الشهبانو فرح بهلوي... الحلم الثقافي لإيران الحديثة
غالباً ما تطغى على السردية التاريخية لإيران في القرن العشرين ميكانيكا الجيوسياسية الباردة، وتقلبات أسواق النفط، والتحولات الأيديولوجية الحادة لثورة عام 1979. بيد أن فحصاً أعمق للعقود التي سبقت سقوط السلالة البهلوية يكشف عن مشروع متطور وطموح لصوغ الذات الوطنية، تمحور حول المزج بين الإرث الفارسي العريق والحداثة العالمية.
في قلب هذه النهضة الثقافية برزت الإمبراطورة فرح بهلوي، التي تحول دورها من الواجبات الرمزية لقرينة ملكية إلى مهندسة رئيسية للهوية الإيرانية الحديثة. ومن خلال مذكراتها، تتجلّى رؤية إيران التي حلمت بالحداثة، كمحاولة شاملة لاستعادة مكانة الأمة في طليعة الحضارة العالمية.
إرساء الحداثة في المؤسسات
في سبعينيات القرن الماضي، برزت الإمبراطورة كمهندسة للهوية، آمنت بأنّ نهضة إيران تمرّ عبر ريشة الرسام وقانون المرأة. ومن أعمق آثار رعاية فرح بهلوي تأسيس شبكة من المتاحف المصممة للحفاظ على التراث الإيراني وإطلاع الجمهور على الحداثة الدولية. ويُعدّ متحف طهران للفن المعاصر ذروة المشروع الثقافي البهلوي.

بفضل طفرة أسعار النفط، نجحت الإمبراطورة في تأمين تمويل لاقتناء مجموعة فنية مذهلة، شملت روائع من القرنين التاسع عشر والعشرين، من الانطباعية إلى "البوب آرت". وجادلت حينها بأنّه بينما يمتلك الغرب العديد من آثار إيران القديمة، يجب على إيران امتلاك أهم مجموعة للفن الغربي الحديث خارج أوروبا وأميركا الشمالية. وتضمّ هذه المجموعة، التي تُقدّر قيمتها اليوم بمليارات الدولارات، أعمالاً لجاكسون بولوك، وفرانسيس بيكون، ومارك روثكو، وأندي وارول.
يُعتبر المتحف تحفة في التوليف؛ إذ دمج المعماري كامران ديبا العناصر الفارسية التقليدية، مثل ملاقف الهواء، مع كتل الخرسانة "البروتالية"، في محاولة لصوغ هوية إيرانية تتناغم مع الماضي والاتجاهات العالمية المعاصرة.
كذلك، كان مهرجان شيراز للفنون (1967 - 1977) منصّة الحلم البهلوي الأكثر تجريبية الذي أُقيم سنوياً وسط أطلال "تخت جمشيد" (برسبوليس) وحدائق شيراز، بهدف تعزيز حوار ثقافي عابر للحدود بين الشرق والغرب، وتميّز بنهجه الجذري المتعدّد التخصّصات، حيث قدم موسيقيين فارسيين تقليديين إلى جانب أقطاب الفن الطليعي الغربي.

ارتبطت النهضة الثقافية في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته ارتباطاً وثيقاً بـ "الثورة البيضاء"، وهي سلسلة إصلاحات أطلقها الشاه عام 1963 لتحديث القاعدة العلمانية لإيران. وبينما ركّز على إصلاح الأراضي والتصنيع، أصبحت الإمبراطورة نصيرة للبرامج الاجتماعية التي أعادت تعريف مكانة المرأة الإيرانية في الفضاء العام.
في حضرة "الشهبانو"
عندما يصف الإعلامي ريكاردو كرم لقاءه بها، يتحدث عن "امرأة تتمتع بقدر استثنائي من الرقي والتواضع". يروي أنّ الحديث معها "رحلة فكرية تذكرك بأن الثقافة هي روح الأمم".
في منزلها، اكتشف أنّ الإمبراطورة حملت إيران في مسام جلدها. يصف تلك الأجواء بدقةٍ شاعريّة: "طقوس الشاي بعد الظهر، روائح الزعفران وماء الورد، الحلويات التقليدية، والعطور الشرقية و"العود" التي تحمل عبق قرون من التاريخ". إنّها "جغرافيا بديلة" تعيشها فرح في منفاها، مؤكدةً حضور "فارس" في كل زاوية من حياتها.
الوفاء الصامت
ثمة تفصيلٌ مدهش يذكره كرم، يكشف عن عمق التزامها الثقافي؛ فمنذ عشرين عاماً، قررت فرح التوقف عن اقتناء ملابسها من دور الأزياء العالمية، واختارت أن تعتمد حصراً على "تصاميم ومشغولات من صنع مصممين وحرفيين إيرانيين". هو اعتزازٌ بالهوية يتجاوز الشعارات، وفاءٌ لمواهب بلدها التي تآمرت عليها الجغرافيا وشتتها المنفى.

لكن "السيدة" خلف اللقب، تظلّ في نظر من عرفوها "إنسانة نادرة اللطف". يقول كرم إنّه، "بعيداً عن دورها العام، عرفها أيضاً إنسانةً نادرة اللطف والوفاء"، ويتذكر بامتنان تلك اللفتات الإنسانية التي ميّزتها؛ اتصالاتها الأسبوعية للاطمئنان على ابنه في محنة مرضه، وسؤالها الدائم عن لبنان في جراحه. هنا، تسقط التيجان ليبقى الرقي الإنساني هو المعدن الذي لا يصدأ.
ذاكرةٌ لا تُنفى
أدركت فرح بهلوي أنّ مكانة الدولة مرتبطة برأسمالها الثقافي. وتحت توجيهها، خاضت الحكومة حملة نشطة لاستعادة الآثار الفارسية التاريخية من المؤسسات الأجنبية والمجموعات الخاصة. كما أثمرت علاقاتها الشخصية مع فنانين عالميّين مثل هنري مور وسلفادور دالي وأندي وارول في تعزيز الهيبة الثقافية لإيران.
انكسر "حلم الحداثة" في شتاء 1979، وغادرت العائلة الملكية في رحلةِ منفى مريرة. ورغم أن العاصفة اقتلعت العرش، إلا أنها لم تستطع اقتلاع المؤسسات التي زرعتها فرح. ظلت لوحاتها الفنية مخبأة في الأقبية كبذورٍ تنتظر الربيع، وظل اسمها مرتبطاً بأناقة حضارة كاملة.
فرح بهلوي اليوم شاهدة على عصرٍ، وحارسة للذاكرة الفارسية، تواصل بهدوءٍ ملكي الدفاع عن ثقافة بلادها، حاملةً حزنها ويقينها بأن "الجمال" هو الحصن الأخير الذي لا يمكن للثورات أن تهدمه. "إن الإمبراطورة فرح بهلوي لا تحمل فقط ذاكرة مرحلة من تاريخ إيران"، يقول كرم، "بل تحمل أيضاً أناقة حضارة كاملة، وتواصل، بهدوء ورقيّ، الدفاع عن ثقافة بلادها ونقلها إلى العالم".
نبض