فنّ العيش فوق الهاوية

ثقافة 12-03-2026 | 09:22

فنّ العيش فوق الهاوية

نحن لا نتفلسف لكي نعرف أكثر، بل لنكون أكثر وعياً بجهلنا.
فنّ العيش فوق الهاوية
"المتجول فوق بحر الضباب" بريشة كاسبار دافيد فريدريش.
Smaller Bigger

يُمكن اعتبار الفلسفة محاولة مستميتة لترميم التصدّعات التي يتركها الوجود في الروح. ويمكن وصفها بـ"فنّ العيش" وسط الركام، والبحث عن نقطة ضوء في نفق العدمية.

يبدأ التفلسف حين يتوقف المرء عن قبول الأشياء كما هي. إنها تلك الدهشة التي وصفها أرسطو بأنها أصل كلّ معرفة. لكن الفلسفة الحديثة نقلت هذه الدهشة من تأمّل النجوم إلى تأمّل القلق الإنساني؛ وبذلك انطلق السؤال الفلسفي من "ما هو العالم؟" إلى "كيف نكون في هذا العالم؟".

أدرك سارتر أنّ الحرية هي لعنة نبيلة تضع مصيرنا بين أيدينا، وليست هبة؛ بينما رأى نيتشه أنّ الإنسان جسرٌ ممدود فوق هاوية، وعليه أن يتجاوز نفسه باستمرار لئلا يسقط في رتابة "الإنسان الأخير". وبذلك، على المرء أن يتقبّل حقيقة أنّه محكومٌ عليه بالحرية كمسؤولية مطلقة في "مذهب" سارتر، ومُطالبٌ بالعبور فوق هاوية الوجود بتجاوزٍ نيتشويٍّ دائم، لئلا يسقط في فخّ العدم.

تطغى المادة على عصرنا؛ تُغذّيها آلات ضخّ إعلامية ودعائية. وتبرز الفلسفة اليوم كفعل مقاومة؛ إذ تُعيد إلينا زمننا الخاص، وتنتشلنا من السيولة التي تجعل كلّ شيء قابلاً للاستبدال. الزمن هو الديمومة كما رآها برغسون، أو شعورنا الداخلي باللحظة. والآخر ليس دائماً الجحيم؛ إنّه المرآة التي نرى فيها ملامح وعينا الأخلاقي. والفلسفة لا تعطي أجوبة تريح العقل، إنّما تمنح أسئلة توقظ الروح.

إنّ الكتابة الفلسفية الحقيقية هي تلك التي لا تقدّم لك الحقيقة بسهولة، بل تمنحك المطرقة لتهدم بها أصنام الوهم، وتبني من شظاياها كياناً أصيلاً يشبهك وحدك. نحن لا نتفلسف لكي نعرف أكثر، بل لنكون أكثر وعياً بجهلنا وبجمال الغموض الذي يلف حياتنا.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/11/2026 12:05:00 AM
أفيخاي أدرعي يرد على باسيل بعد تحميله إسرائيل مسؤولية الحرب
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
لبنان 3/11/2026 5:36:00 AM
"الجماعة الإسلامية" تنفي استهداف مكاتبها أو كوادرها بالغارة الإسرائيلية في بيروت