الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية في إيران... هل يمكن استخدامها سلاحاً لإنهاء نظام الملالي؟

ثقافة 05-03-2026 | 23:16

الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية في إيران... هل يمكن استخدامها سلاحاً لإنهاء نظام الملالي؟

يستعرض البحث واقع التعددية العرقية والدينية في إيران، مبرزاً سياسات الاضطهاد الممنهج و"التفريس" ضدّ الأقليات.
الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية في إيران... هل يمكن استخدامها سلاحاً لإنهاء نظام الملالي؟
امرأة تمرّ بجانب جدارية للعلم الإيراني. (أ ف ب)
Smaller Bigger

أعادت الحرب الحالية تسليط الضوء على إيران، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وأبرزت مجدّداً الحاجة إلى التعرف إلى طبيعة هذا البلد ذي الثقافة المتجذرة قبل الإسلام وبعده، والذي يستأثر بحكمه منذ عام 1979 نظام الملالي المتكئ على عقيدة المد الشيعي طائفياً، وسيادة القومية الفارسية عرقياً، رغم تنوعه الإثني والديني الضارب بجذوره في أعماق التاريخ، والذي لطالما أثرى الحضارة الإنسانية، خصوصاً في ظلّ الإسلام، بعلماء في الطب والفلك والرياضيات والجغرافيا، كابن سينا والخوارزمي والبيروني والقزويني وجابر بن حيان والنيسابوري، وشعراء مثل عمر الخيام وسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي والفردوسي وشمس الدين التبريزي، أستاذ جلال الدين الرومي.
 
إنّ قراءة دقيقة لجغرافيا إيران السياسية والسكانية المعقدة، تظهر أنّ هذا البلد يتشكَل من خليط من القوميات التي تحيط بالهضبة الفارسية ذات الطبيعة والمناخ القاسيين. تحيط هذه الأقليات بإيران من كلّ اتجاه؛ إذ إن لها امتداداتها في دول الجوار. وعندما انتصرت الثورة الإيرانية عام 1979، بعد تراكمات نضالية طويلة وتضحيات جسيمة قدمتها الشعوب الإيرانية جمعاء، شعر الجميع بأمل تحقيق الدولة الديموقراطية الحديثة، دولة تعددية تُحترَم فيها حقوق مختلف العرقيات التي عانت من السياسات القمعية الإرهابية الكثير. لكن بدلاً من توجيه الاهتمام للتخلص من تركة محمد رضا بهلوي، اتُبعت سياسة مهادنة مع القوى التي كانت تتحالف داخلياً مع النظام الشاهنشاهي، بينما شُنت أعنف حملات الاضطهاد العنصري وألغيت بجرة قلم حقوق الشعوب الإيرانية غير الفارسية بحجة أن الدين الإسلامي يوجب الانضواء تحت خيمة رجال الدين، ما خلق هوة سحيقة بين نظام الملالي وأكثرية الشعوب الإيرانية.

تداخلات وتشابكات
وبحسب كتاب "الأقليات الدينية والعرقية والمذهبية في إيران" للباحث سامح عبود والصادر عن "مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحافية والمعلومات" في القاهرة، فإن هناك تداخلات وتشابكات بين الانقسامات العرقية والدينية والطائفية في إيران التي تبلغ مساحتها 1،636مليون كيلومتر مربع، فالمسلمون السنة، مثلاً، يشكلون، بحسب تقديرات رسمية، ما بين 20 إلى 28 في المئة من تعداد السكان، وهم منقسمون بين ثلاث عرقيات رئيسة: الأكراد، والبلوش والتركمان، وقليل من العرب في إقليم عربستان (الأحواز) المحتل، ويسكنون بالقرب من خطوط الحدود التي نفصل إيران عن الدول المجاورة ذات الأغلبية السنية، مثل باكستان وأفغانستان والعراق وتركمانستان. أما السنة من العرق الفارسي فوجودهم نادر، علماً أن إيران كانت دولة سنية حتى القرن العاشر الهجري. وإضافة إلى المسلمين، سواء من الشيعة أم السنة، والذين يمثلون 98،8 في المئة من إجمالي السكان، هناك مسيحيون ويهود وزرادشتيون، ومنتمون إلى ديانات أخرى. لكن يظل المذهب الشيعي هو الأكثر تفوقاً على باقي المذاهب الأخرى، ويضع إيران في مرتبة الدولة الشيعية الأكبر على مستوى العالم الإسلامي.

 

امرأة ترفع صورة خامنئي في طهران. (أ ف ب)
امرأة ترفع صورة خامنئي في طهران. (أ ف ب)

 

ولطالما عانت حكومات جمهورية إيران الإسلامية مشكلات الأقليات القومية التي كان أعنفها التمرد الكردي في الشمال الشرقي من البلاد. لكن وضع الإقليم الأذري وقضيته يختلفان كلياً عن غيرهما من المشكلات. فالأذربيجانيون هم أكبر أقلية قومية من حيث العدد في إيران، ويسكنون أكبر المناطق مساحة، ويتحدثون لغة تركية قديمة، وهم موجودون بأعداد كبيرة في مختلف أنحاء إيران، إلى جانب أنهم الوحيدون من الأقليات غير الفارسية الذين ينتمون إلى المذهب الجعفري الشيعي، بينما الأقليات الأخرى هي من السنة. وآية الله شريعتمداري لم يكن فقط زعيم الأذربيجانيين، بل كان أيضاً فقيه الشيعة المنافس للخميني على النفوذ الديني والسياسي.

