"ليلى"... وعزاء الثّورة اللّبنانيّة

"ليلى"... وعزاء الثّورة اللّبنانيّة
ساحل المتن الجنوبي في القرن الماضي.
Smaller Bigger

نديم شاهين

‏ما معنى أن تكون في غير بيتك؟ ما الذي يجعلك شاهد عيان على حال مسقط رأسك وهو يقع تحت وطأة التغيرات الحزينة التي حلت عليه؟ ما الذي يدفعك نحو الاستياء وفقدان الأمل في حاضرٍ خسر كل أوجه الشبه مع ماضٍ مغيّب ومنسيّ؟

‏تمثّل لمياء المبيض ظاهرة نادرة في لبناننا اليوم. اقتناعها بمشروع الدولة القادرة عميق، مؤمنة به كسبيلٍ وحيدٍ لمواكبة المستقبل، مثابرة على النهج الـ"دولَتي" الـ"نموذجاني" لمن أتوا قبلها، أمثال خال والدتها النائب عبد الله الحاج والرئيس الشهيد رفيق الحريري.

‏تدعونا المبيض إلى خوض غمار رحلة في الزمان والمكان، محييةً ذاكرة مجروحة ويتيمة، مهددة اليوم بالانقراض. إنّها ذاكرة "ساحل المتن الجنوبي"، منطقة بستانيّة خضراء في أمسٍ بعيد، أضحت اليوم مدفونة تحت رماد الأسمنت الهشّ، ملطّخة بأحمر الدمّ.

‏تسرد المبيّض، في روايتها "ليلى، أو معنى أن تكون في غير بيتك" (دار الجديد)، أحداث اجتماعية وسياسية من النصف الثاني من القرن الفائت، في لبنانٍ غرق في ظلام الاقتتال الأهلي والحروب العبثيّة. ‏تقوم بعمل توثيقيّ أركيولوجيّ حثيث، هادفهً إلى التّنقيب عن هذه الـ"قصّة العاديّة جدّاً"، قصّة "ساحل الأمراء"، مسقط رأسها المليء بذكريات زمنٍ جميلٍ مضى، شاهد على نوستالجيا جيلٍ عانى مسلسل الحروب والعواقب الأليمة التي جلبتها.

 

غلاف كتاب “ليلى“. (دار الجديد)
غلاف كتاب “ليلى“. (دار الجديد)

 

‏ما نقرأه في "ليلى" يمكن اعتباره نداءً لبنانيّاً ضد هبوط الوطن في  نوعٍ من "الزهايمر"، متلازمة النسيان المتعمّد والمقصود لأجزاء من تاريخه، أطاح قيماً أخلاقيّة وعاداتٍ أهليّة ومبادئ  سياسيّة-اجتماعيّة-دينيّة، أعطت للحياة المشتركة معناها في تلك المنطقة المُبعَدة قسراً إلى ذاكرة بعيدة مضمحلّة.

‏بين الماضي الأليم والحاضر العنيف، تستحضر لمياء حكاية والدتها ليلى التي تسرد، في "مونولوغٍ" مشغفٍ، متقطّع بشفّات سيجارتها، قصص زمن ولّى، امتاز بالتضامن والوئام، قضت عليه عبثيّة الحروب وسوداويّة الأيديولوجيا الشموليّة الإرهابيّة.

‏أردتُ، من خلال هذه المقابلة، الغوص في حوارٍ مع لمياء المبيض، بعد نحو ثلاث سنوات من إصدار روايتها، ‏راغباً أن تزيدني بالحكايات المنتمية لهذه الذاكرة الاجتماعية، إضافةً إلى البعض من آرائها ورؤيتها الراهنة لما يمرّ به لبناننا اليوم. أرى أنّها تحاكي واقعنا الحالي، حيث "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". إنّها فعلاً لحظةً مفصليّة تفتقد جرأةَ المواجهة، كما صلابة الموقف الموزون.

* ‏أردتِ هذا الكتاب رسالة حبّ لحفيدات ليلى، ووصيّة لجيلٍ من الفتيات تربَّينَ على الاختلاط المجتمعي وثقافة الانفتاح وعشق الحياة. أخبريني عن الأمل الذي تستمدّينه منهنَّ ومن قدرتهنَّ في تغيير المستقبل.
- ما أصعب الحديث عن الأمل في هذه الأيّام. مصادر الأمل هذا ممكن ألّا تظهر لنا من أوّل وهلة، ولكنّها موجودة دوماً. ابنتاي تشكّلان بالنسبة لي مصدراً عظيماً للأمل. أمّي أيضاً، بالتّأكيد، والعلاقة بينهنَّ، بالطّبع. إنّني محظوظة كوني أستمدّ الأمل والإلهام منهنَّ. وحفيدات ليلى الثلاث يشبهنَ ليلى كثيراً، كلّ واحدة على طريقتها.

ليلى مخزون عظيم من الأمل، كما من الثورة. ولا ثورة من دون أمل: "إذا ما عندك أمل، ما بتعمل ثورة"…  الثورة هي أمل بالتغيير، بغدٍ مختلف، ربما بمتخيّلٍ مختلف، ممتلئ من هذا الأمل. كل امرأة في عائلتنا لها ثورتها الخاصّة بها. ثورتها على التقليد، ثورتها على مستقبلها في هذا البلد، ثورتها للحصول على حقوقها.  

أستمدّ الأمل من تربية ليلى لنساء عائلتنا، وفي قلب كلّ منّا شعلة لا تنطفئ، عملت من أجل إنارتها، خصوصاً خلال أيّام الحرب. رغم المعاناة، حافظت على المبادئ الأساسيّة التي تبني الأوطان. لم يكن هذا سهلاً، نظراً لانزلاق مجتمعنا نحو التطرّف الدّيني - الإسلامي الشّيعي تحديداً - البعيد كل البعد عن الخطاب الوطني الجامع الذي كان سائداً خلال طفولة ليلى. هذا بحدّ ذاته كان معركة أرادت الانتصار فيها. 

* من خلال وصفكِ له بلسان ليلى، ‏أعدتِ إحياء إسلامٍ تميّز باعتناقه العلم والفلسفة. برأيك، ما الذي يحول دونَ عودة هذه الممارسة للدّين الإسلامي التي يفقدها عصرنا هذا؟
- ينزلق عالمنا بأسره اليوم نحو مكان لا يمتّ بصلة إلى الذي عاشت فيه ليلى. مجتمعها كان متعدّداً. مجتمع والدتها كذلك. مجتمع جدّتها أيضاً. من جبل عامل إلى ساحل المتن الجنوبي: هذه المجتمعات كانت متعدّدة، منفتحة، تتقبّل الاختلاف، تعيش المكوّنات ضمنه بسلام، بحبٍّ متبادل. فسحة التعصّب كانت ضيّقة جدّاً. لكن التغيير الديموغرافي هو الذي جعل هذا التعدّد شبه معدوم، وأن تتحوّل هذا الضّاحية لبيروت إلى "غيتو" طائفي، قامِع للاختلاف، قضى إلى حدّ الصفر على إمكانيّة خلق مساحات تلاقٍ مثيرة للطمأنينة. 

 

لمياء المبيض توقّع كتابها (نبيل إسماعيل).
لمياء المبيض توقّع كتابها (نبيل إسماعيل).

 

ساحل المتن الجنوبي كان فعلاً مساحة مزهرة باختلاف ألوان المجتمع اللبناني، ما سمح بوجود نماذج متعدّدة، كمحسن سليم وعبد الله الحاج وعبد الكريم الخليل. هذا ما نفتقده اليوم: الـ"غيتو" الموجود لن ينتج قادة رأي يأتون بخطاب وطني جامع يتوجّه إلى الجمهور اللبناني باختلاف توجّهاته.

أمّا الإسلام، فالدين أصبح صبغةً سياسيّة، وابتعد عن الإيمان. اضمحلّت مساحة الإيمان الداخليّة الشخصيّة، وطغت الأيديولوجيا المعلّبة الآتية من الخارج. الدين كان بجوهره معاملَة، طريقة عيش، صون علاقة مع الربّ، سنيّاً كنت أم شيعيّاً، مسلماً أم مسيحيّاً. 

* أ‏بديتِ انزعاجكِ حيال استخدام كلمة "تعايش" للدلالة إلى العلاقة المثلى بين "جمهوريّات" لبنان، مفضّلةً كلمة "عيش مشترك" بدلاً منها. ماذا في هذه العبارة، أو كيفيّة استخدامها عبر التجارب اللبنانية، أدّى إلى نفورِكِ حيالها؟
- الناس لا "تتعايش". الناس تعيش، نقطة. لا أحبّ كلمة تعايش. أريد أن أعيش مع غيري، ألّا أتعايش معه، وكأنّ الأمر هذا فُرض عليّ. يجب أن يكون تلقائياً، طبيعياً، من دون أي جهدٍ يُذكر. عندما يكون الآخر جزءاً من حياتك، جزءاً منّك، لا داعي للتعايش معه. إلى أيّ مدى نحن مستعدّون للعيش مع الآخر؟ أَنُحبّ العيش معه؟ خطاب الكراهيّة السائد اليوم لا يسمح لك بحبّ الآخر، بحبّ اختلافه.

مجتمعاتنا في هذا الشّرق متعدّدة. لا خيار لنا سوى العيش المشترك، وخلق أشياء جميلة معاً. الحقد والكراهية يسودان اليوم، وهذا يأتي من الجهل. عندما تتخلّص من هذا الجهل، وتتعرّف على المجتمع الغريب، تأكل وتعيش معه، تواكب مخاوفه وهواجسه، فهذا غنى لا يُقاس. وهذه ثروتنا، رغم صغر مساحتنا، أن نمتاز بهذا التعدّد؛ إمّا نرفضه، معتقدين أنّه جالب للمآسي، وإمّا نقبل به ونستفيد منه.

* ‏تحدثتِ عن دور لقمان سليم ومؤسسة "أُمَمْ" في تطوير أرشيفٍ يحافظ على الذاكرة الموثوقة لمجتمعاتنا اللبنانية. ما الذي بإمكاننا القيام به، كمواطنين حريصين على هذا الإرث، لاستخلاص العبر والدروس منه؟
- عمل لقمان كان وطنيّاً بامتياز. أعاد الذاكرة اللبنانيّة، لا بل العربيّة، إلى مكانها الطبيعي، أي في صلب سياقٍ وطنيّ أصرّ على مَحو ذاكرته الجماعيّة. 

هذه هي أهميّة الدور الذي تؤدّيه مؤسّسة "أُمَم"، التي يجب أن تبقى وتعمل على الألف سنة الآتية، وربما أكثر، محتفظةً بهذا الأرشيف الغنيّ، هذا المخزون من الذاكرة التي يجب أن تكون مصدر إلهام للجميع. ذاكرة الحرب، ذاكرة الناس، ذاكرة المناطق. المناطق المنسيّة، كساحل المتن الجنوبي. الأشخاص المنسيّين، أمثال عبد الله الحاج وعبد الكريم الخليل.

هنا تكمن أهميّة وجود مساحات كهذه، حيث يجتمع أناسٌ من أنماط وخلفيّات مختلفة، يفكّرون بذاكرتهم المشتركة، يتشاورون بمواضيعها، يقارعون الأفكار. بقاء "أُمَم" وتطويرها واستمرارها وجعلها محفلاً لذاكرة تنتقل عبر الأجيال أهميّة قصوى. 

* تتوافقين مع نظرة عبد الله الحاج الذي قال: "لا مستقبل للبنان في ظلّ النّظام الطّائفي المولّد للأزمات". هل ما زلتِ مؤمنة بمبدأ "نقطة ورا نقطة" للتخلّص منه؟ أما يدعو الوضع الراهن لـ"قطيعة" حتميّة، نهائية؟
- هذه الـ"قطيعة"، قام بها عبد الله الحاج مع صديقه كميل شمعون عندما قرّر الأخير التجديد لولايته الرئاسيّة، خارجاً عن التفاهم المُسبق. "قطيعة" أكبر حصلت حين قرّر الحاج الانفصال عن المجتمع الأوليغارشي المسيطر على مجلس النواب آنذاك، فكان معارضاً للاحتكارات والفساد طوال مسيرته السياسيّة. 

هذا النظام السياسي يشبه الحيوان المفترس، لا يمكننا القضاء عليه بطلقة واحدة. محاربته ستكون طويلة الأمد، فنحن أضعف منه بكثير. لنرى هذا الغول، ونفهمه بعمق، ونستوعب تغلغله: ربما تبدأ المعركة هنا. 

أثبتت تجربة عبد الله الحاج أنّ جبهة بناء الدولة لا يمكن أن تنتصر، من دون التعليم الوطني وتنمية الحسّ النقدي وتفكيك الـ"غيتو" الطائفي الذي يفرّقنا عن بعضنا البعض. للأسف، ليس هذا المسار الذي نسلكه اليوم. ولكن هذا لا يعني أن علينا الاستسلام له. "نقطة ورا نقطة" تعني أنّ المثابرة والصبر هما مفتاح النجاح. لكنّنا، في لبنان، بكلّ بساطة "مستعجلين"...

"عزاء الثّورة الحسينيّة"… هكذا تلقّب لمياء المبيّض، في الصفحات الأخيرة من روايتها، إحياء ذكرى عاشوراء، الذكرى الدينيّة الشيعيّة. أليس ما تصفه في "ليلى"، وما نعيشه اليوم من خيبات أمل وإحباط وطني، سوى دلالة إلى عزاءٍ آخر، عزاءٍ دائم لا نهاية له، ألا وهو "عزاء الثّورة اللبنانيّة"؟


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ايران 3/26/2026 2:49:00 PM
ألمح ترامب إلى تلقي "هدية كبيرة" من إيران دون الكشف عن تفاصيلها، مكتفياً بالقول إنّها ترتبط بالنفط والغاز ومضيق هرمز.
جزيرة متروكة لمصيرها قد تقدّم طوق نجاة لإيران.
لبنان 3/25/2026 10:18:00 PM
مخابرات الجيش اللبناني تطوّق مبنى في أنطلياس بعد معلومات عن وجود مسؤول إيراني… وترحيله من المنطقة