للمناسبات في الشعر العربي مساحات واسعة من القصائد، ومسافات واسعة في الزمان، تمتدُّ من أَقصى الجاهلية (مدحًا أَو فخرًا أَو هجاءً أَو رثاءً، وما كان من حوادثَ فيها أَرَّخها الشعر بتفاصيلها وأَبطالها ونتائجها)، بُلُوغًا إِلى العصور التالية، وصولًا إِلى عصرنا اليوم، وفيه لا تزال رائجةً قصائدُ المناسبات، وشعراءُ المناسبات يملأُون المنابر، ويُلقُون شعرًا مُعظمُه من نظْم المديح، وقليلُه يَبلغ قلْب الشعر فيتجاوز المناسبة إِلى نسْج رائعة شعرية تبقى على الزمن.
ولكن... هل كل مناسبة تستاهل أن يُتوِّجها الشعر؟
بين المناسبة وقصيدتها
من البداهة، باسم قدسية الشعر، أَن يَصعُبَ الشاعر في اختيار المناسبة التي يرضى بأَن يقف على منبرها. فهو لا يقبل بأَية مناسبةٍ يخصُّها بقصيدة جديدة. ما كلُّ مناسبة جديرة بشرَف أَن تقالَ فيها قصيدة. أَستثني من هذا المعيار شعر الزجل الذي، في أَساسه، مبنيٌّ منذ انطلاقه على المناسبات من دون انتقائية. معيار الانتقائية أَن ترتفع المناسبةُ إِلى مستوى الشعر، لا أَن يندرجَ الشعر في سياق المناسبة، أَيًّا تكُن وأَنَّى تكُن.
بـ"المناسبة" أَعني الشخص المكرَّم (راحلًا كان أَم رافلًا بالحضور)، أَو الذكرى المحتفى بها (وطنيةً كانت أَو أَدبية أَو سواهما).

وبـ"رفع المناسبة إِلى مستوى الشعر"، لا أَعني التقليل من أَهمية المناسبة (لشخصٍ كانت، أَو لذكرى، أَو لتكريم)، بل أَعني أَن يجعل الشاعرُ المناسبةَ أَهلًا لتَدخُل في حُرمَة القصيدة وفي تاريخه الشعري. فرُبَّ مناسبةٍ لتكريمِ عظيمٍ، أَو ذكرى غالية، يكون الشاعر دونها أَهميَّةً فيستغلُّها لبروزه لا لإِبرازها، وتأْتي قصيدته تمجيدًا مجَّانيًّا مدَّاحًا دون مستوى الشعر. فالشعر، حين هو من شاعرٍ شاعر مكرَّس، من شأْنه أَن يُخلِّد المناسبةَ، وتاليًا صاحبَها أَو ظرفَها.
هل كل مناسبة جديرة بالشعر؟
رُبّ مناسبةٍ دون شرَف الشعر، ورُبّ قصيدةٍ دون مستوى المناسبة. فأَهمية قصيدة المنبر: تضمينُها ما ينصِّع مناسبتَها، وإِنما أَيضًا ما يعتنقُه الشاعر ليقول آراءَ له، أَو نظرةً، أَو وِقفةً وجدانية.

إِذًا: رفعُ المناسبة إِلى مستوى الشعر هو من شأْن الشاعر لا المناسبة. وهنا مهمَّة الشاعر: أَن تكون قصيدته مبنيَّة لا على "ماذا" في المناسبة، بل على "كيف" يقارب شعريًّا هذه المناسبة لكي يَضْمن بقاءَ قصيدته في الزمان. فالشعر، أَيًّا تكُن ظروف وضعه، ليس الـ"ماذا" بل الـ"كيف": لا "ماذا يقول الشاعر" بل "كيف يقول ماذا"؟
أَيةُ مناسبة لأَيِّ منبر؟
قصيدة المنبر، ما عناصر بقائها بعد المناسبة؟
في جوهر الشعر، لا فَرق في النسيج الشعري بين قصيدةٍ منبريةٍ يكتبها الشاعر لمناسبةٍ ثم ليُلقيها على منصَّةِ المناسبة فيسمعها منه المتلقِّي، أَو قصيدةٍ يكتبها الشاعر كي ينشَرها ليقرأَها عنه المتلقِّي.
لكنَّ في الأَمر فخًّا (للشاعر والمتلقِّي معًا) يجب التنبُّه له. و"فخُّ" القصيدة المنبرية أَنَّ الشاعر غالبًا ما يُكتبها بصوته ويقرأُها لوحده بسمعه، أَكثرَ مما يكتبُها بنبضه ويقرأُها بِحِرصه. يكتبُها بصوته الجهوري الخطابي المنبري، متوقِّعًا ردَّة فعل المتلقي. لذا هو يعمَد (غالبًا) إِلى أَمرين بَديهيَّين:
1. في الإِلقاء: تعمُّدُ الإِكثار من التطريب وهو يلْقيها، خصوصًا عند نهايات بعض الأَبيات، استثارةً تصفيقَ الجمهور لنبرته (ولو لم يكن البيت عالي الشعرية).
2. في النص: تعمُّدُ الإِكثار من صُوَرٍ وتعابيرَ (والأَغلب: مبالغات) تُثير لدى الجمهور ردَّة فعلٍ ذات صِلة (وغالبًا يصفِّق للنبرة الإِلقائية في نهاية البيت أَكثرَ مما يصفِّق إِعجابًا بالبيت)، فتستثير أَبياتٌ بعينها تصفيقًا من الجمهور يطرَب له الشاعر على المنبر، ويتوقَّع تهانئَ الجمهور على تلك الأَبيات بعينها بعد نزوله عن المنصة (وقد لا تكون تلك الأَبيات بالذات من الشعر الشعر). وهذا قد يقرِّب الشاعر من جمهوره، لكنه قد يُبعده عن الشعر: يقرِّبه من الآني العابر ويُبعده عن الدائم الخالد.
لا التصفيق بل التدقيق
الخلاص من هذا الفخّ؟ تفكيرُ الشاعر، فيما هو يكتب قصيدته، أَو تاليًا فيما يلقيها، أَنَّ الأَهم ليس تصفيق الجمهور لهذا البيت أَو ذاك، لهذا المعنى أَو ذاك، بل الأَهَمُّ هو اشتغالُه على القصيدة بعناصر الشعر المتينة، فتكون عمارةً شعرية قوية، منبرًا كان مَآلُها أَو نشْرًا، قصيدةَ مناسبةٍ كانت أَم قصيدةَ غَزل.
الحلقة المقبلة: طبيعة المناسبة وطبيعة القصيدة
نبض