ألف ليلة وليلة بريشة "شهرزادات المستشرقين" في اللوفر

ثقافة 30-03-2026 | 01:08

ألف ليلة وليلة بريشة "شهرزادات المستشرقين" في اللوفر

300 تحفة فنية تروي افتتان الغرب بالشرق.
ألف ليلة وليلة بريشة "شهرزادات المستشرقين" في اللوفر
المستلقية بأزيائها الشرقية، لهنري ماتيس.
Smaller Bigger

تحت عنوان "أبعد من ألف ليلة وليلة، حكايات الاستشراق"، يقام حاليا في متحف اللوفر معرض جديد يضم 300 تحفة فنية تروي لنا قصصاً عن افتتان الغرب بالشرق وكيف وصلت مئات التحف الإسلامية الى فرنسا ومتاحفها الوطنية.

لسنين طويلة كان ثمة اعتقاد أن اكتشاف الغربيين لسحر الشرق بدأ بعد ترجمة المستشرق الفرنسي أنطوان غالان لحكايات "ألف ليلة وليلة" من العربية الى الفرنسية مطلع القرن الثامن عشر. من المعروف أن غالان كان أول من لفت نظر الغربيين الى كتاب "الليالي" في موازاة جمعه التحف والمخطوطات الشرقية النادرة. لاقت ترجمته نجاحا كبيرا بين القراء واستُوحيت منها الترجمات الى لغات أوروبية أخرى كالإنكليزية والألمانية والإيطالية. يبين المعرض الجديد أن ترجمة الحكايات لم تأت من فراغ بل كانت محطة في مسيرة طويلة بدأت منذ القرن الثامن الميلادي وساهمت فيها التبادلات التجارية والديبلوماسية التي عززت اللقاءات الثقافية بين ضفتي المتوسط. هكذا انتقلت التحف بين القارات وحُفظت في فرنسا في خزائن الكنائس وفي المجموعات الملكية والأميرية ولم تنتقل الى المتاحف إلا بعد الثورة الفرنسية وتأسيس المتاحف الوطنية.

 

عمامة شرقية على رأس امرأة فرنسية.
عمامة شرقية على رأس امرأة فرنسية.

 

يحكي لنا المعرض سيرة هذه التحف الشرقية النادرة: كيف جُمعت في فرنسا بعدما لاقت الإعجاب وكيف استُخدمت على مر العصور متنقلة من مكان الى آخر منذ زمن الملك شارلمان والخليفة هارون الرشيد. تشير بعض الروايات التاريخية الى أن الخليفة العباسي أرسل الى ملك الفرنجة هدايا ثمينة. ونشاهد في المعرض تحفة زجاجية عليها كتابات عربية تحمل اسم "كأس الملك شارلمان"، لكننا لا نعرف بالتأكيد مدى صحة الرواية.

يؤكد المعرض أن التبادلات بين الشرق والغرب في الفضاء المتوسطي لم تتوقف يوما على الرغم من الحروب والصراعات التاريخية. سمحت الحركة التجارية لا سيما ابتداء من القرن السادس عشر بتبادل البضائع والمنتجات الحرفية والفنية على أنواعها. أدى انبهار الفنانين والكتاب الأوروبيين بالشرق منذ القرن الثامن عشر الى ولادة أشكال تعبيرية جديدة في الآداب والموسيقى والفنون التشكيلية الفرنسية. صارت غرناطة الأندلسية والقاهرة في زمن الحكم العثماني محطتين أساسيتين للرحالة، حتى أن الملك الاسباني فردينان السادس أمر عام 1756 بتحقيق دراسة تاريخية معمقة عن قصر الحمراء في غرناطة الذي شُيد في القرن الرابع عشر. ومع الأيام صار هذا القصر بطابعه الرومنطيقي وحديقته الرائعة مصدر إلهام للكثير من المبدعين.

 

أسد معدني من قرطبة، القرن العاشر.
أسد معدني من قرطبة، القرن العاشر.

 

أما حملة بونابرت على مصر عام 1789 وكانت تهدف الى الحد من النفوذ الإنكليزي في المتوسط، فقد سمحت بإعادة اكتشاف الحضارات التي تعاقبت على أرض مصر. اصطحب بونابرت معه جيشا من العلماء والرسامين الذين سجلوا المباني والآثار التي تعرفوا اليها على أرض الواقع في كتاب بعنوان "وصف مصر" ولا يزال الكتاب الى اليوم مرجعا علميا لكل محبي الحضارات المصرية.

من أجمل القطع المعروضة تحفة متحف اللوفر المعروفة باسم "جرن معمودية القديس لويس"، مصنوعة من النحاس المطروق والمطعم بالذهب والفضة. أُنجزت في النصف الأول من القرن الرابع عشر في زمن الحكم المملوكي لمصر وبلاد الشام. وقبل أن تُصبح من روائع الجناح الإسلامي في متحف اللوفر، استخدمت كوعاء معمودية. تتميز بزخارفها المجسمة من الداخل والخارج وبصور لفرسان وحيوانات على خلفية من أوراق نباتية مصوغة بحرفة عالية وبإيقاعات روحانية تذكّر بحفلات المتصوفة.

 

جرن معمودية القديس لويس، تحفة مملوكية من سوريا.
جرن معمودية القديس لويس، تحفة مملوكية من سوريا.

 

مع اكتشاف الكتاب والفنانين لسحر الشرق، نشأت حركة الاستشراق وتوافد المستشرقون بالمئات على مصر وبلاد الشام ودول المغربي العربي منذ القرن الثامن عشر. نشاهد في المعرض لوحات لكبار الفنانين الفرنسيين الذي افتتنوا بالشرق ومنهم أوجين دولاكروا وكان أول فنان معروف قصد المغرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر وسجل مشاهداته في دفاتره ولوحاته المائية والزيتية. أما هنري ماتيس الحاضر في المعرض في لوحة بعنوان "امرأة مستلقية بأزيائها الشرقية" فقد زار المغرب عام 1912 و1913 وانبهر بطبيعته وفنونه حتى قال "الشرق أنقذنا وجاءني الوحي من الشرق".

في موازاة أعمال الفنانين المستشرقين أعمال لفنانين من الشرق يعيشون في فرنسا ويصهرون في بوتقة واحدة ثقافتهم الأصلية والثقافة الغربية الحديثة ومنهم الإيرانية نازانين بويانديه (من مواليد طهران عام 1981) التي كانت حاضرة يوم افتتاح المعرض وتحدثت عن تجربتها كفانة عرفت كيف تفيد من تراث بلادها الفني العريق ومن إقامتها الباريسية التي سمحت لها بأن تكون على احتكاك مباشر بالإبداعات المعاصرة على اختلافها.

 

سجادة فارسية من الحرير.
سجادة فارسية من الحرير.

 

معرض "أبعد من ألف ليلة وليلة، حكايات الاستشراق" رحلة ممتعة خلال مرحلة زمنية طويلة، تهدف الى تجاوز الأفكار المسبقة والكليشيهات التي تبعد البشر بعضهم عن بعض وتمهد للحروب والصراعات. حرص منظموه على إظهار تنوع رؤية المبدعين المستشرقين، فليس هناك قراءة واحدة للآخر المختلف وكلما وسعت الآفاق تعددت الرؤى.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/29/2026 9:22:00 PM
تهديد إيراني يطال الجامعات المرتبطة بالغرب وسط تصاعد التصعيد في المنطقة
دوليات 3/29/2026 11:11:00 PM
قراصنة ينشرون صورة لسارة نتنياهو مع إبستين وسط غموض حول صحتها
أوروبا 3/29/2026 5:11:00 AM
الأمر محزن للغاية، الجميع مصدوم، والبعض كان يبكي
ايران 3/29/2026 2:21:00 AM
نصح الحرس الثوري "موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد" على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.