التفاؤل والعمارة: رحلة في كتاب جائزة الآغا خان للعمارة
محمد أدهم السيد
في المقال السابق، توقفنا عند السؤال التأسيسي: هل لا يزال التفاؤل ممكنًا في العمارة؟ وكان الجواب الأولي حذرًا: نعم، لكن ليس بوصفه وعدًا كبيرًا أو خطابًا تجميليًا، بل بوصفه التزامًا بالمسؤولية داخل واقع مأزوم.
غير أن هذا الجواب يفتح مباشرة سؤالًا أكثر دقة وتعقيدًا: ما الذي نعنيه بالتفاؤل أصلًا حين نتحدث عن العمارة؟
هنا يقدّم كتاب "التفاؤل والعمارة" مساهمته الأكثر عمقًا. فهو لا يتعامل مع التفاؤل كقيمة أخلاقية عامة—كأن نقول إن المعماري "يجب أن يكون إيجابيًا"—ولا كحالة نفسية شخصية، بل كموقف مهني وفكري يتجسد في طريقة النظر إلى المشكلات، وفي كيفية اتخاذ القرار داخل سياقات معقدة. التفاؤل، في هذا الإطار، ليس شعورًا، بل بنية عمل.

من التفاؤل الرومانسي إلى التفاؤل النقدي
يرتبط التفاؤل في الاستخدام اليومي غالبًا بالتصورات الإيجابية للمستقبل، أو بالثقة بأن الأمور "ستسير نحو الأفضل". لكن هذا النوع من التفاؤل، عندما يُنقل إلى مجال العمارة، قد يبدو ساذجًا بل وخطيرًا أحيانًا؛ لأن العمارة ليست مساحة للتمني، بل هي مجال للتدخل المادي طويل الأمد في حياة الناس ومواردهم وبيئاتهم.
بهذا المعنى، يبتعد الكتاب بوضوح عن التفاؤل الرومانسي. فهو لا يتحدث عن مدن فاضلة، ولا عن تقنيات ستحل جميع المشكلات، ولا عن تصميم قادر على تجاوز أزمات السياسة أو الاقتصاد. بدلًا من ذلك، يطرح ما يمكن تسميته "التفاؤل النقدي": تفاؤل يعترف بالأزمات ويقرّ بالقيود، لكنه يرفض أن تتحول هذه القيود إلى مبرر للعجز أو اللامبالاة.

يبدأ هذا التفاؤل النقدي من نقطة أساسية: الواقع ليس معطًى يجب الخضوع له بالكامل، ولا مادة يمكن إعادة تشكيلها بحرية مطلقة. بل هو مجال تفاوض مستمر، وتُعد العمارة إحدى أدوات هذا التفاوض الذي يحمل في طياته إمكانية إحداث تحولات عديدة. أول تجلٍّ لهذا التحول يظهر في طريقة تعريف المشكلة المعمارية نفسها. في مقاربات تقليدية كثيرة، تُعرّف المشكلة بوصفها نقصًا: نقص ميزانية، نقص مساحة، نقص تقنيات، نقص وقت، نقص أمان. ويقود هذا التعريف غالبًا إلى خطاب شكوى ضمني: “لو كانت الشروط أفضل، لأنتجنا عمارة أفضل”.

أما الكتاب فيقترح قلب هذه المعادلة: فالقيود ليست مجرد عوائق خارجية، بل هي جزء أصيل من جوهر المشروع. يتجلى التفاؤل هنا في النظر إلى القيد باعتباره معطى تصميميًا، لا كحادث مؤسف يجب التحايل عليه أو تجاهله. هذا التحول الذهني دقيق ولكنه حاسم؛ فهو ينقل المعماري من موقع المتذمر من الظروف إلى موقع الفاعل المتمكن داخلها.
عندما تصبح الميزانية المحدودة عنصرًا يُدرج في صلب التفكير التصميمي، تتغير اختيارات المواد، وطرق البناء، ومراحل التنفيذ. وبالمثل، عندما يُفهم السياق الاجتماعي المعقد لا كعقبة، بل كشبكة علاقات يمكن البناء ضمنها، تتحول المشاركة المجتمعية من مجرد إجراء شكلي إلى جزء جوهري من العملية. التفاؤل، إذاً، لا يعني إنكار صعوبة المشكلة، بل الإيمان بوجود مساحة للإبداع والعمل ضمن إطارها المحدد.

