معمار الأراضي المتخيّلة... فيروز فرمانفرمايان وروح إيران الجديدة
في العالم الهادئ والتأمّلي لفيروز فرمانفرمايان، ليست الخريطة واقعاً، وما الحدود إلّا اقتراح شفيف. مولودٌ في إيران، صُقلت هويّته في المساحات الانتقالية بين باريس ومراكش وماربيا؛ رحّالةٌ، الذاكرة وسيطه الفنّي، ونسيج الشتات مادّةٌ لإبداعه.
غير أنّ الصفائح التكتونية للجيوسياسية الإيرانية، التي تزحزحت عقب الضربات الأميركية - الإسرائيلية ومقتل المرشد الأعلى، وضعت فجأةً ذلك "اللامكان المتخيَّل" الذي أقام فيه الفنان عقوداً طويلة في مواجهة "حيّز" شديد الواقعية، حسيّ للغاية.
في حديثه إلى "النهار"، يعبر فرمانفرمايان المنعطفات التاريخية برهافة مبدع ثقافي وانسيابيّته، لا بحدّة خطاب السياسيّين. منظوره يرسم جسراً نادراً بين العظمة المعمارية التي زيّنت إيران ما قبل الثورة، وبين مستقبل "ما بعد قبلي" (post-tribal) يبدو، للمرة الأولى منذ أجيال، قاب قوسين أو أدنى.
ناسج الوحدة "ما بعد القبليّة"
بالنسبة إلى فرمانفرمايان، لا يبدو فراغ السلطة الحالي في طهران لغزاً سياسياً بقدر ما هو مفترق طرق روحي. احتفى عمله الفني طويلاً بمفهوم "ما بعد القبليّة"؛ ذلك التحوّل من الانكفاء (القوالب) الوطني الضيّق نحو هويّة كوكبية متعدّدة الثقافات. ومع ذلك، وبينما تلوح في الأفق ظلال القومية، يبقى متجذّراً في صلةٍ عميقة بالأرض وبأنماطها الضاربة في القدم.

يقول متأملاً: "بصفتي فناناً معاصراً، لا تعكس أعمالي أيديولوجيا سياسية أو نشاطاً نضالياً، بل هي تشتبك مع ثيمات الذاكرة، والاقتلاع والاغتراب، والهويّة المركّبة، بما يستدعي أفكاراً أعمق للحوار والوحدة".
وهو يرى في الفسيفساء الإيرانية المتنوّعة - من البختيارية والبلوشية إلى الأذرية والكردية - حركة جماعية واحدة لا شظايا مبعثرة ينبغي جمعها. مفهوم "ما بعد القبلية" عنده لا يعني محو الماضي، بل اكتشاف "شعور بالانتماء داخل تنوّع هوياتنا". إنها دعوةٌ لحركة نحو التوحّد بدلاً من التفتّت، ورفضٌ لأن تنغلق الثقافة على نفسها في وجه التغيير.
الأساس والانهيار
ثمّة ثقل بنيوي يسكن فكر فرمانفرمايان، لعلّه ورثه عن جدّه عبد العزيز فرمانفرمايان، المعماري الذي رسم أفق إيران السابقة. النظام الحالي، برأيه، هو هندسة من نوع آخر؛ هيكل هجين يتردّد فيه صدى "جمهورية أفلاطون"، حيث يؤدّي "الحكّام القضاة" دور المرشدين الروحيين والسياسيين معاً.
يوضح لـ"النهار" أنّ "النظام الحالي يحمل أوجه شبه بعيدة مع سلطة الكهنة في إيران ما قبل الإسلام". ويلفت إلى أنّ هذا النموذج، بعدما تصلّب بفعل أوليغارشية عسكرية مركزية أعقبت الحرب الإيرانية - العراقية، أصبح "صلباً، ولكنّه بات أيضاً أكثر خطورة".
ومع احتمال انهيار هذه البنية، يحذّر فرمانفرمايان من فوضى الفراغ، ويعود بنظره إلى الفرص الضائعة في الثورة الدستورية الفارسية عام 1905 ليتّخذ منها "مخططات تأسيسية" للجيل الجديد. يقول: "أميل إلى ترجمة تفكيري عبر منظورين، بنيوي وتاريخي". فالمستقبل، في رأيه، ينبغي أن يُعاد بناؤه "على أسس دستورية قوية ومستقرّة" مزاوجة بين الواقعية الراسخة والرؤية المفاهيمية.
عودة إلى صحراء الروح
في عمله الفني لعام 2025، "رحلة في أرض غير موجودة"، استكشف فرمانفرمايان مفهوم "الصفحة البيضاء" أو "اللوح الفارغ" (tabula rasa) الذي يواجهه المنفيّ. ولكن، لو فُتحت الأبواب غداً، ولو تهاوت الحواجز السياسية كستائر مهترئة، فإلى أين يولّي هذا الرحّالة العابر للحدود وجهه؟
لا نجد الجواب في أروقة السلطة الصاخبة، بل في صمت الرمال. يقول: "شخصياً، لو قُدّر لي العودة، لتمنّيتُ السفر إلى مدينة يزد الصحراوية العتيقة، أمكث هناك وقتاً متأمّلاً المستقبل".

هذا الحنين إلى يزد يكشف جوهر فلسفته حول "إيكولوجيا الروح"، وهو مفهوم يستعيره من الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان. ففي عصر "الروبوتية" المتصاعدة، يرى فرمانفرمايان أنّ الخطوة الأولى لإنقاذ كوكب - أو أمّة - تبدأ برعاية المشهد الداخلي للثقافة والمخيّلة.
مستحضراً نداء آرثر رامبو لصديقه فيرلين إلى البقاء "عصريّين على نحو مطلق"، يعانق فرمانفرمايان المستقبل بلا خوف من التكنولوجيا، شرط أن تبقى متجذّرة في هذه الإيكولوجيا الروحية. وإذ تقف إيران على شفا عصر جديد، يظلّ صوته قوةً ضابطة، تذكّر بأنّ أكثر البنى ديمومةً لا تُشيَّد من الطوب أو العظام، بل من الحكايات التي نختار أن نسردها معاً.
ويختم قائلاً: "ليكن للثورة الجارية أن تمهّد الطريق". إنها بركة أمل يطلقها رجلٌ وجد أخيراً درباً يعود به إلى أرض لم تعد "غير موجودة".
نبض