هل فعلًا "وُجدَ" الفينيقيون؟ (2 من 3)

هل فعلًا "وُجدَ" الفينيقيون؟ (2 من 3)
معبد المسلَّات في جبيل (1200 ق.م.)
Smaller Bigger

قد يبدو هذا السؤَالُ فجأَةً، صادمًا أَو غريبًا، لكثرة ما في كتُب التاريخ والآداب من تحاليلَ عنهم ونصوصٍ أَدبيةٍ، شعرًا ونثرًا، واستشهادات وإِفادات وإِثباتات ووثائق، حتى ليبدو السؤَالُ اليوم على كثير من الغرابة.
المجلة الأَميركية العلْمية الشَهرية "ناشيونال جيوغرافيك" (تأَسست في واشنطن قبل 138 سنة - صدَر عددها الأَول في أَيلول/سبتمبر 1888)، خصَّصت ملفَّ عدَدها المزدوج (تموز-آب/يوليو/أُغسطس 2025) لهذا الموضوع، وعَنْوَنَتْهُ على الغلاف: "الفينيقيون أَسياد المتوسط". كتبَه الاختصاصيُّ الإِسبانيُّ في علم الآثار ودراسات الشرق الأَدنى وجذور الفينيقيين: البروفسور جوردي ڤيدال (حاليًّا: أُستاذ التاريخ القديم لدى جامعة برشلونة المستقلَّة).
بعد المقال السابق عن الفينيقيين وترجيحات وجودهم، هنا في هذه الحلقة الثانية وثائق عن أَصل الفينيقيين.

سمك صور أَغزر من رمال شاطئها
في بُردية جيوڤاني أَنَاستازي (رقم 10247 لدى المتحف البريطاني)، نصٌّ يرقى ترجيحًا إِلى القرن الثالث عشر (ق.م.) إِبَّان حكْم الفرعون المصري رعمسيس الثاني. ورد في هذا النص وصف موجز لِمُدن على الشاطئ الكنعاني كانت تحت سيطرة مصر. نصُّ الرسالة يُعزى إِلى ناسخٍ مصري بأُسلوب أَدبي، وقسمٌ منه مخصص لمدُنِ شعوبٍ سمَّاهم الإِغريقيون لاحقًا "الفينيقيين". جاء فيه: "... وماذا عن مدينة سحرية أُخرى اسمُها بيبلوس؟ لم تروِ لي عنها وعن إِلَهتها المعبودة. حدِّثني أَيضًا عن بيريتُوس وصيدون وسْرِپْتا (بيروت وصيدا والصرفند حاليًّا) ، وكذلك عن مدينة بحرية مرفَإِية أُخرى اسمُها صُوْر، تُنقل المياه إِليها بالقوارب، وهي أَوفر بالسمك منها برمال الشاطئ".

 

تماثيل منمنمة من ورق الذهب (بيبلوس)
تماثيل منمنمة من ورق الذهب (بيبلوس)

 

وفي ذاك النص أَيضًا ذكْرٌ لإِدراك المصريين الحاكمين ما في بلاد كنعان، كطرقاتها، ووصف مدنها، وغنى المدن قبل قرونٍ من بلوغ فينيقيا عصرها الذهبي في التجارة عبر المتوسط. 

ماذا تقول الأَركيولوجيا
المعلوماتُ التي وصلَتْنا عن أَصل الفينيقيين - وهي لم تكن سوى تكهُّنات وافتراضات جاءَتْنا من نصوص الكتاب المقدس ومن التقاليد الرومانية الإِغريقية، وضاع فيها أَصلهم مع ضباب الزمان - ناقضَتْها حديثًا نتائجُ الاكتشافات الأَثرية والتاريخية المثْبَتة بالوثائق. فحين كانت مدنهم الكبرى في أَوج ازدهارها، كانوا منتشرين في المشرق المتوسطي مع جيرانهم الكنعانيين. وفي دراسة أَثرية جديدة  عن آخر الاكتشافات الحديثة، أَنَّ الفينيقيين هم حَفَدةُ حضارة ازدهرت في المشرق نحو الألف الثالث (ق.م.) هي الحضارة الكنعانية.