يمكن ملاحظة هذا التحول الذي يجعل القيد مادة فاعلة في التفكير التصميمي في بعض المشاريع المعاصرة التي يستشهد بها الكتاب. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مشروع "خودى باري" في بنغلاديش، الذي طورته المعمارية مارينا تبسم استجابةً لظاهرة النزوح البشري الناجم عن المشكلات المناخية والفيضانات المتكررة وتآكل ضفاف الأنهار في المنطقة. فبدلًا من التعامل مع الظروف المناخية المحيطة بالمشروع بوصفها عقبة رئيسية أمام أي بناء، أو مقاربة هذه الظاهرة كحالة طارئة تستدعي حلولًا مؤقتة أو تدخلات إغاثية قصيرة الأمد، يعيد المشروع صياغة شروطها باعتبارها معطيات تصميمية أساسية يجب العمل ضمنها، بل والبناء عليها.

تتمحور الفكرة حول وحدات سكنية صغيرة وخفيفة، يسهل تفكيكها وإعادة تركيبها. تُبنى هذه الوحدات بهيكل بسيط من الخيزران مدعوم بعناصر معدنية خفيفة، مما يتيح نقلها وإعادة بنائها عندما تضطر الأسر إلى الانتقال بسبب تغير مواقع أراضيها أو غمرها بالمياه. بهذا، لا يهدف المشروع إلى تقديم حل جذري لمشكلة النزوح أو إلغاء المخاطر البيئية المرتبطة بها، بل يسعى إلى توفير هامش عملي للاستقرار المؤقت في ظل واقع يتسم بعدم اليقين. هنا، تصبح قابلية التفكيك والنقل جزءًا أصيلاً من منطق البناء نفسه، وليست مجرد خاصية تقنية إضافية.

والأمر اللافت أن هذا النموذج لم ينبع من وفرة الموارد، بل من محدوديتها؛ فالتكلفة المنخفضة، والاعتماد على مواد محلية، وتقنيات بناء بسيطة يمكن للسكان تنفيذها بأنفسهم، كلها عناصر تُحوّل القيد إلى إطار إنتاجي للمشروع. وبذلك، تتحول عوامل مثل الفقر والهشاشة البيئية وعدم الاستقرار من معوقات خارجية إلى محددات تصميمية تدفع نحو ابتكار نموذج سكني مرن وقابل للتكرار. وفي هذا المستوى تحديدًا يتجلى ما يمكن تسميته بالتفاؤل النقدي في العمارة: تفاؤل لا يتجاهل قسوة الواقع، بل يستكشف الإمكانات الكامنة للفعل بداخله.

وقد أثبت "خودي باري" فعاليته ميدانيًا، إذ استُخدمت وحداته بالفعل خلال الفيضانات والعواصف الماطرة. وفي إطار التمكين المجتمعي، تعاونت شركة "مارينا تبسّم للهندسة المعمارية" مع السكان المحليين على تبادل الخبرات في تقنيات البناء، وتوسيع نطاق استخدام الهيكل، من خلال إنشاء مراكز تجميع للمزارِعات، ومرافق مجتمعية مخصصة للنساء في مخيمات لاجئي الروهينغا.
القرار الصغير بوصفه فعلًا أخلاقيًا
في الخطاب المعماري السائد، غالبًا ما يتم التركيز على "الفكرة الكبرى": الشكل المميز، أو الحل التقني الذكي، أو المفهوم النظري البارع. أما القرارات الصغيرة –مثل سماكة جدار، أو موضع فتحة معينة، أو شكل ونوع فراغ ضمن بناء، أو مادة مستخدمة في أرضيات مواقع محددة– فتُعامل كتفاصيل لاحقة.

يعكس كتاب «التفاؤل والعمارة» هذا الترتيب الهرمي. وإذا اعتبرنا التفاؤل موقفًا مهنيًا، فإنه يتجسد في مجموع هذه القرارات الدقيقة. اختيار مادة محلية بدلًا من مادة مستوردة ليس مجرد قرار تقني، بل هو موقف تجاه الاقتصاد المحلي وأثره البيئي. وتصميم فراغ يمكن أن تستخدمه فئات مختلفة بمرونة هو موقف تجاه العدالة الاجتماعية. وترك مساحات مفتوحة غير مبرمجة بالكامل يُعد موقفًا يعكس الثقة في قدرة المجتمع على إعادة تعريف هذه المساحات وإعادة إنتاجها واستخدامها في المستقبل.

