الإعلام والسلطة في إيران الحديثة
في عصرٍ باتت فيه النقاشات حول الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإغلاق الإنترنت، والتضليل الإعلامي المدعوم من الدولة، محوراً أساسياً في السياسة العالمية، يقدم كتاب إميلي إل. بلاوت، " الإعلام والسلطة في إيران الحديثة"، وهو نسخة مُنقّحة ومُوسّعة من أطروحتها للدكتوراه من جامعة سانت أندروز، دراسةً تاريخية ونظرية مُعمّقة حول كيفية فهم نظامين إيرانيين مُتعاقبين - النظام الملكي البهلوي والجمهورية الإسلامية - لوسائل الإعلام الجماهيرية، وكيفية بنائها واستخدامها أداةً للسلطة الأيديولوجية. والنتيجة عملٌ مُحكم الحجة، ومُوثّقٌ بالوثائق الأرشيفية، يُشكّل إضافةً قيّمة لمجالات دراسات الشرق الأوسط، وتاريخ الإعلام، والتواصل السياسي.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء موضوعية، يتناول كل منها نقطة تحول إعلامية فارقة: أولاً، إنشاء احتكارات البث الحكومية في عهد البهلويين، وثانياً أزمة البث التلفزيوني عبر الأقمار الأصطناعية في تسعينيات القرن الماضي، وأخيراً تأثير الإنترنت في تقويض سيطرة النظام في العقد الأول من الألفية الثانية وما بعده. ويتميز هذا الترتيب الزمني بالدقة والوضوح. وتجادل بلاوت، بأسلوب مقنع، بأن الرابط بين هذه اللحظات الثلاث ليس مجرد ظهور تكنولوجيا جديدة، بل الصراع السياسي الذي يندلع في كل مرة تصبح فيها وسيلة إعلامية محدودة سابقاً قادرة على التواصل الجماهيري، ما يهدد النظام المعلوماتي القائم. من هذا المنطلق، لا يقتصر كتابها على دراسة إيران فحسب، بل يتناول كيفية تعامل الدول الاستبدادية الحديثة مع التحولات التكنولوجية الجذرية. ويستند الإطار النظري لبلاوت إلى مفهوم غرامشي جديد للسلطة المهيمنة، مُصفّىً عبر نظرية الشرعية الفيبرية الجديدة لديفيد بيثام. وتجادل بأن كلاً من نظام بهلوي والنظام الإسلامي لم يستمدا سلطتهما من الإكراه فحسب، بل من الهيمنة الأيديولوجية - أي القدرة على جعل رؤيتهما للعالم تبدو طبيعية وحتمية ومقبولة على نطاق واسع. وتؤكد أن وسائل الإعلام الجماهيرية هي الآلية الأساسية التي تُبنى من خلالها هذه الهيمنة وتُنازع. هذه ليست حجة جديدة في حد ذاتها، لكن الباحثة تُطبّقها بدقة وخصوصية تاريخية. فعلى سبيل المثال، تُظهر قراءتها لخطب الخميني المسجلة على أشرطة الكاسيت قبل الثورة بوضوح كيف يمكن لقوى المعارضة استغلال البنية التحتية الإعلامية التي يبنيها النظام نفسه لتبرير وجوده.

يُعدّ القسم الأول، الذي يُغطي عهد الشاه، من أقوى أقسام الكتاب. تستند بلاوت إلى وثائق رُفعت عنها السرية من وزارة الخارجية الأميركية والأرشيف الوطني لإعادة بناء البنية التحتية للبث الوطني الإيراني بتفصيل دقيق، وذلك بمساعدة تقنية ومالية أميركية كبيرة طوال خمسينيات القرن الماضي وستينياته. لم تُدرس هذه المادة التاريخية باستفاضة في الدراسات السابقة، وقد أثمرت جهود بلاوت الدؤوبة في البحث في الأرشيف نتائج قيّمة. يُسلط سردها لكيفية سعي الشاه، مدفوعاً بالقلق من البث الدعائي السوفياتي من باكو والاضطرابات القومية في الدول المجاورة، إلى إنشاء جهاز إعلامي مركزي تُسيطر عليه الدولة، الضوء على نمط من التفكير الإعلامي الأمني الذي ورثته الجمهورية الإسلامية لاحقاً بشكلٍ كامل.
أما القسم الثاني من الكتاب فيعالج مواجهة الجمهورية الإسلامية مع البث الفضائي في تسعينيات القرن الماضي، وهي أزمة أجبرت النظام على صوغ عقيدة متماسكة لسيادة الإعلام للمرة الأولى.
