ترميم رائعة شونغاور "عذراء شجيرة الورد" قبيل ارتحالها إلى اللوفر
في إحدى كنائس مدينة كولمار في إقليم الألزاس الفرنسي، وتحت أنظار جمهور مأخوذ بسحر اللحظة، تخضع لوحة "عذراء شجيرة الورد" - تلك التحفة الفنية التي يتجاوز عمرها الخمسمئة عام - لعملية ترميم دقيقة، قبيل ارتحالها إلى متحف اللوفر لتتوّج معرضاً مخصّصاً لمبدعها مارتن شونغاور.
توضح المرمّمة جولي سوتر، من داخل كنيسة الدومينيكان، أنّ حالة العمل الذي أُبدع في القرن الخامس عشر "مرضية تماماً في مُجملها"، غير أنّ فريق الترميم لاحظ "بعض مناطق النتوء والهشاشة في مواضع متفرقة".

بمصباحٍ يدوي ذي ضوء أبيض، تشير إلى أماكن تقشّرت فيها طبقة الطلاء. ومع انطلاق الأعمال يوم الخميس، وُضع المحراب الخشبي - البالغ ارتفاعه مترين وعرضه 1,15 متر والمطلي عام 1473 - برفق فوق طاولة كبيرة اعتلت مذبح الكنيسة الألزاسية، حيث ستعكف الخبيرة لمدّة عشرة أيام على إعادة البريق المفقود إلى تفاصيل اللوحة.
تبدأ سوتر عملها بحقن غراء مستخلص من سمك الحفش بتركيزات مخففة جداً، ثم تعيد تثبيت القشور برفق باستخدام ملوق حراري. وبعد هذا العمل المضني، ستنتقل إلى مرحلة إزالة الغبار والشوائب، بهدف "جلاء تلك المسحة الرمادية الباهتة التي تراكمت عبر الزمن على سطح الورنيش"، وفق ما تؤكّد لوكالة "فرانس برس".

دهشة الزوار وقيمة الأثر
مع انتصاف النهار، بدأت وفود الزوار تتدفّق بكثافة أمام المذبح. ويوضح رئيس مجلس إدارة كنيسة الدومينيكان التي تدير المكان وتُعير اللوحة للوفر، مارك جيرير، أنّ "عذراء شجيرة الورد" تُعدّ مغناطيساً للسياح، قائلاً: "بما أنها ستغيب عنّا لمدّة أربعة أشهر، فإنّنا سنتحمّل ضرراً مالياً"، ومن هنا ولدت فكرة تنظيم عملية الترميم علانية أمام الجمهور قبل رحيلها.
لا يرتبط أهل كولمار باللوحة كعمل فني فحسب، بل يكنّون تبجيلاً خاصاً لشخص العذراء مريم، فهي، كما يقول جيرير، "موضوع تقوى وإيمان" بالنسبة لهم. ويروي قصة سرقتها عام 1972، حيث عُثر عليها بعد عام في ضواحي مدينة ليون من دون تحديد الجناة، ويستذكر قائلاً: "أقيم آنذاك قداس شكر مهيب بمناسبة عودتها، وغصّت الكنيسة بالحشود".

مهارة شونغاور الخالدة
ستكون اللوحة، وهي العمل الوحيد المؤرَّخ للفنان، القطعة المركزية في المعرض الموقت بمتحف اللوفر الذي يحتفي بالمصوّر والنقّاش الكولماري تحت عنوان "مارتن شونغاور، الجمال الخالد"، في الفترة من 8 نيسان/أبريل إلى 20 تموز/يوليو.
في الإطار، تصف نائب مفوض المعرض بانتكسيكا بيغيري دي بايب براعة الفنان قائلة: "تتجلّى في اللوحة كلّ مهاراته، وحسّه المرهف في الملاحظة الذي مكّنه من تجسيد لمعان اللؤلؤ، وملمس الفراء، ونعومة بتلة الفاونيا، أو ريش طائر القرقف". وتضيف: "هناك ذلك الحوار الصامت الذي برع في نسجه بين الأم وطفلها؛ حيث تشيح مريم الحزينة بنظرها بعيداً، وكأنها تستشرف المصير المأسوي لابنها".

يُذكر أن اللوحة كانت في الأصل أكبر حجماً، لكنها تعرّضت للتلف نتيجة سقوط مفترض، ممّا أدّى إلى فقدان جزئها العلوي الذي كان يصوّر الذات الإلهية والحمامة، بالإضافة إلى أطراف رداء العذراء وقسم كبير من بساط الفراولة في أسفل اللوحة.
إرث طواه النسيان
تختم الخبيرة حديثها بشغف: "أشعر بالتأثر في كلّ مرّة أتأمّلها فيها، تتملّكني رغبة في الغرق في سكينتها التي تتجاوز مشاعر الحزن. وفي كلّ مرة، يبدو وكأنّ تفصيلاً جديداً يطفو على السطح".
يُعدّ مارتن شونغاور (1450-1491) أحد أهم الفنانين الجرمانيين في أواخر العصور الوسطى وأكثرهم شعبية، وقد استلهم منه فنانون كبار مثل ألبرت دورر، رغم أنّ النسيان قد طوى ذكره قليلاً في العصر الحديث. وتؤكّد دي بايب: "لهذا السبب، يمثل هذا المعرض في متحف اللوفر ضرورة ملحّة".
نبض