التفاؤل والعمارة: رحلة في كتاب جائزة الأغا خان للعمارة

ثقافة 23-03-2026 | 21:59

التفاؤل والعمارة: رحلة في كتاب جائزة الأغا خان للعمارة

الجزء الأول - هل ما زال التفاؤل ممكنًا في العمارة؟
التفاؤل والعمارة: رحلة في كتاب جائزة الأغا خان للعمارة
مركز قرية ووست ووسوتو المجتمعي.
Smaller Bigger

محمد أدهم السيد

نادرًا ما انبثق سؤال معماري من قلب لحظة تاريخية استثنائية كما هو الحال اليوم. فنحن لا نعيش "عصر أزمة" واحدة يمكن تحديدها أو تأطيرها، بل نعيش ضمن مجموعة متداخلة من الأزمات يصعب الفصل بينها: أزمة مناخية تعيد تعريف مفهوم الأرض والموارد وتفجّر تحديات جديدة تتطلب منا مواجهتها؛ أزمات اقتصادية تدفع المجتمعات نحو التأزم وتفرض عليها خيارات صعبة لإعادة رسم خرائط السكن والعمل؛ تحولات تقنية تغيّر أنماط العمل والعلاقات الاجتماعية؛ وصراعات محلية وإقليمية ونزاعات وحركات نزوح تعيد تشكيل الخرائط البشرية والنسيج الاجتماعي باستمرار.

أمام هذا المشهد المعقد، لم تعد العمارة مجرد نشاط روتيني يضيف شكلًا تقليديًا إلى العالم، بل أصبحت ممارسة جوهرية تتصل بكل جوانب هذا العالم المضطرب.

تاريخيًا، ارتبطت العمارة غالبًا بلحظات الثقة الجماعية: فترات الازدهار، مشاريع التحديث، والرؤى المستقبلية الواعدة. كانت المباني تُقام كشواهد على استقرار نسبي، أو كدليل على طموح سياسي واجتماعي محدد المعالم. أما اليوم، فالزمن الذي تعمل فيه العمارة لم يعد زمن يقين، بل زمن احتمالات مفتوحة، كثير منها مقلق. فالمبنى الذي يُصمَّم الآن سيعيش في مستقبل لا يمكن التنبؤ بشروطه البيئية أو الاقتصادية أو حتى الاجتماعية. وهكذا تتحول كل عملية تصميم إلى رهان على المجهول.

 

إعادة إحياء مدينة إسنا التاريخية.
إعادة إحياء مدينة إسنا التاريخية.

 

في هذا السياق، يبرز سؤال التفاؤل لا كترف فكري، بل كإشكالية أساسية: ما جدوى أن نصمم للمستقبل عندما يبدو المستقبل ذاته موضع شك؟ هل التفاؤل هنا شكل من العمى الإرادي؟ أم أنه ضرورة مهنية لا غنى عنها؟ من هنا، لا يعود التفاؤل مجرد كلمة فضفاضة ذات طابع اجتماعي أو نفسي، بل يصبح مفهومًا يحتاج إلى مساءلة دقيقة. فالمعماري لا يعبّر عن رأي فحسب، بل يرسّخ قرارات في المادة والأرض والموارد والحياة اليومية. كل تفاؤل معماري، بالتالي، يُترجم إلى أثر ملموس. وهذا ما يجعل السؤال أخلاقيًا بقدر ما هو نظري: أي نوع من التفاؤل يحق للعمارة أن تتبناه؟

للإجابة على هذا السؤال، يفرد كتاب "التفاؤل والعمارة"، الصادر ضمن سلسلة منشورات جائزة الآغا خان للعمارة لدورة 2025، صفحاته، ويرصد كل جوانب الموضوع بعمق وشمولية. يتولى الكتاب، الذي حرره ليزي لوكو وكريستينا شتاينغريبر، إعادة طرح مفهوم التفاؤل في سياق العمارة، ليس بوصفه شعارًا أخلاقيًا، بل كإشكالية مهنية وفكرية تستحق البحث والنقاش.