تتتبع بلاوت النقاشات الفصائلية الحادة داخل المؤسسة الحاكمة حول كيفية التعامل مع تدفق البرامج الفضائية الفارسية المنتجة في الخارج. ويُعدّ تحليلها للحجج البرلمانية والدينية حول أطباق الأقمار الاصطناعية - التي صُوّرت في آنٍ واحد كتهديدات أخلاقية وأسلحة ثقافية ومصادر دخل محتملة - تحليلاً دقيقاً. وتُبيّن كيف تبلور مفهوم "الحرب الناعمة" (جانغ نارم)، وهو مصطلح سيكتسب لاحقاً رواجاً أيديولوجياً كبيراً، كإطار عمل في تلك الفترة. وتؤكد بلاوت أن أزمة الأقمار الاصطناعية كانت تحولية، إذ أجبرت الجمهورية الإسلامية على تجاوز الرقابة الانفعالية نحو الإدارة الاستباقية لبيئات المعلومات.
ويغطي القسم الثالث - والأكثر أهمية - الفترة الممتدة من منتصف التسعينيات حتى الحركة الخضراء عام 2009 وما تلاها من تطوير لشبكة الانترنت الإيرانية. ويُعدّ سرد الباحثة لأزمة ما بعد انتخابات 2009 بالغ الدقة والوضوح، إذ تُبيّن كيف أن رد فعل النظام الأولي - المتمثل في تقييد سرعات الإنترنت، وحجب منصات التواصل الاجتماعي، ونشر قوات الباسيج والحرس الثوري ضد المتظاهرين - لم يكن فشلاً أيديولوجياً، بل كان ارتجالاً محموماً من جانب نظام لم تكن عقيدته الإعلامية قد استوعبت بعد واقع الاتصالات الرقمية اللامركزية. وتؤكد بلاوت، أن مشروع شبكة المعلومات الوطنية يُفهم على أفضل وجه باعتباره استجابة الدولة الطويلة الأمد لهذا الانكشاف: محاولة لإعادة بناء شروط احتكار الإعلام ضمن حيز محدود لشبكة إنترانت وطنية، مُستوحاة جزئياً من "جدار الحماية العظيم" الصيني.
من أبرز إسهامات الكتاب إصراره على الاستمرارية بعد الثورة الإيرانية عام 1979، فبينما تبدأ معظم الدراسات حول الإعلام الإيراني بالجمهورية الإسلامية كنقطة تحول، تتتبع بلاوت الإرث البنيوي والأيديولوجي الذي يربط بين نظامي الشاه وما بعد الثورة. فقد نظر كلا النظامين إلى الإعلام الجماهيري من منظور عسكري أمني، وأسّسا احتكارات إعلامية حكومية مبررة بالاستناد إلى الثقافة الوطنية والسيادة، وتعاملا مع الإعلام الأجنبي بمزيج من الحظر والتقليد. وهذا المنظور الطويل الأمد يثري التحليل كثيراً.
ومع ذلك توجد بعض القيود التي تجدر الإشارة إليها. فالإطار النظري للكتاب، رغم توظيفه بكفاءة، يطغى أحياناً على التحليل الذي يدعمه. وقد يتمنى القرّاء الملمّون بتقاليد غرامشي وفيبر لو أن بلاوت تعمّقت أكثر في التركيب النظري، لا سيما في تناولها العلاقة بين الأيديولوجيا واستقبال الجمهور. يُطلعنا الكتاب على الكثير عن كيفية محاولة الدولة تشكيل البيئة الإعلامية، ولكنه لا يُقدم الكثير حول كيفية تجربة الإيرانيين العاديين لهذه الجهود، أو كيفية تعاملهم معها، أو مقاومتهم لها. إضافةً إلى ذلك، لن يجد القراء الذين يأملون تناول فترة ما بعد عام 2019 - بما في ذلك دور وسائل التواصل الاجتماعي خلال احتجاجات مهسا أميني عام 2022 - ما يبحثون عنه هنا. فقد استمر مشروع الشبكة الوطنية للإنترنت واستراتيجيات النظام في إدارة الإنترنت بالتطور السريع، ومن شأن الطبعة الثانية أن تستفيد من خاتمة محدّثة. وبغض النظر عن هذه التحفظات، يتميز البحث الأرشيفي بالجودة العالية، وإلمامه بالمصادر الفارسية وسجلات الديبلوماسية الأميركية وهو ما يُميّز هذا العمل عن الدراسات الأخرى التي تتناول الإعلام الإيراني من منظور نظري أكثر طموحاً ولكنه أقل شمولًا من الناحية التجريبية.
نبض