أكثر من 56 معلماً ثقافياً في إيران طالتها نيران التصعيد
أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة الإيرانية تضرّر ما لا يقلّ عن 56 متحفاً ومبنىً تاريخياً وموقعاً ثقافياً بأضرار جسيمة. ويُعدّ الدمار، الذي نُسب إلى الضربات العسكرية الإسرائيلية - الأميركية الأخيرة، إحدى أقسى الضربات التي مُني بها التراث الثقافي العالمي في القرن الحادي والعشرين.
كان للعاصمة الإيرانية طهران النصيب الأكبر من هذا الوقع الأليم، حيث سُجل تضرّر 19 موقعاً. ولعلّ أبرزها قصر غولستان المدرج على قائمة اليونسكو، وهو درّة معمارية من العصر القاجاري؛ إذ عصفت به الارتجاجات وتطايرت نحوه الشظايا إثر هجوم استهدف مواقع مجاورة. ونقل شهود عيان، عبر مقاطع مصورة موثقة، مشهداً تراجيدياً للعمارة: شظايا الزجاج من الأسقف المكسوّة بالمرايا تغطي الأرضيات، ونوافذ الزجاج المحطمة، وأقواس منهارة.

أما في أصفهان، المُلقّبة بـ"نصف العالم"، فقد أثار الدمار موجة عارمة من الاستنكار الدولي، شملت:
- قصر "تشهل ستون" (الأربعون عموداً): هذا الصرح الذي يعود للقرن السابع عشر عانى تصدّعات في لوحاته الجدارية وسقوط أجزاء من نقوشه البديعة.
- جامع عتيق (مسجد الجمعة): أقدم مساجد إيران وشاهدٌ حي على 1200 عام من الفن الإسلامي، حيث أفادت التقارير بوقوع أضرار هيكلية وفقدان أجزاء من فسيفسائه الفيروزية الأيقونية.
- قصر عالي قابو: المقر الملكي الصفوي المطل على ساحة "نقش جهان"، والذي فقد أجزاءً من أبوابه وزخارفه الحجرية العريقة.
دمار ممتد عبر الأقاليم
لم يتوقف نزيف التراث عند المدن الكبرى؛ ففي إقليم لرستان، تعرضت قلعة فلك الأفلاك - الحصن الساساني الشامخ منذ القرن الثالث الميلادي - لضربات طالت الثكنات العسكرية والمتاحف الأثرية المحيطة بها. ورغم صمود الهيكل الرئيسي للقلعة، إلا أن الموجات الارتدادية باتت تهدد استقرار أحد أضخم المباني التاريخية في إيران.

وفي الغرب، وتحديداً في وادي خرم آباد - الذي يحتضن كهوفاً تعود لعصور ما قبل التاريخ ويُعتقد أنها شهدت استيطاناً بشرياً قبل 63 ألف عام - تضررت مبانٍ واقعة ضمن المنطقة العازلة للموقع.
استغاثة تحت راية "الدرع الأزرق"
على الرغم من تزويد اليونسكو لجميع الأطراف بالإحداثيات الجغرافية لضمان "الحماية المعززة" لهذه المعالم، إلا أنّ قرب الأهداف العسكرية والحكومية من المراكز الثقافية جعل البروتوكولات الدولية حبراً على ورق. وقد سارع المسؤولون الإيرانيون إلى وسم المواقع بشعار "الدرع الأزرق" الدولي كإشارة لحصانتها، ومع ذلك لا تزال "الأضرار الجانبية" في تصاعد مستمر.

وفي هذا السياق، صرحت الباحثة البارزة في منظمة "هيومن رايتس ووتش" بوني دوشيرتي أنّ "هذا الدمار يمثل طعنة في وجدان المدنيين؛ لأنه يسحق جزءاً من تاريخهم الذي يمثل قيمة كبرى للعالم بأسره ولإقليمهم على وجه الخصوص".
من جهتها، أعلنت وزارة التراث الثقافي عن إطلاق خطة "إعادة بناء الهوية والترميم العاجل". لكن الخبراء يحذرون من أنّ الكثير من العناصر المفقودة - لاسيما جداريات العصر الصفوي وزخارف المرايا القاجارية - هي كنوز لا يمكن تعويضها. ويقف المجتمع الدولي اليوم أمام سباق مع الزمن لتوثيق ما تبقى من نفائس قبل أن تلتهمها نيران التصعيد.
نبض