بهذا المعنى، يتحول التصميم إلى سلسلة من الأفعال الأخلاقية الصغيرة. لا يتجلى التفاؤل في البيان النظري للمشروع، بل في تراكم هذه الاختيارات. قد لا تبدو هذه الاختيارات درامية أو لافتة، لكنها تبني تدريجيًا بيئات أكثر عدالة، وأكثر ملاءمة للعيش، وأكثر انسجامًا مع المناخ والموارد.
العمارة والتكيف مع الزمن
يُعدّ ربط التفاؤل بالزمن جانباً مهماً آخر في هذا الإطار. فغالباً ما تُقيَّم المشاريع المعمارية وأثرها الاجتماعي والاقتصادي لحظة تدشينها. إلا أن كتاب "التفاؤل والعمارة" يدفع نحو منظور مختلف، يعتبر المشروع عملية ممتدة تتغير وتتطور مع الاستخدام، والصيانة، وتحولات المجتمع.
في هذا السياق، لا يقتصر التفاؤل على الثقة بكون المبنى مثالياً منذ اليوم الأول، بل يكمن في الإيمان بقدرته على التكيف مع مرور الزمن. وهذا يستلزم تواضعاً في التصميم؛ أي ترك مساحات للتغيير، وقبول أن المستخدمين سيعيدون تفسير الفراغات، والاعتراف بأن الحياة الواقعية أكثر تعقيدًا من أي مخطط تصميمي مُعدّ مسبقًا.

هنا يتحول التفاؤل إلى موقف يناهض النزعة التحكمية في التصميم. فبدلاً من السعي لضبط كل شيء بشكل مسبق وصارم، يُفسَح المجال للتغيير وعدم اليقين. تتجسد هذه الرؤية بوضوح في مشروع إحياء مدينة إسنا التاريخية في صعيد مصر، المدرج في الكتاب والفائز بجائزة الآغا خان للعمارة في دورتها الأخيرة. فالعمل الذي نفذته شركة "تكوين للتنمية المجتمعية المتكاملة" لا يقدم صورة نهائية متكاملة فحسب، بل يتيح المجال لعشرات من التدخلات الهامة المستقبلية، ويعتمد كذلك على سلسلة طويلة من القرارات الصغيرة التي أعادت تشكيل البيئة العمرانية تدريجياً. وبدلاً من فرض بنية عمرانية جديدة على المدينة، ركّز المشروع على ترميم الواجهات التاريخية للمحال في السوق القديم المحيط بمعبد خنوم، وإحياء الحرف المحلية المرتبطة بالبناء والزخرفة.

في هذا السياق، أصبحت التفاصيل المادية، التي غالباً ما تُهمّش في الخطاب المعماري، محور العملية التصميمية. فاختيار الجصّ الجيري التقليدي بدلاً من المواد الصناعية الحديثة لم يكن مجرد قرار تقني، بل محاولة لإعادة ربط عملية الترميم بسلسلة المعرفة الحرفية المحلية. كما أن إعادة فتح الممرات الضيقة وتنظيم الظلال بواسطة المظلات الخشبية والسقائف القماشية لم يكن إجراءً جمالياً فقط، بل استجابة دقيقة للمناخ الحار وطبيعة الحياة اليومية في السوق. وحتى ألوان الواجهات والزخارف البسيطة التي أُعيد رسمها استندت إلى دراسة تاريخية للأنماط المحلية، مما ساعد في الحفاظ على ذاكرة المكان دون تحويله إلى مشهد سياحي مصطنع.

بهذا المعنى، لا يتجسد "التفاؤل" في المشروع كخطاب نظري أو وعد بتحول جذري سريع، بل يظهر في تراكم القرارات الصغيرة التي تنشط الاقتصاد المحلي وتحسن شروط الاستخدام اليومي للفضاء العام. فترميم واجهة متجر، أو تدريب حرفي شاب على تقنيات الزخرفة التقليدية، أو تحسين نظام الظل والتهوية في شارع ضيق؛ كلها أفعال تبدو محدودة منفردة، لكنها مع الوقت تخلق بيئة حضرية أكثر حيوية وقابلية للعيش.

كما يكشف المشروع بوضوح عن علاقة مختلفة بالزمن. فنجاحه لا يُقاس بلحظة الافتتاح أو بالتغطية اللحظية والصور والمواد الإعلامية التي تُنشر عنه، بل بقدرته على العمل كعملية مستمرة: ترميم تدريجي، عودة الحرف، زيادة النشاط الاقتصادي، وتكيّف الفضاءات مع الاستخدامات المتغيرة للسكان. هنا يصبح التفاؤل موقفًا عمليًا تجاه الزمن؛ إيمانًا بأن التحولات الصغيرة المتراكمة قادرة على إعادة تشكيل المدينة ببطء، دون الحاجة إلى تدخلات جذرية أو خطط عمرانية شاملة.

