البدو والإسلام: جذور التطرّف
اختزن الدكتور عصام حافظ الزند عقودًا من قراءاته ومتابعاته ليصدر كتابه الأول، وهو كتاب موسوعي متميّز بكل معنى الكلمة؛ وقد تكون دار النهار العريقة غامرت في طبع هذا الكتاب الذي يحتوي على 880 صفحة من القطع الكبير، لولا أنها قدّرت أهميته، وهو ما عبّرت عنه في كلمتها التمهيدية حين قالت "عندما يتناول باحث عربي مسلم، نشأ في بيئة إسلامية، وتربّى على معارفها وأعرافها، موضوعًا شائكًا كعلاقة البداوة بالإسلام والتطرّف، فإن خط الشك وسوء الفهم غالبًا ما يبادر قارئًا غير متمرّس أو غير صبور، ويقف أمامه حائلًا قبل أن يستمع إلى الحجّة أو ينظر في المصادر أو يُدرك القصد من هذا النوع من التناول العلمي".
أقول ذلك وأُدرك أن دار النهار استبقت الرد على بعض الآراء المتعصبة والمتطرّفة مسبقًا، حتى قبل أن تقرأ الكتاب، وهو ما حصل بالفعل، فقد تعرّض الكتاب لمحاولات المنع والمصادرة استنادًا إلى عنوانه، فما زالت للأسف الشديد الكثير من موروثاتنا الدينية بشكل عام والإسلامية بشكل خاص غير قابلة للمناقشة الموضوعية، بل إن السمة الغالبة هي التمجيد وإضفاء صفة القدسية عليها ومنع أي اقتراب من رموزها، لأنه سيكون ماساسًا بالثوابت كما يسمّونها، خصوصًا حين يُقرأ النص التراثي بمنظور معاصر وإغراضي كجزء من العقائد الثابتة والسرمدية.
وأستطيع القول دون الخشية من الوقوع في الخطأ أو المبالغة، وبغض النظر عن استنتاجات الكتاب، فإنه استند إلى عشرات المصادر الوازنة باللغات العربية والإنكليزية والتشيكية، إضافة إلى مئات من المراجع والأبحاث والدراسات، التي نادرًا ما يلجأ باحث إلى مثلها، فقد حاول الزند أن يضخّ فيه كل خبرته العملية ودراساته الاقتصادية والسياسية وقراءاته التاريخية والتراثية بشكل خاص، حتى يأتي بالصورة التي ظهر فيها، دون أن يضع استنتاجات مسبقة أو فرضيات يحاول الوصول إليها، بل إن منهج البحث هو الذي قاده إلى ذلك.

لقد درس الزند قيم البداوة والمنظومة السلوكية للعديد من التيارات المتعصبة ونتاجاتها المتطرفة، تلك التي احتواها تاريخ الإسلام، ولاحظ تأثير القبلية عليها كنزعة اجتماعية، وهذا ما دفع إلى أشكال مختلفة من التعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف، وهذا الأخير حين يصبح سلوكًا يتّخذ شكلًا إرهابيًا، وذلك تحت عناوين مختلفة من تدنيس الآخر وتأثيمه وتحريمه وتجريمه.
حاول الزند تفكيك الخطاب الديني المعاصر بقراءات تاريخية، تلك التي تعيد إنتاج القيم البدوية التي تزعم انتماءها إلى الإسلام، لكنها تقف في موقع بعيد عنه، بل متناقض لجوهره.
يقول المؤلف أنه اشتغل على الكتاب لأكثر من عقد من الزمن، وذلك للإجابة على سؤال ظلّ يشغله طيلة نصف قرن من الزمن، بدأ التساؤل به ساذجًا ومرتبكًا كما يقول، لكنه أخذ يتطوّر مع اتّساع معرفته وقراءاته.
والسؤال المحوري: من تولّى ويتولّى تربيتنا، هل هو الدين أم المجتمع أم الأسرة والعشيرة؟ ويناقش علي الوردي عالم الاجتماع العراقي المعروف الذي ظلّ يردّد في أبحاثه موضوع "التنويم الاجتماعي"، خصوصًا أطروحته التي تقول أن "البداوة نظام مرتبط بالصحراء"، في حين يرى المؤلف أن المدينة هي التي انضمّت إلى الريف وليس العكس، بحكم التصوّر الديني والتربية والتاريخ واستحكام العشيرة في حياتنا اليومية. هكذا إذًا نحن منومين اجتماعيًا كما هو التنويم المغناطيسي، خصوصًا في ظل هيمنة قيم البداوة، فحتى المثقف كما يقول والذي نال أعلى الشهادات تراه بدويًا في سلوكه وطريقة تفكيره.
ويناقش الزند موضوعًا معقدًا وملتبسًا، ويتساءل هل يمكن إخراج هؤلاء الإرهابيون الإسلامويون الذين ينطقون بالشهادة من ملّة الإسلام؟ ومن يحق له ذلك؟ فالقاتل يقول الله أكبر، ولعلّ مثل هذه الأسئلة ظلّت تواجه الكاتب بسبب طول إقامته في الغرب (أكثر من نصف قرن)، خصوصًا وأن ثمة أصوات تريد إلصاق مثل هذه الأفعال الإرهابية بالإسلام كدين يحضّ على الإرهاب، ولعلّه يعتبر أنه ثمة خط وسطي معتدل وآخر متطرّف ويعتبر الأخير الأقوى والأعلى شأنًا، ويحيل ذلك إلى تأثير البداوة، خصوصًا تربية العشيرة.
يقول المؤلف أنه ليس أمامنا إسلام واحد، وهذا صحيح، فثمة قراءات مختلفة للإسلام ومثله مثل كل الأديان، وإذا كان ثمة متطرّفين محسوبين على دين الإسلام، فثمة متطرفين مسيحيين أيضًا، فماذا نسمي منظمة بايدرماينهوف؟ بالطبع في الغرب يسمنوها منظمة إرهابية ألمانية، وكذلك الحال الألوية الحمراء الإيطالية والجيش الياباني الأحمر والجيش الجمهوري الإيرلندي وغيرها، وتلك المعيارية الغربية فيها ازدواجية وانتقائية، فما يخصّنا هو إرهاب إسلامي، أما ما يخصّهم فهو يتعلّق بالبلد الذي ينتمي إليه هؤلاء الإرهابيون، تلك هي المركزية الغربية التي تريد تطبيق معاييرها القيمية القانونية والأخلاقية والإنسانية علينا، وليس على إرهابيين في مجتمعاتنا، وهو ما يأتي عليه المؤلف.
أتفّق مع الكاتب على أن بعض وليس كل "فقهاءنا" حولوا الدين الحنيف إلى تعاليم عقيمة لا تتوالد خارج فكر القبيلة أو مع معطيات العصر، سواء كانوا على دراية أو جهل أو صنمية، وقد يكون المقصود هنا ليس الدين، بل التديّن، فالأول هو مجموعة قيم سامية وإنسانية وأخلاقية قبل كلّ شيء، وهو منظومة تتلاقى عندها الفلسفات والأفكار والقيم، أما الثاني فهو طقوس وشعائر وممارسات ترتبط بعصرها وتتبدّل بتبدّل الأزمان (أنظر كتابنا "دين العقل وفقه الواقع – مناظرات مع الفقيه السيد أحمد الحسني البغدادي"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2021، وكتابنا "مقاربات في سوسيولوجيا الدين والتدين"، دار إحياء تراث الإمام البغدادي، النجف ، 2018).
يُقارن المؤلف بين الدين لدينا والدين في الغرب، فعندنا صرامة وترهيب وعقوبات، ويضرب مثلًا على ذلك تغيير الدين (وهو ما ندعوه بالردّة والمرتد) وتصل إلى عقوبات غليظة بما فيها الإعدام، "من بدّل دينه فاقتلوه"، وهو قول يُنسب إلى الرسول محمد (ص)، لكن حكم الردّة في القرآن غير ذلك، ويعود إلى الله واليوم الآخر، ويطرح مسألة إشكالية هي أن الغالبية الساحقة في بلادنا لا تستطيع أن تستوعب كيف يمكن للإنسان أن يكون بلا دين أو ضمن مجموعة دينية.
أدرك تمامًا ما يقصده الكاتب من إشكالات في بلداننا، ولاسيّما مقارنتها في الغرب، لكن الغرب في تاريخه قد يكون أكثر سوءًا منّا، وعلى سبيل المثال لا الحصر كيف شنّ الحروب الصليبية (وأقول حروب الفرنجة) حين أراد احتلال بلداننا، حتى وإن كان الأمر اقتصاديًا واستراتيجيًا، لكن ليس بعيدًا عن العامل الديني، كما أن الغرب عاش حروبًا دينية وطائفية من حرب المئة عام التي دامت فعليًا 113 عامًا مع توقفات عديدة، وحرب الثلاثين عامًا، وراح ضحية هذه الحروب ملايين الناس، ولم تتوقّف إلّا في العام 1648 بتوقيع معاهدة ويستفاليا، التي أقرّت سيادة البلدان وحق ممارسة الطقوس والشعائر الدينية وحريّة نقل البضائع والسلع بين المقاطعات المختلفة دون التعرّض لها. ولم يصل الغرب إلى منطقة التعايش والقبول بالآخر، ولاسيّما قيم السلام والتسامح، إلّا بعد معاناة كبيرة.
ولعلّ الغرب الذي يقرّ بهذه القيم الرفيعة وبالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وبالضدّ من التمييز العنصري، تراه يتجاهل كلّ ذلك حين تشنّ إسرائيل حرب إبادة عنصرية ضدّ غزّة وعموم فلسطين وجوارها العربي، سواء في لبنان أو سوريا، بل إنه يغضّ الطرف عن ذلك ويعتبره دفاعًا عن النفس ضدّ إرهابيين، وهؤلاء ليسوا سوى فلسطينيين يمارسون حقهم في المقاومة ضدّ بلدهم المحتل وحقوق شعبهم المستلبة، وهو حق مشروع تكفله القوانين والمعاهدات الدولية.
أقدر أن هذا المدخل الأول لعرض الكتاب الجدير بالقراءة إنما ينتقص من قيمته ويقلل من شأنه، لكن عذري أن ذلك ما تسمح به الصحافة، وآمل أن يسعفني الوقت للعودة إلى الكتاب لكتابة بحث عنه وعرض مفصّل، لأنه كتاب غني وفيه الكثير من الأفكار والآراء الجديرة باطلاع القارئ العربي عليها دون إسقاطات مسبقة واستنتاجات جاهزة.
الكتاب يفتح شهية العقل ويمنح القارئ فسحة ضوء مؤثرة، وحين تنتهي من القراءة تشعر أنك استنشقت هواءً نقيًا طيلة رحلتك المضنية مع هذا الكتاب الفسيح.
نبض