قلاقل عرقية
 ورغم أنه ليس هناك حتى الآن أدلة قوية تؤيد الفكرة القائلة بأن الأقلية الأذرية يتم إعدادها لمواجهة حكومة طهران، إلا أن صانعي السياسة في واشنطن، كما يؤكد سامح عبود في دراسته عن الأقليات العرقية والدينية عن إيران، أبدوا منذ عام 2003، اهتماماً في هذا الاتجاه السياسي، استغلالاً للشعور القومي الأذربيجاني القوي، واحتمال أن يتسبب في قلاقل عرقية قد يترتب عليها تغيير جذري في شكل نظام الحكم الراهن ومضمونه، كما سبق أن حدث في نهاية فترة حكم الشاه عام 1979. وبما أن الأذربيجانيين كشعب غير مشكوك في إيرانيتهم، فهم بالنسبة إلى الأكراد وباقي الأقليات القومية، الوسيلة الصالحة للدعوة إلى الاعتراف بمطالب الأقليات القومية دستورياً. كذلك فإن وجودهم داخل هذه البوتقة هو – كما يقول عبود - عامل اعتدال للتخفيف من مطالب القوميات المتطرفة. وما يعزز حظوظ تلك الأقلية هو أن نسبة عالية منها منتسبة إلى سلك الشرطة والأمن والجيش والحرس الثوري.

وتعتبر قضية "عربستان" من القضايا التي تزلزل استقرار الأوضاع في هذا البلد. ورغم  محاولات إضفاء الطابع الفارسي على المنطقة من خلال تطبيق سياسة "التفريس" في لغة الدواوين الحكومية وأسماء المناطق والأشخاص، يبدي العرب الأحوازيون مقاومة لهذه الأمور، بل وتعدى الأمر ذلك - كما لاحظ المؤلف - إلى ظهور حركات مسلحة تطالب بالانفصال. ومن الناحية الاقتصادية، يقع إقليم الأحواز جنوب غربي إيران، حيث هناك أكثر من 80 في المئة من إنتاج إيران النفطي، كما يطل الإقليم على السواحل الشمالية والشرقية للخليج ومضيق هرمز الذي يعد أهم الممرات التي تنقل السلعة الاستراتيجية العالمية، ما يزيد من تمسك إيران به.

اضطهاد وحرمان
 وهذا يفسر، بحسب عبود، ما تمارسه السلطات الإيرانية منذ احتلالها "عربستان" التي تبلغ مساحتها 370 ألف كيلومتر مربع، عام 1925 وتسميته "خوزستان"، من اضطهاد وحرمان وقمع، و"تفريس" وتهجير، بغرض صهر الأحوازيين في المجتمع الفارسي. وقد عُرف منذ القدم أن هذا الإقليم هو جزء لا يتجزأ من العالم العربي، ولم ترد تبعيته لفارس عند أي رحالة جاب منطقة الخليح وكتب عنها، فهي عندهم عربية الطبيعة تماماً، إذ تكوّن مع القسم الأسفل من بلاد ما بين النهرين وحدة جغرافية اقتصادية، شاركت قديماً في الازدهار السومري والكلداني، وكانت في ذلك العهد عيلامية الحضارة، ثم خضعت للعرب الذين امتد نفوذهم إلى الهضبة الفارسية نفسها. ويؤكد التاريح أن العرب حكموا فارس، قبل أن يطلق عليها حديثاً اسم إيران، لقرون عدة. ثم إن الفرس أنفسهم أطلقوا عليها "عربستان" إيماناً منهم بعروبتها، رغم أنهم انتقدوا الشاه إسماعيل الصفوي؛ لأنه اعترف بالحكم العربي في الأحواز، رغم عدم اعترافها بالولاء له واستقلالها عنه.

صحيح أن الظلم والاضطهاد في إيران في ظل نظام ولاية الفقيه شملا الجميع، إلا أنهما يختلفان في مستواهما ونوعهما من فئة إلى أخرى، وفق ما خلصت إليه دراسة سامح عبود الذي يضرب مثلاً على ذلك بأن الظلم الذي يعانيه الفرس والشيعة عموماً لا يمكن قياسه بالظلم الذي يعانيه أهل السنة وغير الفرس. فالفرس مثلاً لا يعانون التمييز القومي، كونهم يتمتعون بحقوقهم الثقافية والاجتماعية، بل أكثر من ذلك، فإن لغتهم هي السائدة وتفرض بالقهر على اخرين الذين يجبرون على تعلمها والتحدث بها، فهي اللسان الرسمي للدولة المتعددة اللغات والأعراق. وأما الشيعة فليس لديهم مشكلة من ناحية الحقوق المذهبية باعتبار أنهم يدينون بالمذهب الرسمي للدولة. غير أن هذا لم يشفع لهم في نيل حقوقهم القومية جيث بقي الآذاريون والعرب الشيعة يعانون فقدان الحقوق القومية والتي من أبسطها حق التعلم والتحدث بلغاتهم وممارسة عاداتهم وتقاليدهم وإبراز تراثهم القومي. أما أهل السنة وأغلبهم من الأكراد والبلوش والعرب والتركمان، فإنهم يعانون اضطهاداً قومياً ومذهبياً مزدوجاً. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 3/4/2026 1:43:00 PM
رغم ان العنوان الذي تنشره احدى الصفحات في الفايسبوك مغر، فإنه من الضروري التحذير منه. 
النهار تتحقق 3/5/2026 8:13:00 AM
يطل رئيس الجمهورية اللبنانية ببدلة عسكرية قائلاً: "أعطيت الأوامر للجيش بتطبيق خطة نزع سلاح حزب الله شمال الليطاني فوراً، ولو بالقوة، حتى لو أدى هذا الأمر إلى مواجهة بين الجيش وحزب الله". 
لبنان 3/4/2026 4:10:00 AM
 وزارة الصحة اللبنانية: 6 شهداء و8 جرحى إثر الاعتداء الإسرائيلي على عرمون والسعديات في جبل لبنان