فرانز فانون... "معذّبو الأرض" لا يموتون
ثمة أعلامٌ لا يفنون، وأحداثٌ لا تزول، وذاكرةُ شعوبٍ ينبض قلبُها بقوة لتؤكد أنها حيّة، وحمولةُ الماضي المتعدد جزءٌ من هويتها، واسترجاعه تجذُّرٌ لإنسانيتها، ووفاءٌ لصانعيه، ولاستخلاص العبرة. ما فتئت فرنسا تخطو في هذا السبيل بخطى حثيثة، لا يقتصر على الاحتفال بذكرى كبارها في الميادين كافة، فهذا تقليدٌ راسخ، ومظهرٌ بارز من تجليات الثقافة الفرنسية وانشغال منابرها، تغدو معه ذخائر المتحف المعرفي الوطني منتوجاً أساساً من خصوبة الثقافة الوطنية.
يشمل الاحتفال الامتدادات والأطراف، من خارج المتربول المركزي إلى الجزر التابعة، وكذلك ما يسمى عالم الفرنكفونية حيث الانغراس اللغوي والتعليمي والتأثير السياسي من تبعاتِ المرحلة الاستعمارية واستمرار نفوذها، بما يجعل حضور أعلامِ ومعضلات أراضي ما وراء البحار وإفريقيا وشرق المتوسط أيضاً يحظى بالعناية وجزءاً من الذاكرة الوطنية.
هذه المقدمة ضرورية لنفهم الأهمية التي اكتساها الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاد المفكر والكاتب والمناضل المارتينيكي الفرنسي فرانز فانون، المولود عام 1925، خصصت لها ندوات ونشرت إصدارات - لم تنقطع أبداً - من أغناها العدد الخاص أعدّته المجلة الفصلية النقدية "إيسبري" (كانون الثاني/يناير، شباط/فبراير 2026) ذات المنزع الكاثوليكي اليساري منذ أسّسها سنة 1932 الفيلسوف إيمانويل مونيي، لتواكب ظواهر العصر الفكرية والإيديولوجية خلال الحرب الكونية الثانية وعقبها ومدى القرن العشرين إلى اليوم، بروح فلسفية ومنهجية عقلانية ونزعة ليبرالية، لذلك جمعت طائفة من المستنيرين كان فانون من بينهم، وقد نشر فيها مقالتيه الأوّلين "التجربة المعيشة للرجل الأسود" (1951) ثم "متلازمة شمال إفريقي" (1952).

علاوة على احتفاء مئوية ميلاده، تندرج عودة مجلة "إيسبري" إلى ابنها القديم، في إطار سيرورة ثقافية سياسية، فرنسية وعالمية، تتجدد فيها حركات ونزعات ونزاعات أمس، في عديد انفجارات وأزمات منها تفشّي العنصرية، والهيمنة، وتسلّط رأسماليات فاحشة باسم الليبرالية، وتباعُد الشّقة بين الشمال والجنوب، وعودة الاستعمار الجديد في أشكال مزخرفة تنزع السيادة، في مواجهة تيارات فكرية وإنسانية مقاومة بتأكيد الهوية وحقوق القوميات ورفض الظلم والاضطهاد، ما يسمى عموماً بثقافة حقوق الإنسان، هي التي حدّدت مبادئ ونضال فانون. وإذن، فهو الرمز ما يستعاد في شموليته تندرج بداخله خصوصيات صاحبه العديدة والمتشعبة، أكبر وأعقد من الصورة الشعارية السائدة عند العموم من وحي كتابه - البيان "معذبو الأرض" (Les Damnés de la Terre) الذي ختم به عام 1961 حياته.
