حين يُقلِّد الفنان نفسه... رامبرانت وإشكالية "الأصل المتعدّد"

ثقافة 03-04-2026 | 13:56

حين يُقلِّد الفنان نفسه... رامبرانت وإشكالية "الأصل المتعدّد"

اللوحة موضوع الجدل صُنِّفت تقليدياً بوصفها نتاجاً لمرسم رامبرانت.
حين يُقلِّد الفنان نفسه... رامبرانت وإشكالية "الأصل المتعدّد"
نسخة من "رجل عجوز بسلسلة ذهبية". (فرنسيس نيومان)
Smaller Bigger

تحت أضواء معهد الفنون في شيكاغو، يتواجه وجهان يكادان يتطابقان، يفصل بينهما جدارٌ ضيّق. أحدهما محسوم النَّسب إلى معلّم العصر الذهبي الهولندي رامبرانت فان راين؛ أمّا الآخر، الذي طالما أُدرِج في خانة محاكاةٍ أُنجزت داخل محترفه، فقد بدأ اليوم يُزعزِع يقيناً امتدّ لعقود.

اللوحة موضوع الجدل - وهي نسخة من "رجل عجوز بسلسلة ذهبية" (1631) - صُنِّفت تقليدياً بوصفها نتاجاً لمرسم رامبرانت، ربّما أنجزها أحد تلاميذه وهو يحاكي براعته الفريدة في التباين الضوئي وعمقه النفسي. غير أنّ مؤرّخ الفن الهولندي غاري شفارتس قدّم طرحاً أكثر جرأة: ما يُسمّى "النسخة" قد يكون، في الحقيقة، نسخة أصيلية بريشة رامبرانت نفسه.

ليس في الأمر تصحيح تقني فقط، إنما شرخٌ مفاهيمي. فعلى امتداد القرن العشرين، قامت دراسات رامبرانت على نسقٍ صارم نسبياً، صنّف كلّ ما يدور في فلكه وفق ثلاث تصنيفات: أعمال أصلية، وأخرى من إنتاج الورشة، ونسخ لاحقة. أمّا فكرة أنّ رامبرانت قد يعيد إنتاج أعماله بنفسه- أي أنه خلق أكثر من "أصل" - فقد قوبلت بريبة، إن لم يكن برفضٍ صريح. طرحُ شفارتس يعيد فتح هذا الملف الذي ظُنّ أنّه أُغلق.

تكتسب هذه المسألة أهميّتها من توقيتها. ففي السنوات الأخيرة، تواترت حوادث إثبات نسب أعمال رائد الباروكية. فقد أسهم "مشروع أبحاث رامبرانت" - وهو جهدٌ استمرّ لعقود لتوثيق لوحاته والتحقّق منها - في تقليص عدد الأعمال المعترف بها بشكلٍ ملحوظ، قبل أن يتراجع جزئياً عن ذلك لاحقاً. بل إنّ قائده، إرنست فان دي فيتيرينغ، أعاد الاعتبار لعشرات اللوحات التي كانت قد رُفضت سابقاً، مؤكّداً ديمومة هذا الحقل المعرفي.

 

“رجل عجوز بسلسلة ذهبية“ بريشة رامبرانت. (معهد الفنون، شيكاغو)
“رجل عجوز بسلسلة ذهبية“ بريشة رامبرانت. (معهد الفنون، شيكاغو)

 

ازدادت هذه "السيولة"، إن جاز التعبير، حدّةً مع التقدّم التكنولوجي. فالتصوير بالأشعّة تحت الحمراء، وتحليل الأصباغ، وعلم تسنّن الشجر، مكّنت الباحثين من التوغّل تحت سطح اللوحات، كاشفةً عن رسومٍ أوليّة وتعديلات تركيبية. ومع ذلك، تبقى هذه الأدوات عاجزة عن حسم المفارقة الأساسية في تجربة رامبرانت: فنّانٌ بلغ من التأثير داخل محترفه حدّاً جعل التقليد يكاد يتماهى مع التأليف.

يُجسّد عرض شيكاغو هذا التوتّر بصرياً. فاللوحة "المنسوخة"، الأصغر حجماً والمنفّذة على قماش لا على لوح تُحاكي الأصل، وتُعيد تفسيره. فروقٌ دقيقة في ضربات الفرشاة وانتقالات الظلّ والنور تثير سؤالاً مُربكاً: أهذه محاكاة تلميذ، أم مراجعاتٌ واعية لفنّانٍ يعيد التفكير في فكرته الأولى؟

بالنسبة لشفارتس، فإنّ رفض هذه الإمكانية لا يعكس حذراً علمياً فحسب، ولكن يكشف عن تحيّزٍ موروث. فإذا لم يكن رامبرانت "معروفاً" بإنتاج نسخٍ أصيلة من أعماله، فكلّ عملٍ مشابه يُنسب تلقائياً إلى غيره. غير أنّ هذا الافتراض، كما يرى، قد يقول الكثير عن أطر كتابة تاريخ الفن، وقليلاً عن الممارسة الفعلية لرامبرانت.

لا يقتصر الجدل على لوحةٍ واحدة. ففي المعرض المرتقب "رامبرانت 1632: صناعة علامة" في غوتا، يعتزم القيّم يوستوس لانغه مواجهة هذه الإشكالية مباشرةً، من خلال عرض نسخٍ متعدّدة من بورتريهاته الذاتية المبكرة جنباً إلى جنب. الهدف تعرية السؤال، لا حسمه: أين تنتهي الفردية وتبدأ الشراكة داخل محترفٍ في القرن السابع عشر؟

بهذا المعنى، تبدو "النسخة" في شيكاغو أقلّ شذوذاً ممّا يُظن، وأكثر دلالةً على خللٍ أعمق في صميم دراسات رامبرانت؛ خللٌ قد لا يُحسم أبداً. وبينما يواصل الباحثون النقاش والاختبار والمراجعة، يتّضح أمرٌ واحد: إرث رامبرانت ليس قانوناً ثابتاً. إنه حقلُ تساؤلٍ دائم التشكّل. ولعلّ ذلك يليق بفنّانٍ أتقن لعبة النور والظلّ؛ إذ قد تكون الضبابية توقيعه الأشدّ بقاءً.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية