تقاعَدَ فَعَقَدَ بيته مكتبة عامة (1)
هي هذه قصة الفيليبيني هرناندو غْوانْلاوْ، المعروف بـ"مانْغْ ناني"، فماذا عنه؟
عند ناصية بارزة وسط شارع بالاغْتاسْ، في حيّ لاپاز من مدينة ماكاتي (إِحدى ضواحي العاصمة الفيليبينية مانيلَّا)، بيتٌ صار اسمه "مكتبة مانغ ماني العامة". يفتح 24 ساعة في سبعة أَيام الأُسبوع. يجد فيه قاصدُه كتبًا مدرسية وروايات وقواميس وموسوعات، وسائر ما يتعلَّق بلوازم القراءة وأَدوات الكتابة.

ولد ماني نحو سنة 1950. وأَنشأَ سنة 2000 "نادي2000 للكتاب" كي يشجِّع مواطنيه على القراءة. بدأَ بخمسين كتابًا سنة 2000، مُضْمرًا أَنها ستغيِّر الكثير من حياة القراء. لذا فتح بيته/المكتبة، ووضَع الكتُب على المصطبة أَمام الباب، من دون شروط ومتطلبات: لا بطاقة مكتبة للاستعارة، لا بطاقة هوية للمستعيرين، واليوم بات المستعيرون بالمئات. كان مؤْمنًا بأَنَّ حُبَّ الكتاب يغيِّر نمط الحياة وإِيقاعها.
من شعارات ماني: "إِذا وقعتَ في مشكلة، إِقرأْ كتابًا، تهدأ وتحلّ مشكلتَك". من هنا "نادي الكتاب" الذي أَسَّسه، لكنه لا يعتبره "مجرَّد مكتبة عامة، بل رسالة حية للقوة التغييرية في المعرفة وفي قيمة السخاء". ويرى أَنْ طالَما يأْتي إِليها قراءٌ يتوقون إِلى التعلُّم، سيواصل بيته المتواضع رسالةَ العطاء، ومبدأَ محو الأُمِّيَّة وزرْع العلْم، لا لبناء الأَحياء السكنية في المدينة، بل لزرع بذور الأَمل والفضول العلْمي ومثابرة أَبناء المدينة والتضامن في ما بينهم لنقْل الرسالة إِلى الأَجيال التالية.
يسْعَد ماني لرؤْية زواره يصلون إِلى باحة بيته المسقوفة، يعاينون رفوف الكتب في فرح الاكتشاف. ثم يدخلون إِلى البيت، حيث آلاف كتب مصفوفة ومرتبة، تنتظر من يستعيرها مجانًا في أَيِّ وقت من الليل والنهار. يمكن الزوار أَن يأْخذ كتابًا أَو أَكثر. ويمكن، اختياريًا، أَن يتركوا عند الباب نقودًا في صندوقة صغيرة خاصة، تُساعد في شراء بعض اللوازم وكتب إِضافية. وهذا ما جعله يكتسب ثقة الجميع، منها ما يأْتيه من هبات في صناديق متتالية من الكتب. ولكي لا يخسر هذه الثقة، لا يضع ثمنًا على غلاف أَي كتاب.

بين زواره طلاب وأَساتذة جامعيون، يأْتون يقلِّبون الكتب من كل نوع، أَو من المجلات المكدَّسة على الأَدراج. وغالبًا ما يتولى أَولاده تنظيم الرفوف. إِنما يظل ينقصُها دليلٌ يشير إِلى عناوين الكتب على الرفوف كي يَسْهُلَ إِيجادُها في أَماكنها واكتشاف ما فيها.
مهنيًّا كان ناني خبير محاسبة. بدأَ مشروعه سنة 2000 بما سوى 50 كتابًا وجدَها بين رفوف خزانته. وأَطلق منذ البداية اسم مشروعه "نادي 2000 للكتاب". جعل المشروع أَولًا يبدو كأَنه عرضٌ تجاريّ لبيع الكتُب على منصة عادية، كما في كل مكتبة تجارية. وراح يدعو جيرانه ومحيطه إِلى زيارة منصَّته، مؤْمنًا بأَنْ ليس للكتب حياةٌ فاعلة إِن هي ظلّت مخبَّأَةً أَو منفيةً بين الرفوف. وما إِلَّا حين تخرج من مخابئها، حتى تنضَح بنبض الحياة.
حين بدأَ مشروعه كان في ضائقة مالية، يكاد لا يؤَمِّن معيشة زوجته وأَولاده الثلاثة. مع ذلك، قرر أَن يتقاعد، وأَن يصارع قدَره ويخدم مواطنيه. كان مدركًا أَنه يقامر ويغامر. ساندته زوجته منذ مطلع مشروعه (توفيَت العام الماضي بصعقة دماغية)، مؤْمنةً برؤْيته لتثقيف الحي والبلدة والمدينة، باقتناء الكتاب والاعتياد على القراءة. وكان يُعينها على الاحتمال قولُ زوجها: "إِن لم تُؤَمِّن قوتًا ليومك، فذلك يعني يومًا واحدًا لا سائر الأَيام".
نبض