّ محاولة كهذه كانت تقرأها هوليوود كما لو كانت تمرداً أو نزوة. نجمة تحاول التفكير والانتفاض وبناء حضور فنّي ناضج داخل منظومة تقيس الفنّان بمعايير الطاعة والربح، ذلك بالضبط ما كان يزعج في أميركا الخمسينات، التي تريد صورة بلا تعقيد، وأنوثة بلا احتجاج.

يظهر المعرض كيف أصبح جسد مونرو نفسه ميداناً سياسياً، خاضعاً لتقاطعات السوق والإيديولوجيا في آنٍ واحد. ففي أميركا ما بعد الحرب، حيث لا تزال التمييزات العرقية والاجتماعية حاضرة بقوة، جرى تقديمها كنموذج "قياسي" للأنوثة: بيضاء، شقراء، ومفرطة في الأنوثة وفق تصوّر هوليوودي صارم. لقد كان هذا النموذج، في جوهره، نتاجاً لماكينة صناعة الوهم، صاغته الإعلانات ورسّخته الثقافة الجماهيرية كصورة المرأة المثالية. غير أن هذا الجسد، الذي صُمِّم ليكون أداة جذب واستهلاك، تحوّل في لحظات معينة إلى مساحة لاستخدام مختلف، أقرب إلى فعل تحدٍّ منه إلى خضوع.

في أفلامها الأخيرة، تبدأ مونرو بالظهور كممثّلة مختلفة فعلاً، أكثر كثافةً وقلقاً. في "البعض يحبّها ساخنة" لوايلدر، الذي نالت عنه جائزة ”غولدن غلوب“، تمزج بين الكوميديا والحنين والحزن الكامن تحت الغشاء، كاشفةً عن طبقات متناقضة في الشخصية الواحدة. أما في "المنبوذون" لهيوستن، من كتابة زوجها آرثر ميلر، فتصل إلى مساحة إنسانية أكثر عمقاً. لكن الزمن لم يكن في صالحها. فالمسار الذي كانت تحاول شقّه نحو ممثّلة أكثر اكتمالاً اصطدم بواقع قاسٍ، والقدر لم يمنحها ما يكفي من الوقت لتثبيت هذا التحوّل أو استكماله.

عام 1962، تتحوّل وفاتها، بينما كانت تصوّر "لا بد أن يتغير شيء" تحت إدارة جورج كيوكر، إلى مادة خصبة للخيال والتأويل: انتحار؟ حادث عرضي؟ مؤامرة؟ غير أن الإجابة، على تعددّها، تبدو أقل أهمية من الحاجة الجماعية إلى نسج الحكايات. فماريلين، منذ تلك اللحظة، ما عادت نجمة كغيرها، وإنما مساحة يسقط عليها الجميع هواجسهم وتصوّراتهم. مع آندي وارهول، أصبحت صورة تُعاد طباعتها وتفريغها من سياقها لتغدو رمزاً خالصاً. ثم توالت عمليات "إعادة التمثيل" عبر أجيال لاحقة: مادونا، بيونسيه، ميشيل وليامز، مارغو روبي… نسخ متعدّدة تحاول استعادة الأثر، لكن الأصل يظلّ عصيّاً على الاستنساخ.

ما الذي يكشفه المعرض، في نهاية الجولة؟ ذلك إنه لا يكتفي بسرد سيرة ماريلين، بل يورّطنا فيها، دافعاً إلى مساءلة فعل النظر ذاته: العلاقة الملتبسة بين مَن يرى ومن يُعرَض. ويذكّرنا، ضمناً، بأن النجومية شيء، والتمثيل شيء آخر. الصورة قد تبتلع صاحبها، وتعيد إنتاجه وفق ما تريده أعيننا لا وفق ما كانه حقّاً. هكذا يبقى السؤال معلّقاً: ماذا نرى عندما ننظر إلى ماريلين مونرو؟ أهي حقّاً ما تكشفه الصورة، أم ما تنجح في إخفائه؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.