 

خارطة الفينيقيين (بالأَخضر) من أُوغاريت شمالًا إِلى دُور (شمالي حيفا جنوبًا)
خارطة الفينيقيين (بالأَخضر) من أُوغاريت شمالًا إِلى دُور (شمالي حيفا جنوبًا)

 

الكنعانيون معروفون، بشهرة واسعة، من نصوص الكتاب المقدس. وفيها أَنهم سكانُ فلسطينَ الأَصليُّون، وأَنهم قاوموا غزْوَ اليهودِ أَرضَهم الفلسطينية نحو سنة 1200 (ق.م.). بلغ الكنعانيون ذروةَ مجدهم في الأَلف الثاني (ق.م.)، وامتدت حضارتهم على وسْع بلدان المشرق، أَي بين ما هي اليوم دولة إِسرائيل ودولة فلسطين وصولًا إِلى جنوب سورية الطبيعية. فالشعوب السامية المختلفة في تلك البقعة الجغرافية عهدئذٍ شكَّلَت فسيفساء متنوعة من مدنٍ/دوَلٍ تتكلَّم لهجات متعدِّدة تجمع ما بينها اللغة السامية الغربية. وتلك المدُن/الدُوَل أَقامت علاقات تجارية مع سكَّان البلدان الأُخرى في شرقي المتوسط. وبفضل ما كان من قيمة سْتْراتيجية للأَراضي الكنعانية ووفرة مواردها الغنية، بما فيها خشب غابات الأَرز الكثيفة، كانت أَمبراطوريات مصر والشرق الأَدنى تحاول تكرارًا إِحكام السيطرة على أَراضيها. وهكذا، طيلة ثلاثة قرون تقريبًا، تمكَّن فراعنة المملكة الجديدة في مصر من حكْم بلاد كنعان.

الجذور الكنعانية
بين الحضارة الكنعانية في الأَلفَين الثالث فالثاني (ق.م.) وحضارة الفينيقيين في الأَلف الأَول (ق.م.)، تَواصُلٌ واضحٌ أَثبتَهُ علم الآثار بأَن المدينَتَيْن جبيل وصُوْر كانتا فينيقيَّتَيْن منذ أَوائل العصر البرونزي (بين نحو 3500 سنة و2000 سنة ق.م.). وكانت مواقعهما في تلال أَو جُزُر، تتيح لهما مراقبة الأَراضي الزراعية المحيطة، وخلجانٍ ومرافئَ طبيعية كانت أَساسية لتحرُّكاتهم التجارية.

 

من التقاليد الشعبية الفينيقية: موسم قطاف العنَب
من التقاليد الشعبية الفينيقية: موسم قطاف العنَب

 

وعن بعض المصادر المدوَّنة من نحو 1200 سنة (ق.م.) شهدَت تلك المنطقة فتراتٍ صعبةً بسبب غَزْوِ من كانوا يسمَّون شعوب البحر، وهم قراصنة يجيئُون من الشواطئ الغربية لأَناضوليا (شبه جزيرة غربيَّ آسيا الصُغرى جلُّها اليوم في تركيا) ولمنطقة البحر الإِيجي (امتداد طويل للبحر المتوسط بين اليونان في الشمال الغربي، وتركيا شرقًا، وتبلغ مساحة تلك المنطقة نحو 214 أَلف كلم مربع).

وبينما كشفَت الوثائق الأَركيولوجية تقطُّعًا بين فترة وأُخرى في التحرُّكات التجارية، دلَّت كذلك على أَنَّ الفينيقيين لم يتأَثَّروا بتلك التقطُّعات، بل بقيَت حركتُهم التجارية على نُمُوٍّ وازدهار.

الحلقة الثالثة والأَخيرة: ... وماذا عن صُوْر وصيدا وجبيل؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها