"في الاستشراق" لياسين عدنان… مشروع حواري يُعيد الاعتبار للإعلام الثقافي العربي
حسن وهبي
في زمنٍ تميل فيه المنصات الرقمية إلى الإمتاع السريع والمحتوى الخفيف، يختار الإعلامي والأديب المغربي ياسين عدنان طريقًا أكثر وعورةً وأعمق أثرًا: أن يُكرّم عقل المستمع، وأن يفتح أمامه أبواب الفكر والنقاش الرصين. هكذا وُلد بودكاست "في الاستشراق"، الذي تحوّل، عبر أكثر من أربعين حلقة متاحة على منصة مجتمع اللندنية وعلى اليوتيوب، إلى تجربة استثنائية في المشهد الثقافي العربي؛ تجربة تسعى إلى بناء ما يشبه موسوعةً سمعيةً بصريةً حول الاستشراق، وتُعيد في الوقت ذاته الاعتبار لفكرة الحوار الفكري الجاد في الإعلام العربي.
من الاستضافة إلى المساءلة
قبل الحديث عن "في الاستشراق"، يجدر التوقفُ لحظةً عند المشهد الأشمل. فإذا أمعنّا النظر في الخارطة الثقافية السمعية البصرية العربية، وجدنا أنفسنا إزاء ظاهرة متكررة: برامج تدّعي الثقافة وتستدعي أسماء لامعة، لكنها لا تعدو في جوهرها أن تكون واجهاتٍ للاستعراض أو منصّاتٍ للتسويق الذاتي. يجلس فيها المذيع مجلس المُسائل الذي يكفيه أن يعرف اسم محاوره وبضع معلومات مقتطعة عن مجال اشتغاله، ليُلقي على الضيف عبءَ اللقاء كاملًا، ويكتفي هو بالإيماء والابتسام والتدخل بين الحين والآخر لتذكيرنا بوجوده. في هذه البرامج لا يُساءَل الفكرُ بل يُعرَض، ولا يُناقَش الكتابُ بل يُمدَح، ولا يُحاوَرُ المفكرُ بل يُستضاف. والفرق بين الأمرين شاسع: فالاستضافة تنتج محتوىً مريحًا، بينما وحدها المساءلة الفكرية الحقيقية تصنع المعرفة وتولّدُ المعنى والدلالة.
ومن هنا يبدو بودكاست "في الاستشراق" مختلفًا منذ الوهلة الأولى، بإصراره على الحوار من داخل المشاريع الفكرية لضيوفه، وبروح المعرفة التي تتشرّب صاحبها حين يتعامل مع الفكر لا بوصفه مادةً للعرض، بل موضوعًا للاشتباك والمساءلة والاختبار.

حين يُعِدّ المقدّم كأنها المرة الأخيرة
لا يكفي أن تجلس أمام مفكر وأن تعرف عنوان كتابه الأخير لتُنجز لقاءً ذا قيمة. هذا ما يفهمه ياسين عدنان جيدًا، بل يبدو أنه جعله قاعدةَ عملٍ لا يحيد عنها. فهو لا يكتفي بتصفّح العناوين أو الاطلاع على التقديمات الجاهزة، بل يغوص في أعمال ضيوفه قراءةً وتمحيصًا واستيعابًا قبل أن يفتح الميكروفون. يستعد لكل حلقة وكأنها الأولى والأخيرة، متعاملًا مع كل لقاء باعتباره حدثًا فكريًا قائمًا بذاته.
وهذا الإعداد المكثّف يتجلى في تفاصيل الحوار: في الأسئلة التي تستهدف جوهر الفكر لا سطحه، وفي الملاحظات التي تكشف أن المقدّم قرأ فعلًا لا أنه تظاهر بالقراءة، وفي اللحظات التي يفاجئ فيها ضيفه بما يعرفه عن مشروعه الفكري أكثر مما يتوقع. ولكي ندرك حجم هذا الجهد، يكفي أن نتأمل أسماء الضيوف الذين مرّوا عبر هذا البودكاست: مفكرون عرب بارزون من أمثال عبد الإله بلقزيز وعزيز العظمة ورضوان السيد ومحسن جاسم الموسوي ونايلة أبي نادر وأحمد عبد الحليم عطية وهاشم صالح وأنور مغيث وسعد البازعي، فضلًا عن عدد من المستشرقين الأجانب. نحن أمام مشاريع فكرية كثيفة ومعقدة تتطلب جهدًا معرفيًا استثنائيًا لقراءتها واستيعابها، وأن يُستحضَر كل ذلك في حوار حيّ بيُسر ومرونة وعمق في آن واحد، فذلك ليس إعدادًا إعلاميًا تقليديًا، بل عملٌ يقترب كثيرًا من جهد الباحث المتخصص.
الاستشراق بوابةً لا سقفًا
قد يوحي اسم هذا البودكاست بأنه محصور في حقل معرفي واحد، غير أن "في الاستشراق" أثبت منذ حلقاته الأولى أن الاستشراق ليس موضوعَه الضيق، بل عنوانه العريض وبوّابته الرحبة إلى عالم أوسع بكثير. فالاستشراق بوصفه حقلًا معرفيًا ليس مجرد دراسة غربية للشرق، بل مرآةٌ مزدوجة تعكس صورة الشرق كما تخيّله الغرب، وصورة الغرب كما فهم نفسه من خلال هذا الشرق المُتخيَّل. ومن هذه المرآة تنبثق أسئلة أعمق بكثير: كيف يُشكّل الإنسان صورة الآخر؟ وكيف تنعكس هذه الصورة على فهمه لنفسه؟ وما حدود المعرفة الموضوعية حين تتداخل مع الأهواء الجماعية والمصالح السياسية والخلفيات الأيديولوجية؟
ولا يقف طموح البرنامج عند معالجة الاستشراق في صيغته الكلاسيكية المرتبطة بالمدرستين البريطانية والفرنسية التين ارتبطتا بشكل وثيق بالمؤسسة الاستعمارية. فقد حرص ياسين عدنان على توسيع المدار الجغرافي والمعرفي للموضوع، إذ خصّص حلقات للاستشراق الألماني الموسوم بطابعه المعرفي، وللاستشراق الهولندي، وللاستعراب الإسباني. كما لم يقتصر هذا التوسيع على الجغرافيا، بل شمل مجالات الاشتغال أيضًا، فالبودكاست لا يكتفي بالحقول الكلاسيكية من فيلولوجيا وتاريخ وأنثروبولوجيا وعلم المخطوط وعلوم القرآن، بل يمتد ليشمل مختلف قضايا الفكر والفلسفة والترجمة إضافة إلى الاستشراق الفني والتشكيلي والسينمائي والموسيقي، بل وما يمكن تسميته الاستشراق الوبائي، حيث يتكشّف التداخل العميق بين المعرفة والسلطة في السياق الصحي العالمي.
النهضة العربية والاستشراق: الأفضال والإشكاليات
ينطلق البودكاست من أطروحة مركزية مفادها أن الاستشراق ليس مجرد تراكم معرفي عن الشرق، بل هو نظام من الأفكار والتمثّلات التي تُمرّر صورة الشرق إلى الوعي الغربي، وهو في الوقت ذاته علامة على السيطرة الأوروبية الأطلنطية على الشرق، مما يفسّر تلاحم الخطاب الاستشراقي بالمؤسسات السياسية والأكاديمية والثقافية الغربية. لذا تغدو عملية التحرر من إرث الاستعمار مرتبطةً بالضرورة بتفكيك الاستشراق بوصفه نظامًا معرفيًا وخطابًا ثقافيًا في آن واحد.
بيد أن الروح النقدية للبرنامج لم تُعْمِه عن تبيّن أفضال الاستشراق على ثقافتنا. فالمستشرقون هم الذين أدخلوا مناهج تحقيق المخطوطات ونفضوا الغبار عن مئات المخطوطات العربية القديمة، وأثرَوْا نحونا العربي بدراسات دقيقة في النحو المقارن وصناعة المعاجم. بل هم الذين أهدونا المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ولألفاظ الحديث ، وهي أعمال ضخمة من الصناعات الأكاديمية الثقيلة لا يسع المنصف إلا الإقرار بجلالة قيمتها. كما لم يتردد هذا البودكاست في التأكيد وعبر أكثر من حلقة على أن فكرنا العربي المعاصر قد تخلّق في رحم الاستشراق، مؤكدا مساهمته القوية في تكوينِ وَعْيِنا العربي النهضوي سواء الاصلاحي الإسلامي الذي تبلور من خلال مساجلة المستشرقين، أو الليبرالي التنويري الذي تتلمذ عليهم. فالفكرُ العربيُّ المعاصر بالنسبة له مَشدود بأكثرَ من حبلٍ إلى المادة الاستشراقية. بل إن الوسيط الغربيّ الاستشراقيّ كان سبيلَ المفكِّر العربيّ خصوصا في فترة النهضة إلى معرفةِ ذاتِه. وهو يعتبر دراسة الفكر الاستشراقي من طرف المُثقفين العرب جزءًا لا يتجزّأ من اليقظةِ الفكرية لثقافتنا العربية المعاصرة ومحفّزا أساسيا في سيرورة وَعْيِ المثقف العربي بذاته.

الاستشراق الجديد: حين تحلّ المهاترة محل المعرفة
خصّص البودكاست عدة حلقات لمساجلة الاستشراق الجديد والرد على أطروحاته. فمع تراجع المضمون المعرفي للاستشراق الكلاسيكي، سادت الضحالة وتضاعفت الكليشيهات، وتحوّل العرب في المخيال الجمعي الغربي من صورة نمطية إلى أخرى. ومنذ تسعينيات القرن الماضي تصاعدت بصورة خاصة عمليات شيطنة الإسلام والمسلمين، إذ صار الاستشراق الجديد معنيًا بمقولات "الأصولية" و"الإرهاب" و"الإسلام السياسي" أكثر من اهتمامه بالثقافة العربية والفكر الإسلامي. وصار واثقًا من أن المستشرقين الجدد لا يحتاجون إلى حجة علمية ولا تفوّق منهجي، بقدر ما يحتاجون إلى حضور مكثف في الإعلام لتحقيق تأثير جماهيري في الرأي العام الغربي والنخب السياسية الحاكمة. هكذا انتهى زمن التبحّر العلمي والحفر والتنقيب والمقارنة، وبدأ زمن المهاترات الأيديولوجية والانزلاق إلى نفق الرؤى السطحية. والمآل المحزن لهذا التحوّل هو أن الدراسات الإسلامية في الغرب باتت لا تُشجّع على الحوار الفكري الحقيقي بين الباحثين، بل تدفع الطرف الآخر إلى اللوذ بمواقف أيديولوجية دفاعية، فننتقل من حوار الأفكار إلى حوار الجهالات.
بعد السابع من أكتوبر: راهنية المشروع وضرورته
تبدو الحاجة إلى مشروع كهذا أكثر إلحاحًا بعد السابع من أكتوبر وما أعقبه من حرب على غزة. فقد اتسعت الهوة بين العالم العربي والإسلامي والغرب الأوروبي الأمريكي، وبدا جليًا أن الحوار ينبغي أن يتجاوز مستوى التنازع السياسي والإعلامي إلى المدار الثقافي والفكري. وفي هذا الإطار سعى "في الاستشراق" إلى بناء سردية نقدية متّزنة، ذات منطلقات ثقافية وتاريخية واضحة وحِجاج خاص. لا سيما أن منطق الكيل بمكيالين الذي كان حكرًا على السياسيين البراغماتيين قد استشرى بعد أكتوبر حتى في أوساط مثقفين غربيين كان يُفترض أنهم يشتغلون بالقيم والمبادئ لا بالمصالح الضيقة. لذا حاول البودكاست مناظرة هذا المنطق ومحاججته بخطاب ناقد يمارس الفحص البلاغي لمقولات التزوير والتبرير المراوغ، كاشفًا مغالطاتها المنطقية ومفكّكًا بناءها الخطابي بالكثير من الهدوء وبلغة المعرفة.
النقد المزدوج منهجًا وأفقًا
تمتاز تجربة " في الاستشراق" بأنها لا تمارس النقد في اتجاه واحد. فالروح التي تنبثق منها تجمع بين نقد الثقافة الغربية ونقد الثقافة العربية الإسلامية في آن واحد. وهو ما يستدعي توظيف مفهوم "النقد المزدوج" الذي صاغه المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي، والذي يدعو إلى تجاوز المواضيع الجاهزة في الخطابَين، وبناء استراتيجية معرفية بعيدة عن الأيديولوجيا اللاهوتية، تنطلق من نقد المعرفة السائدة من مصادرها، وتؤمن بفكر الاختلاف ووجود الهوية دون أن تعيد إنتاج ما فعله الغرب أو ما وقع فيه العرب. إن هذه الروح النقدية المزدوجة هي تحديدًا ما يأمل ياسين عدنان أن تتسع صدور متابعي بودكاسته لاستيعابها والتعامل معها بما تستحقه من تأمل وانخراط حقيقي.
أكثر من بودكاست
"في الاستشراق" أكثر من بودكاست؛ إنه دليلٌ على أن الإعلام الثقافي العربي قادرٌ، متى توافرت الإرادة والمعرفة والشغف، على أن يتحوّل إلى فعل معرفي حقيقي يُضاف إلى الذاكرة الثقافية الجمعية لا يمرّ عليها مرور الكرام. وهو حصيلة ثقافية جادة لا يكفي أن تُشاهَد وتُتذوق، بل تستحق أن تدعَم ويُوسَّع نطاق انتشارها. لأن هذا النوع النادر من الإنتاج الفكري هو ما تُقاس به حيوية الثقافات في نهاية المطاف، لا عدد المشاهدات ولا إيقاع الترندات المتقلب.
نبض