كذلك يعكس المشروع رؤية الكتاب، أو بتعبير أدق، رؤية جائزة الآغا خان للعمارة، التي ترى أن إعادة تعريف التفاؤل تقود حتمًا إلى إعادة تعريف دور المعماري. فالصورة التقليدية للمعماري كـ"مؤلف مبدع" يفرض رؤيته تتراجع أمام هذا الطرح. فعندما يُنظر إلى المشروع كشبكة من العلاقات، يصبح المعماري أحد الفاعلين الرئيسيين فيها، وليس مركزها الأوحد.

يتجسد التفاؤل المهني هنا في الاستعداد للإصغاء: للمجتمع، وللحرفيين، وللمناخ، و لتاريخ المكان. هذا الإصغاء ليس مجرد فضيلة أخلاقية مجردة، بل هو أداة معرفية أساسية؛ فمن دونه، يتحول التصميم إلى مجرد إسقاط خارجي، مهما كانت نوايا المصمم حسنة.
هذا التحول لا يلغي الإبداع، ولكنه يعيد توجيهه. فالإبداع لم يعد يكمن في ابتكار شكل جديد كليًا، بل في القدرة على دمج معطيات متعددة، وإيجاد توازنات دقيقة بين مطالب قد تكون متعارضة. ويُعد التفاؤل ثقةً بأن تحقيق هذا التوازن أمر ممكن، حتى لو كان بشكل نسبي ومؤقت.

التفاؤل في ظل التعقيدات السياسية والاجتماعية
في البيئات المهنية المتعلقة بالعمارة والتخطيط العمراني، خصوصًا تلك التي تتسم بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، يتشكل خطاب سلبي بمرور الوقت يتجاوز النقد الموضوعي للواقع. هذا الخطاب لا يقتصر على الملاحظات المهنية، بل يتحول إلى حالة نفسية جماعية تتغذى من الإحباط المتراكم بسبب تعقيدات البيروقراطية، وهشاشة الأطر المؤسسية، وتقلب السياسات العامة، بالإضافة إلى تأثيرات الصراعات والحروب على البنية الحضرية وصناعة القرار.

في مثل هذه الأجواء، يصبح التشكيك في جدوى التخطيط، والحديث المتكرر عن عشوائية القرارات أو تضاربها، جزءًا شبه يومي من النقاش المهني. كما تتحول القيود التنظيمية والسياسات غير المستقرة إلى مسلّمات تُستدعى كعقبات دائمة تحول دون أي تدخل معماري أو حضري فعّال. وعلى الرغم من أن هذه الانتقادات غالبًا ما تستند إلى وقائع ملموسة، فإن استمرارها يعكس عمق تأثير البيئات السياسية والاجتماعية المضطربة على الوعي المهني وممارساته.

تتفاقم المشكلة عندما تتحول هذه القراءة النقدية إلى آلية لتبرير الانسحاب الأخلاقي. فبدلاً من أن تكون أداة لفهم القيود والعمل في إطارها، تصبح ذريعة لخفض سقف التوقعات المهنية: إذا كان النظام مضطربًا جوهريًا، فلماذا نسعى لتحسين نتائجه؟ وإذا كان الإحباط هو المسيطر، فما جدوى الإصرار على العمل وتحقيق التغيير؟ في هذه اللحظة، يتحول الموقف من نقد مشروع إلى شكل من أشكال الاستسلام المهني المقنّع.
يقف كتاب «التفاؤل والعمارة» بوضوح في مواجهة هذا المنطق. فهو لا ينكر الخلل المحتمل في أنظمة التخطيط والبناء، ولا يتجاهل تأثيرات الاقتصاد والسياسات المضطربة على النتاج المعماري. بل ينطلق من الاعتراف بهذه التعقيدات. ومع ذلك، فإن التفاؤل الذي يدافع عنه الكتاب لا يقوم على إنكار هذه التعقيدات، بل على رفض جعلها عذرًا دائمًا لغياب الفعل. فحتى داخل الأنظمة غير المثالية —وربما خصوصًا داخلها— توجد دائمًا مساحات حقيقية، وإن كانت محدودة، للتأثير.

