خلف أضواء باريس... سيلين ديون تكسر صمت السنين بوعد جديد
ضباب الصباح المترامي فوق نهر السين مُختلف هذا الأسبوع؛ مثقلٌ بوطأة سرٍّ يحبس واحداً وعشرين مليون شخص أنفاسهم في انتظار انكشافه. في الفضاء الموسيقي، هناك نجوم… وهناك، في المقابل، سيلين ديون. مشاهدتها مشاهدة قوّة من قوى الطبيعة؛ والإصغاء إليها تذكيرٌ بأن للروح البشرية تردّداً خفياً، وتردّدُ روحها ضُبط على موجة "اللامقهورة".
أنشودة باريسية
لأيّامٍ متتالية، تحوّلت شوارع العاصمة الفرنسية إلى معرضٍ حيّ ينبض بالحنين والترقّب. من محيط متحف اللوفر إلى الزوايا الصاخبة في حيّ لو ماريه، ظهرت ملصقات بالأبيض والأسود تبشّر بشيء ما. لا تواريخ عليها، ولا روابط لشراء التذاكر؛ فقط نصوصٌ محفورة من ذاكرتنا المشتركة: The Power of Love، S’il suffisait d’aimer، My Heart Will Go On.

لعابر السبيل، ليست سوى إعلانات عاديّة. أمّا للمؤمنين بقدرة سيلين ديون على النهوض، فهي فتاتُ طريقٍ يقود إلى عرشٍ طال فراغه. ووفق تسريباتٍ صحفيّة، الأمر لا يقتصر على تحيّاتٍ تكريمية، إنّما وعدٌ بلقاء فنّي في قاعة "باريس لا ديفانس أرينا" هذا الخريف: طقسٌ يتكرّر مرّتين أسبوعياً، بين أيلول/سبتمبر وتشرين الأوّل/أكتوبر.
موقفٌ في وجه الصمت
مرّ عامان منذ تلك اللحظة التي بدا فيها العالم وكأنه توقّف، خلال حفل افتتاح الألعاب الأولمبية الصيفية 2024. هناك، متربّعةً على برج إيفل ككائنٍ سماويّ مكسوّ بالفضّة، قدّمت سيلين ديون أغنية L’Hymne à l’amour، في تجلٍّ محسوس لإرادةٍ صلبة.

لا ينبغي أن نغفل عن العتمة التي انبثق منها ذلك الضوء. فقد بدا تشخيصها بمرض متلازمة الشخص المتيبّس كأنه إسدالٌ أخير للستار. شاهدنا اللقطات القاسية في فيلمها الوثائقي؛ التشنّجات التي أسكتت أشهر حبالٍ صوتية على الكوكب، ودموع أمٍّ خشيت أن يتحوّل جسدها إلى سجنٍ.
لكن سيلين ديون لا تكتفي بـ"التكيّف"، إنّما "تتدرّب"، ولذلك تعاملت مع رحلة تعافيها بانضباط رياضيّ أولمبي، محوّلةً إعادة التأهيل إلى سيمفونية صامتة، شاقّة، من الصمود.
رجوع متوازن
وسط صخب العودة، كسرت سيلين ديون صمتها بحميميّة، عبر سلسلة صور نشرتها على "إنستغرام"، تُشكّل سيرة بصرية لعلاقة عشقٍ طويلة مع باريس. من تلك الفتاة اليافعة ذات الصوت الجارف، إلى سيّدة المسرح العالمية، شكّلت الصور طيفاً مؤثّراً يذكّرنا بأن الجسد قد يضعف، لكن الجوهر يبقى عصيًاً على الانكسار.

وإن صحّت التوقّعات، فلن تكون هذه العودة جولةً تقليدية، بل رجوعاً موزوناً، شبه طقسيّ: ليلتان في الأسبوع، بإيقاعٍ يحترم وضعها الصحي، ويصون جذوة رسالتها التي لا تنطفئ.
سيلين تعود إلى المسرح، وتعود إلينا. وفي عالمٍ يتشظّى أكثر فأكثر، تبدو عودة ذلك الصوت - وقد مسّته الندوب، لكنه ازداد عمقاً بفضل نجاته - نشيداً لم نكن ندرك أننا ننتظره. باريس تستعدّ لتبكي، لتهتف، وأخيراً… لتتنفّس.
نبض