نساء رائدات في إِدارة المكتبات (2)
في الغالب والطبيعي اليوم أَن ندخل إِلى مكتبةٍ ونجد على مدخلها مكتبَ مسؤُولة الاستعلامات والمبيعات، سائلةً زوارها عن الكتب التي يبتغون شراءَها. وقد تكون في أَجنحة المكتبة صبايا يساعدْنَهم على زيارة المكتبة. غير أَنَّ المكتبات، التجارية والعامة، لم تبدأْ هكذا منذ مطالعها. فأُولى المكتبات الأَميركية العامة تأَسستْ سنة 1833، وكان معظمُ موظَّفيها ذُكُورًا. لم يكن حضور النساء متاحًا إِلَّا لخدمة الأَطفال زوَّار المكتبة. غير أَن النساء لم يخضَعْنَ بسهولةٍ لهذا الحصْر، فتمكَّنَت رائداتٌ منهن أَن يكسرن الحصْر، ويتولَّيْن مسؤُوليات إِدارية كانت تقتصر على الذكور، ويوسِّعنَ العملَ فيها وازدهارَها.
في هذا المقال تذكير بأَوَّل رائدة أَميركية من كاليفورنيا افتتحت تَوَلِّي المرأَة إِدارةَ مرفقٍ عامٍّ كان حتئذٍ قصرًا على الرجال. ولا تقتصر ريادتها على إِدارة مكتبة عامة وحسب، بل هي عملَت في نشاط دينامي ريادي على حق المرأَة في الاقتراع.
ماري Foy فُوْيْ (1862-1962)
سنة 1880 كانت ولاية كاليفورنيا تشكَّلت أَميركيًّا قبل بضع سنوات (انضمت سنة 1848 إِلى الولايات المتحدة) وكانت مدينة لوس أنجلس تشكِّل عناصرها اللوجستية، ومنها حاجتها إِلى من يتولَّى إِدارة مكتبتها العامة التي تأَسست سنة 1872، واستأْجرت لها ثلاث غرف في الطبقة العليا من مبنى بالإِيجار. تولَّى أَولًا هذه المسؤُولية اثنان: الصحافي جون ليتلْفيلد وباتريك كونولّي. لكنهما سرعان ما عُزلَ الأَول ثم الآخَر لسوء علاقتهما بالموظفين. اجتمع المجلس البلدي وقرَّر إِسناد هذه المهمة إِلى امرأَة، وأَعلن عن فتح الفرصة للتقدُّم إِلى هذه الوظيفة.
فترتئذٍ كانت ابنةُ الثامنة عشرة الصبية ماري إِميلي فُوْيْ Foy تخرَّجَت، قبل عامٍ، في دورة التخرُّج الخامسة من مدرسة لوس أنجلس العالية، فتقدَّمت بطلب الوظيفة لإِدارة المكتبة، وسعت إِلى الاتصال بأَعضاء المجلس البلدي الخمسة عشر تشرح لهم برنامجها، ما أَدى بالإِجماع إِلى قبولها.
استمارة لوظيفة نادل
فور تَسَلُّمها الوظيفة، ظهرَت تباعًا واسعةَ المعرفة والثقافة والتدبير. من ذلك وضْعُها استمارةً للمتقدمين إِلى وظيفة نادل في الحانة، بأَسئلة ثقافة عامة مثل: مَن وضع قاموس "وِبْسْتِر": نُوح وِبْسْتِر أَم دانيال؟" (الجواب الصحيح: نُوح). ثم أَنشأَت، بطريقة "نظام دِيْوِيْ"، ثَبْتًا بمجموعة كتب المكتبة لتسهيل الحصول عليها. وأَنشأَتْ قاعةَ قراءَةٍ خاصةً بالنساء، وخصَّصت في قاعة قراءَة الصحف حيِّزًا لِلُعبة الشطرنج. وكان في النظام منْع إِخراج الكتُب من المكتبة، وقراءتها داخليًّا في قاعات المكتبة الثلاث.
ذات يوم، وصل إِلى المكتبة وليام مُولُولِنْد (المهندس الْكان مكلَّفًا وضعَ تصميمٍ ميداني لشبكة المياه في المدينة)، وطلب استعارة كتاب علْمي عن الموضوع، على أَن يـأْخذَه معه ويعيدَه بعد أَيام. كسرَت ماري قاعدة عدم إِخراج الكُتب من المكتبة، ما سبَّب لها، عقابًا، عدمَ تجديد عملها في المكتبة عند انتهاء مدة العقد سنة 1884.
في التدريس
عندها انتسبَت ماري إِلى "مدرسة كاليفورنيا الرسمية العالية" (لاحقًا أَصبحت "جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس" UCLA)، و"كلية وودبُري لإِدارة الأَعمال". وتوازيًا، زاولت التدريس في "مدرسة لوس أنجلس العالية". وأَخذت، بعضويتها في الحزب الديمقراطي، تنشط في المطالبة بحق المرأَة في الاقتراع. وهذا النشاط كان رائدًا في حينه لأَن المرأَة لم تكن العملية الانتخابية من اهتماماتها.
وأَثمرت جهودها الريادية، مع حملةٍ قادتها في المدينة وخارجها، فأَقرَّت حاكمية كاليفورنيا سنة 1911 حق المرأَة في الاقتراع، فكانت بذلك سادس ولاية أَميركية تقرُّ هذا الحق.
الحفاظ على التراث
ظلَّت المكتبة العامة في بالها، فسعت سنة 1921 إِلى استفتاء عام يرمي إِلى أَن تنشئ بلدية لوس أنجلس مبنًى خاصًا مستقلًّا لمكتبة عامة. وتحقَّق ذلك سنة 1926 في بقعة الأَرض الْكانت عليها المدرسة الرسمية التي درست فيها ماري.
سنة 1934 ترشَّحت ماري لعضوية الكونغرس، لكنها لم تنجح، مع أَنها حلَّت رابعةً بين 11 مرشحًا، وكانت هي المرأَة الوحيدة للترَشُّح.
ولأَنها ابنة والدَين (صموئيل ولوزيسندا) من أَقدم عائلات لوس أنجلس، أَنشأَت سنة 1939 "جمعية العائلات المؤَسِسّة"، مهمَّتُها الحفاظ على تاريخ كاليفورنيا عبر حفظ إِرث سكَّانها الأَوائل (لا تزال هذه الجمعية ناشطة حتى اليوم).
توفيت ماري في شباط/فبراير من سنة 1962. وبعد أَشهر، في تموز/يوليو من تلك السنة (في الذكرى المئوية لولادتها)، أَطلقَت المكتبة العامة رسميًّا غرفة القراءَة فيها على اسمها تخليدًا ذكراها الرائدة.
الحلقة المقبلة: ناشطات رائدات أُخرَيات
نبض