في سياقات الاحتلال تحديدًا، تتجاوز العمارة كونها مجرد ممارسة مهنية تهدف إلى إنشاء مبانٍ أو تنظيم الفضاءات؛ لتتحول إلى فعل مقاومة يومي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان والهوية. فالقيود المفروضة على الأرض، والحركة، والموارد، والتخطيط، لا تلغي دور العمارة، بل تعيد تشكيله؛ حيث يصبح التصميم أداة للحفاظ على الاستمرارية الثقافية، وإنتاج فضاءات تحتضن الحياة رغم محاولات التفكيك والإقصاء.

تتجلى هذه الفكرة بوضوح في الحالة الفلسطينية، حيث يتحول أي مشروع معماري إلى عملية تفاوض مع واقع معقد من القيود، بدءًا من محدودية الموارد وصولًا إلى التحكم في التوسع العمراني. وفي هذا السياق، تبرز مبادرات مثل "مجلس العجب" في بيت لحم كنموذج حي للعمارة المولِّدة للأمل بوصفها بنية مقاومة؛ إذ لا يقتصر دور المشروع على توفير فضاء مادي، بل يؤسس لمنظومة إنتاج ثقافي تدعم الحرفيين والفنانين وتخلق فرص عمل، محولًا المبنى إلى منصة للتمكين الاجتماعي والاقتصادي. إن الجمع بين الورش، ومساحات العرض، والتعليم، والإنتاج، يعكس فهمًا عميقًا لدور العمارة كوسيط بين المجتمع والاقتصاد والثقافة، ليصبح الفضاء أداة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي.

كما أن اعتماد المشروع، الذي حاز مؤخرًا على جائزة الآغا خان للعمارة، على تقنيات بناء بسيطة ومواد محلية—كالحجر والخرسانة—لا يعكس استجابة للقيود فحسب، بل يمثل موقفًا واعيًا يعيد الاعتبار للهوية المعمارية، ويقاوم الانصهار في نماذج عالمية منفصلة عن السياق. فالعمارة هنا لا تسعى إلى التفوق الشكلي بقدر سعيها لتحقيق أثر حقيقي يتجلى في قدرتها على دعم الاستمرارية، وتعزيز الانتماء، وخلق بيئات إنتاجية نابضة بالحياة.
بهذا المعنى، تتحول العمارة إلى شكل من أشكال "المقاومة الهادئة"؛ مقاومة لا تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على الفعل التراكمي الذي يعيد ترسيخ الوجود، ويؤكد الحق في المكان عبر الاستخدام والإنتاج والمعيشة اليومية. إنها مقاومة تُمارس من خلال التفاصيل: في فناء مفتوح يعيد إحياء الروابط الاجتماعية، أو في ورشة تعيد إحياء حرفة مهددة، أو في مبنى يخلق فرصًا جديدة ضمن اقتصاد مقيَّد. وبالتالي، لا يُنظر إلى "مجلس العجب" كمجرد مشروع معماري أو ترميمي، بل كموقف مهني واضح؛ موقف يشدد على أن النقد لا يكتمل إلا بالفعل، وأن القيود، بدلاً من أن تكون نهاية المطاف للإمكانات، يمكن أن تشكل منطلقًا للتحول والتغيير.

خلاصة القول، التفاؤل لا يعني تجاهل الواقع أو الادعاء بأن كل شيء على ما يرام، بل هو النقيض الموضوعي لـ "اللامبالاة"؛ إنه الإصرار على أن عملنا في مجال العمارة – حتى في أبسط المشاريع – يمكن أن يحمل قيمة وتأثيرًا. لذا، فالتفاؤل هنا ليس مجرد فكرة عامة، بل هو منهج عملي يتجلى في طريقة التفكير، وفي القرارات الصغيرة، وفي التعامل مع المجتمع والزمن. ومع ذلك، يظل هذا المفهوم نظريًا ما لم يُختبر عمليًا، خصوصًا عند مواجهة أحد أكبر تحديات العمارة المعاصرة، وهو الإفراط في التركيز على الشكل والاستعراض.
في المقال القادم، سنقترب أكثر من هذه الفكرة عبر التركيز على كيفية تعامل كتاب "التفاؤل والعمارة" مع ثقافة الأيقونات والأشكال اللافتة، وكيف يمكن للعمارة أن تعبّر عن موقف ثقافي يعكس تعقيدات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والبيئي. كما سنبحث في كيفية تحويل القيود—بمختلف أنواعها—من عوائق إلى أدوات تفكير تُسهم في إنتاج عمارة أكثر بساطة وربما أكثر تأثيرًا. ومن خلال ذلك، سيتضح أن التفاؤل ليس فكرة مجردة، بل هو منهج عملي يمكن تطبيقه ضمن حدود الواقع.
-يتبع-
نبض