لا بأس من التذكير بعناصر السيرة الذاتية لمن ولد في المارتينيك بـ"بور أوبرانس" التابعة لفرنسا (1925) لذا فهو بجنسيتين وهويتين، بما سيحدّد مسار حياته. التحق في الـ18 من عمره بالقوات الفرنسية الحرة بقيادة الجنرال ديغول، فقاتل باستبسال بروح وطنية، ولكن عاش تجربة مريرة عانى فيها من العنصرية. المعاناة التي قادت خطاه ووجّهت فكره وصنعت مستقبله. بعد نيل البكلوريا (1946) حصل على منحة نقلته من مسقط رأسه إلى مدينة ليون في المتروبول الفرنسي ليسجل في كلية الطب فرع دراسة الأمراض العقلية، توّجها بأطروحته صدر مجملُها في كتابه الأول "بشرة سوداء، وأقنعة بيضاء" (Peau noire, masques blancs) عام 1952 درس فيها قضايا تخص الهوية والادماج والعنصرية تجاه الأشخاص السود من منطلق تجربته في بلده وانتقاله إلى فرنسا. عُيّن إثرها طبيباً في مستشفى الأمراض العصبية في مدينة البليدة الجزائرية (1953). من هذا الموقع سيبدأ في بلورة فكره المتحرر الملتزم إذ قدّم بوصفه مديراً للمستشفى مقاربة غير مسبوقة في المعالجة العقلية الاستعمارية تنهض على مسلسل لتحرير الأجساد، والتنقّل والتكيّف الاجتماعي بالثقافة والدين. سيتبيّن له أنّ الجزائري من الأهالي (المستعمَرين) يعامل معاملة الأسوَد من قبل الفرنسي، ليستخلص أنّ الاستعمار عنف شامل ينزع إنسانية الإنسان، المستعمَر والمستعمِر على حدٍّ سواء.

سيتحدد هذا التصور لدى فانون في محاضرات وتحليلات تنصبّ على طبيعة وسيكولوجية الكائن الأسود الإفريقي والأفرو أميركي من خلال قراءة لروايات كتاب وشعراء مشاهير منهم: ريشار رايث وشيستر هيمس اللذين عبّرا بحدّة عن المسألة الوجودية في قلب تجربة معيش الإنسان الأسود بأسئلته الحارقة: من أنا؟ إن كنت أسود، هل أنا مثل البشر الآخرين؟ كذلك وجد في شعر إيمي سيزير ضالته في ديوانه الشهير "دفتر العودة إلى مسقط الرأس" (1939). في مجال ما سمّاه "كتابات الذات"، نبش في نصوص أدبية لكُتّاب سود تُظهر لا وعي المرأة السوداء مسكوناً بالاستلاب إلى الأبيض، والوعي الأليم للإنسان الأسود بلونه تجاه المرأة البيضاء. لقد سعى في الحقيقة لتأكيد كينونته كأسود. لذا يمثل اللاوعي مرتكزاً أساساً لتفكيره في المرض العقلي ومنظوره للعنصرية، وعبّر عن هذه النظريات في المؤتمر التاريخي للسوربون (1956) حيث جمع بين هذه النزعة والمصالحة مع ثقافة المتروبول، وأظهر اختلافاً بيِّناً مع فكرة الزنوجة التي تعدّ مهماز الرؤية السياسية والأدبية للعملاق سنغور. هنا يتقاطع السياسي والفلسفي والبسيكاناليتيكي بوصلة لمساءلة العلائق بين العنصرية والهيمنة والتحرر.
السياسي النضالي هو الوجه الثاني والأبرز لدى العموم لشخصية فرانز فانون، وإن تداخل مع سابقه. وهو مدير لمستشفى البليدة كان يخرق الأسوار ويتمرّد على حصار الاستعمار الفرنسي، بمعاملة إنسانية للمرضى الجزائريين، والتسلل لمعالجة جرحى جبهة التحرير الوطني التي سينتسب لها بالاستقالة أولاً من منصبه وتحوّله سفيراً لها في غانا وناطقاً رسمياً لها في الخارج (1959). عن غمرة مرحلة مناهضة الاستعمار والعنصرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، أملى فانون "معذبو الأرض" في حقبة سياسية تميزت بالثورات الاشتراكية ومسلسل تصفية الاستعمار في إفريقيا وآسيا. لا عجب بعد مقدّمة سارتر النارية للكتاب والتي ضمنت شهرته، فإنّ تشي غيفارا من كتب مقدّمة الترجمة الإسبانية، ويعتبره رواد حركة الـ"بلاك باور" مفكراً لا غنى عنه لتحليل استلاب ثقافة السود وتجديد الذات، وآخرون عدّوه في الستينيات والسبعينيات مثقفاً مركزيّاً للاشتراكية والعالم الثالث والعنف الثوري، العنصر الذي جادلته فيه بحدّة حنة آرنت.
رغم رحيله البعيد الآن قبل 65 عاماً، ما زال كتابه النضالي التبشيري يعاد طبعه باللغات، ويحتفى بمؤلفه، شأن رواية "1984" لجورج أورويل. كلاهما حاضران في وعي ووجدان الشعوب، ويحتفي بهما الغرب خاصة، مهد الاستعمار والعنصرية، وكذلك أرض دستور حقوق الإنسان.
نبض