"سوبر ماريو" واختبار الزمن... انتصار الذاكرة الجماعية ظاهرة 2026

ثقافة 14-04-2026 | 09:39

"سوبر ماريو" واختبار الزمن... انتصار الذاكرة الجماعية ظاهرة 2026

يكرّس نجاح الفيلم "ماريو" ظاهرةً ثقافيةً تحوّلت إلى مؤسّسةٍ في قلب صناعة الترفيه.
"سوبر ماريو" واختبار الزمن... انتصار الذاكرة الجماعية ظاهرة 2026
مشهد من الفيلم. (يونيفرسال)
Smaller Bigger

في صناعةٍ سينمائيةٍ كثيراً ما تحكمها نزعةُ التجديد العابر وموضاتٌ سريعة الزوال، أعاد فيلم "سوبر ماريو غالاكسي" التأكيد أنّ بعض الرموز الثقافية لا يأفل، بل يتجدّد ويتحوّل ليواكب العصر.

مع إيراداتٍ عالمية بلغت 629 مليون دولار، والرقم مرشّح للتصاعد، غدا فيلم "سوبر ماريو غالاكسي" أعلى إنتاجٍ إيراداً في هوليوود لعام 2026، مضيفاً في عطلة نهاية أسبوعه الثانية وحدها 69 مليون دولار؛ وهو أداءٌ يُثبت نجاحاً تجارياً من جهة، ويؤكّد، من جهة ثانية، "الرصيد العاطفي" المتجذّر والذي يتجاوز الزمن.

يواصل الفيلم التوسّع السينمائي لسلسلةٍ انطلقت، بتواضع، من عوالم ألعاب الثمانينات المرسومة بالبكسل. وفي هذا الجزء (إخراج آرون هورفاث ومايكل جيلينيك)، تنطلق الشخصيات إلى سرديةٍ كونية أرحب، من دون أن تتخلّى عن تلك البساطة التي جعلتها مألوفةً على نطاقٍ عالمي.

مع ذلك، فإنّ "الانتصار" المالي الذي حقّقه الفيلم - رغم ميزانيته المتواضعة نسبياً والبالغة 110 ملايين دولار - لا يروي سوى جزءٍ من الحكاية.

"فرانشايز" أقدم من جمهوره
تُشكّل شخصيّتا ماريو ولويجي جسران يعبران بجمهورهما الزمن. قدّمهما مصمّم الألعاب الياباني شيغيرو مياموتو في مطلع الثمانينات، فظهرا في سنوات التشكّل الأولى لألعاب الفيديو المنزلية، حين كانت أجهزة "أتاري" ترسم ملامح جيلٍ جديد. وما تلا ذلك كان نجاحاً لسلسلة ألعابٍ خلق ما يمكن وصفه بأنه "تراكم" ثقافي: من ألعاب الفيديو إلى الشرائط المصوّرة والأزياء التنكّرية، وصولاً في نهاية المطاف إلى شاشة السينما.

 

ملصق الفيلم. (IMDb)
ملصق الفيلم. (IMDb)

 

حقّق الجزء السابق "سوبر ماريو بروس، الفلم" (2023) إيراداتٍ عالمية تجاوزت 1,36 مليار دولار، ليغدو أوّل عملٍ سينمائي مقتبس عن لعبة فيديو يتخطّى هذه العتبة الرمزية. أمّا جزؤه الجديد، ورغم حداثة عهده في صالات العرض، فماضٍ في مسارٍ مماثل، مؤكِّداً أنّ شخصية ماريو لا تتآكل بتعاقب الأجيال، بل تزدهر بها ومن خلالها.

الحنين محرّك الإنتاج
لطالما سعت هوليوود إلى ملكياتٍ فكرية موثوقة، غير أنّ قلّةً من الامتيازات (فرانشايز) تجمع بين الحنين وسهولة الوصول كما يفعل ماريو. وغالباً ما يشير محلّلون إلى ما يمكن تسميته "التزامن بين الأجيال"، أي أنّ الآباء الذين لعبوا "ماريو" في الثمانينات يصطحبون اليوم أبناءهم إلى صالات السينما، فتنهار عقودٌ زمنية في تجربةٍ مشتركة واحدة.

يشير مراقبون في صناعة الترفيه إلى أنّ نجاح الفيلم متجذّر في هذا الخطاب المزدوج؛ فهو، في آنٍ واحد، عرضٌ بصري موجّه للأطفال وأداةٌ لاستدعاء الذاكرة. ويستفيد عالم "ماريو" من معادلةٍ تقوم على تلاقي الحنين مع سردٍ مناسب للمشاهدة العائلية، وهي صيغة باتت تحتلّ موقعاً مركزياً في منطق شباك التذاكر المعاصر.

حتى التراجع الطفيف في عطلة نهاية الأسبوع الثانية - بنحو 48 في المئة، يُعدّ مؤشراً على متانة الأداء لا على ضعفه، إذ يعكس قدرةً ملحوظة على الاحتفاظ بالجمهور في سوقٍ تنافسية.

من البكسل إلى الأسطورة
ما يميّز ماريو عن سائر الامتيازات الطويلة الأمد هو طابعه التجريدي. فعلى خلاف الأبطال الخارقين أو الشخصيات الأدبية، لم يُثقَل ماريو يوماً بسيرٍ أصلية معقّدة أو بأطرٍ أيديولوجية صارمة؛ إنّه، في جوهره، سبّاكٌ يرتدي قبّعةً حمراء ويجوب عوالم خيالية ومتشعّبة. وقد أتاحت هذه البساطة إعادة تأويله بلا نهاية، عبر ألعاب الفيديو والقصص المصوّرة، وصولاً اليوم إلى الفضاء السينمائي، من دون أن يفقد تماسكه.

في فيلم "سوبر ماريو غالاكسي" تبلغ هذه التجريدية أوسع تجلّياتها؛ إذ يتحوّل الفضاء إلى ساحة لعبٍ جديدة، وصدىً للروح الأصلية القائمة على الاكتشاف والحركة. قد يتبدّل السرد، لكنّ قواعد ماريو تظلّ على حالها: اقفز، تجاوز، تقدّم.

ثابتٌ ثقافي
قلّةٌ من الشخصيات حافظت على هذا الحضور المتواصل عبر أربعة عقود، مع قدرتها الدائمة على التكيّف مع أنظمة الوسائط الجديدة. من "رسوم 8-بت" البدائية إلى شاشات "IMAX"، ومن أجهزة اللعب إلى منصّات البثّ، أثبت هذا الامتياز قدرةً لافتة على إعادة ابتكار ذاته من دون انقطاع.

النتيجة ليست مجرّد فيلمٍ ناجح، إنّما تأكيدٌ متجدّد على استمراريةٍ ثقافية. فماريو ولويجي لا يصمدان لأنهما يقاومان التغيير، بل لأنهما يستوعبانه بهدوء، وبروحٍ مرحة، وبكونيةٍ تتجاوز اللغة والجغرافيا والزمن. ومع تصاعد أرقام شباك التذاكر، يمكن اعتبار أنّ "ماريو" تجاوز إطار "الشخصية"، وتحوّل إلى مؤسّسةٍ قائمة بنفسها.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
ايران 4/13/2026 2:52:00 PM
من هي معصومة ابتكار “ماري الصارخة” التي رحّلت واشنطن نجلها من أميركا؟