يبني الكتاب أطروحته الأساسية من خلال مجموعة من المقالات النقدية، والحوارات البناءة مع أعضاء لجنة التحكيم، واستعراض المشاريع المدرجة في القائمة القصيرة للجائزة؛ مفادها أن التفاؤل في العمارة لا يتحقق عبر المشاريع الأيقونية أو الحلول التقنية المعقدة، بل من خلال العمل الدؤوب داخل القيود وتحويلها من عوائق إلى أدوات للتفكير والتحفيز. بهذا المعنى، يصبح التفاؤل بنية عمل متكاملة، تتجسد في اختيارات مادية دقيقة، وفهم معمق للسياق الاجتماعي والثقافي، وانحياز واضح للإنسان بوصفه محور العملية التصميمية.
 يتخذ الكتاب موقفاً نقدياً واضحاً من العمارة الاستعراضية التي غالباً ما تدّعي التقدم بينما تعمّق القطيعة مع المكان وسكانه. وتشير ليزي لوكو في أحد نصوصه إلى أن التفاؤل في العمارة هو «القدرة على الاستمرار في العمل دون تحويل القيود إلى أعذار»، وهو طرح يعيد تعريف دور المعماري كفاعل اجتماعي ومسؤول ثقافي، لا كمؤلف شكلي يسعى لإنتاج صور جذابة. ويتجسد هذا الموقف بوضوح في المشاريع المختارة التي تعمل غالباً في بيئات هشة، ومدن تاريخية مهمشة، وسياقات تعاني نقص الموارد أو عدم الاستقرار، بدلاً من أن يظل نقداً نظرياً مجرداً.

 

مركز قرية ووست ووسوتو المجتمعي.
مركز قرية ووست ووسوتو المجتمعي.

 

تكتسب هذه الأطروحة أهمية خاصة عند قراءة المشاريع المدرجة في الكتاب، حيث تتقاطع الأسئلة المعمارية مع قضايا التراث، والتحول الحضري السريع، والتحديات المناخية. هذه المشاريع لا تتعامل مع الواقع بوصفه عبئاً، بل كحافز لفعل الممكن، وتقدم نماذج لعمارة متفائلة ليس لتجاهل التعقيد، بل لمواجهته بوعي وتواضع. وبذلك، يصبح الكتاب ليس فقط توثيقاً لدورة من دورات الجائزة، بل بياناً مهنياً يدعو إلى إعادة التفكير في معنى النجاح المعماري، وفي العلاقة بين التصميم والمسؤولية.

سؤال وجودي!
في لحظة تاريخية تتشابك فيها الأزمات، يبدو سؤال العمارة اليوم وجوديًا بقدر ما هو مهني. وفي خضم هذا الواقع، لم تعد العمارة تعمل في فراغ نظري أو جمالي منعزل، بل داخل مشهد مضطرب تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد بالبيئة بالحياة اليومية. وهنا يبرز السؤال الذي يفتتح كتاب «التفاؤل والعمارة» ضمنيًا فصوله: هل ما زال من المشروع أن تكون العمارة متفائلة؟

ليس السؤال بسيطًا؛ فالتفاؤل، في الوعي العام، غالبًا ما يُفهم كميل نفسي أو موقف عاطفي، أو حتى شكل من أشكال الإنكار اللطيف للواقع. لكن عندما يتعلق الأمر بالعمارة—بما تتطلبه من موارد، واستثمارات، وتدخلات طويلة الأمد في حياة الناس—فإن التفاؤل يصبح قضية أخلاقية ومهنية معقدة. هل يمكن لمبنى أن يدعو "للتفاؤل" في مدينة تغرق في الفقر؟ هل يحق للمعماري أن يتحدث عن المستقبل في بيئة يطغى عليها عدم اليقين؟ أم أن التفاؤل هنا يتحول إلى نوع من التزيين الخطابي الذي يغطي عجزًا حقيقيًا عن مواجهة جذور المشكلات؟

 

ساحة للا يدونة.
ساحة للا يدونة.

 

هذا التباين هو ما يجعل طرح الكتاب مهمًا. فهو لا ينطلق من افتراض أن العمارة قادرة على “إنقاذ العالم”، ولا يتبنى خطابًا بطوليًا عن دور المعماري. بل على العكس، ينطلق النقاش من الاعتراف الصريح بحدود المهنة؛ فالعمارة لا تستطيع وقف الحروب، ولا إعادة توزيع الثروات عالميًا، ولا حل الأزمة المناخية وحدها. لكنها، في الوقت نفسه، ليست محايدة. فكل قرار تصميمي—سواء كان اختيار مادة، أو توجيه مبنى، أو تنظيم فضاء عام—هو تدخل يُحسب ضمن شبكة من التدخلات الاجتماعية والبيئية والاقتصادية التي يمكن أن ترسخ حالة من التفاؤل.

العمارة بين السوق والأزمة
على مدار العقود الماضية، ارتبط جزء كبير من الإنتاج المعماري العالمي بمنطق السوق؛ تجلّى ذلك في المباني الأيقونية، والمشاريع الاستثمارية الضخمة، والمدن الجديدة التي تُسوَّق كعلامات تجارية. وفي هذا السياق، تحوّلت العمارة غالبًا إلى أداة لتمثيل القوة الاقتصادية أو السياسية، بدلاً من كونها وسيلة لتحسين ظروف العيش. فأصبح المبنى خطابًا بصريًا وأداة لجذب رأس المال، قبل أن يكون بيئة للسكن. ومع تصاعد الحديث عن الاستدامة، ظهرت مجموعة جديدة من الشعارات: مبانٍ "خضراء"، و"ذكية"، و"صفر كربون". غير أن الكتاب يشير إلى مفارقة واضحة: كلما ابتعد الخطاب عن الواقع، زاد الشك في فعاليته الحقيقية؛ فقد تتحول الاستدامة بحد ذاتها إلى مجرد علامة تسويقية تُضاف إلى المشروع دون أن تُغيّر منطقه الإنتاجي الأساسي. وهنا تحديدًا يبرز سؤال التفاؤل من زاوية مختلفة. فالتفاؤل، كما يقدمه الكتاب، لا يمكن أن يكون استمرارًا لهذا المسار الاستعراضي، ولا يجب أن يُبنى على وفرة الموارد، أو تجاهل التفاوتات، أو الافتراض بأن التقنية وحدها كفيلة بإنقاذنا. أما التفاؤل المعماري الحقيقي، إن وُجد، فيجب أن ينبع من داخل الأزمة ذاتها؛ من القدرة على العمل في ظل موارد محدودة، ومعطيات معقدة، وسياقات غير مستقرة. إنه تفاؤل يدرك حدود الطاقة والمال والسيطرة.

 

مجلس العجب.
مجلس العجب.

 

من الحلم الكبير إلى الفعل الصغير
في القرن العشرين، ارتبط مجال العمارة ارتباطًا وثيقًا بالمشاريع الكبرى والرؤى الشاملة، مثل إنشاء مدن جديدة، وتطبيق مخططات حداثية، وتطوير نظم إسكان جماعي. سادت ثقة—قد تكون مفرطة أحيانًا—في قدرة التصميم على إعادة تشكيل المجتمع. أما اليوم، فقد اهتزت هذه الثقة؛ فقد أثبتت التجارب العديدة أن الحلول الشاملة قد تخلق مشكلات جديدة، وأن الهوة بين المخطط والواقع قد تكون أوسع مما يُتصور أو يُستعد له.

في هذا السياق، يقترح الكتاب تحولًا في مقياس التفاؤل. لم يعد التفاؤل يقتصر على المشروع الضخم أو الحل النهائي، بل أصبح مرتبطًا بالفعل المتدرج والمحدود الذي يعمل ضمن النسيج القائم. هنا، لا يعني التفاؤل وعدًا بمستقبل مثالي، بل التزامًا بتحسين ملموس، وإن كان صغيرًا. إن إصلاح فضاء عام، أو إعادة استخدام مبنى قائم، أو تطوير حرف محلية، أو تحسين شروط الراحة المناخية بوسائل بسيطة—كل هذه الأفعال، على تواضعها، تُطرح بوصفها حوامل حقيقية للتفاؤل.

هذا التحول يعيد تعريف دور المعماري؛ فبدلًا من كونه مجرد "مخطط للمستقبل"، يصبح وسيطًا بين قوى متعددة تشمل المجتمع، والمناخ، والاقتصاد، والثقافة، والأنظمة التقنية. والتفاؤل في هذا الإطار لا يعني السيطرة، بل القدرة على التفاوض وإيجاد مساحات ممكنة ضمن منظومات معقدة.

 

مركز شمالات الثقافي.
مركز شمالات الثقافي.

 

إنه تفاؤل يستبدل صورة المعماري-العبقري بصورة المعماري-المستمع. فقبل اقتراح الحلول، يتوجب عليه فهم سياقات المعيشة، والاعتراف بالمعارف المحلية، وقبول أن التصميم ليس فعلًا فرديًا خالصًا، بل هو نتاج حوار طويل بين أطراف عديدة. وبهذا، يصبح التفاؤل ثقة في العملية أكثر منه ثقة في الشكل النهائي.
كما يظهر التفاؤل هنا كشكل من أشكال المقاومة؛ ففي عالم تهيمن عليه لغة الأزمات، قد يبدو التشاؤم خيارًا عقلانيًا، لكن الاستسلام له يُفضي إلى نوع من الشلل في العمل. فالمهندس المعماري الذي يقتنع بأن جهده لا يجدي نفعًا أمام ندرة الموارد ومحدودية الفرص، لا يتخذ موقفًا نقديًا، بل يتقاعس عن مسؤولياته. وبهذا، يتحول التفاؤل إلى فعل مقاومة صامت: مقاومة لفكرة أن النتائج محتومة سلفًا، وأن التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تحولات ضخمة تتجاوز نطاق الممارسة اليومية.

لماذا الآن؟
إن اختيار موضوع التفاؤل في سياقنا المعاصر ليس تفصيلاً عابرًا، بل هو إشارة إلى لحظة تاريخية يشعر فيها الكثيرون من العاملين في هذا المجال بأن الأسس التي يقفون عليها تتزعزع. فالأزمات البيئية، والتحولات التقنية، وتغير أنماط العيش والعمل، كلها عوامل تعيد صياغة شروط المهنة. في مثل هذه اللحظات، قد يكون من الأسهل التشبث بالحنين إلى الماضي أو الاكتفاء بالخطاب التقني البحت. لكن هذا الطرح يختار مسارًا ثالثًا: مراجعة الأساس الأخلاقي للممارسة.

 

مركز شمالات الثقافي.
مركز شمالات الثقافي.

 

هذا الطرح التأسيسي يمهد مباشرةً للخطوة التالية: إذا لم يكن التفاؤل شعورًا، فما هو إذن؟ وكيف يمكن تحويله من مجرد كلمة عامة إلى أداة تحليل وممارسة فاعلة؟ هنا، ينتقل الكتاب (في المقال القادم) من سؤال الإمكانية إلى سؤال التعريف. سنرى كيف يُعاد بناء مفهوم التفاؤل بوصفه فعلًا مقاوِمًا وموقفًا نقديًا يتجسد في تفاصيل العمل اليومي، لا في النوايا أو الشعارات.

بهذا، لا يكون هذا المقال سوى مدخل للمسار بأكمله. لقد انتقلنا من صورة العالم المأزوم الذي يضغط على مجال العمارة من كل جانب، إلى فكرة أن التفاؤل، إن كان ممكنًا، يجب أن يكون تفاؤلًا حذرًا، عمليًا، ومشروطًا بالمسؤولية. في المقال التالي، سنفكك هذا التفاؤل من الداخل وفقًا لمنطق الكتاب، لنفهم كيف يتحول من مفهوم أخلاقي عام إلى بنية تفكير تؤثر في القرار التصميمي ذاته.

-يتبع-

 

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
اسرائيليات 3/21/2026 10:54:00 PM
ضربة صاروخية على عراد: أكثر من 120 مصابًا وانهيار مبانٍ ومخاوف من عالقين تحت الأنقاض
اسرائيليات 3/22/2026 1:59:00 PM
ذكر سلاح الجو أنّه حتى الآن تم إطلاق أكثر من 400 صاروخ باليستي نحو إسرائيل.
لبنان 3/22/2026 2:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي هدّد بتدمير الجسر... فما أهميّته لجنوب لبنان؟