منذر بدر حلوم
في كتابه "التائه بين السيرة والرواية"- التعبير لصاحب أوشام- يفرش نبيل سليمان لوحة من عناصر حية لا تزال في وجدانه ويريدها أن تبقى حيّة في ذاكرة الثقافة. وكل ثقافة بلا ذاكرة ميتة. وكأنه يقول "بدلّوا فيها ما شئتم فلن تبدلوني، فأنا فيها جميعًا. في كلّ جزء مني كلّي".
تشي أوشام لقارئها برجلٍ عاهد نفسه على الوفاء للكتابة، وما بدل تبديلا. هذه الأمكنة جسدي وهذه الكتب عقلي، وهؤلاء الناس ناسي، وهاتيك النساء نسائي، والحبر دمي، فإن أردتم كشف خباياي فحللوا الحبر ودعوا دمي في عروقي، عروقي دروبٌ تنطلق من سوريتي وإليها تعود. وبعد التحليل، قولوا ما الذي تخفيه كلماتي، ومم يعاني صاحبها الذي هو أنا.
أنا خائف، فإذن أنا إنسان
الخوف! أليس وراء كل شجاعة خوفٌ مقيم، ووراء كلّ بوحٍ كتمانٌ مزمن؟! هذا ما يُخيل إليّ. وخوف الواشم الموشوم ليس من الطغيان، بأشكاله السياسية والدينية والاجتماعية، فحسب، بل ومن النسيان. في "أوشام" صرخات متقطعة، بعضها مكبوت، وبعضها حيّي: "لا تنسوني. انظروا ما فعلتُ وأفعل، واعرفوا عني ما لا تعرفون، وعن مفرداتي وما بينها من طين فاتكم أن تلمسوه، فإن سهيتم تذكّروها. تذكّروني. أنا مفردٌ في مخاوفي وضعفي، وجمعٌ في أصدقائي ومعارفي. أتدثّر بصفحات كتبي، بعد أن أتعب من مسامرتكم، وأغتسل من غمزاتكم ولمزاتكم قبل النوم، وأبتسم لكم، وفي مساء اليوم التالي أنتظركم. اكرهوني إن شئتم، ولكن لا تنسوني، فما بعد الكره إلا حب، وما بعد النسيان إلا ذاكرة مرّة". فهل تدعونا "أوشام" إلى أن لا ننسى كاتبها وحده، أم أكثر من ذلك، وأشمل؟
"أوشام"، لوحة تركيبية تعرض تاريخًا شخصيًا، يتعشق فيه الزمان والمكان والبشر مع العشق- عشق الحياة، على أرضية تبدو صلبة، أم هي توهمنا بصلابتها؟ لكن الطين حين يُشوى يتحول إلى خزف رنان، ويمكن لمن يريد أن يصنع منه جرسًا: للتنبيه، أم لدعوة الأصدقاء؟ انتهت ساعة الجد وبدأت ساعة اللهو. انتهى الجمّار من إشعال النار وأزفت ساعة الشواء والغناء. وهل اللهو إلا زبدة الجد!
في السيرة، تتدفق حياة صاحب "أوشام"، غير عابئة بالزمن البيولوجي. أم أن زمن الإنسان أوسع من البيولوجيا؟ أتوقف ممسكًا بقلبي، حين أقرأ سيرة عاشق للحياة، خوفًا من أن يباغتني الحبر بنهايته. أم هو كذبٌ ما يقال عن حب الحياة القاتل، كما عن الحب القاتل عمومًا! على المرء أن يعرف كيف يمسك بالحياة قبل أن تنسل من بين أصابعه مثل أفعى.. لا، ليس مثل الماء. وما حاجة الإنسان بالأفعى؟ كيف، وهو على الأرض يتذكر من دونها السماء؟ لكن "أوشام"، ليست سيرة بطولية. هي سيرةٌ بطلُها الحياةُ نفسُها. "بيوض القدر" لم تفقس فيها، أو لنقل بيوض الأفعى فقس بعضها، لكنها من النوع الذي عرف سليمان، وأعني نبيل وليس النبي، كيف يجعلها بمزماره تتلوى وتبتعد عنه.

يخيم ظل الوشّام على المدن والقرى والناس والكتب، وكأنه ظل الترحال في دروب الحياة، وكأنه أيضًا غشاء يرى الرحالة من خلاله العالم. لكن هل هو الظل الذي يختفي باختفاء صاحبه أو بانطفاء الضوء، أم أنه الظل الذي يبعث الحياة في صاحبه بعد أن يغيب، ظل يرينا الأشياء التي لا نعرفها ولم نرها. قد يكون الظل روح الجسد التي يظهرها الضوء. ظل الوشّام في كل معمورة حط فيها الرحال، معمورةٌ لا تقاس بالأمتار ولا بـ "الزمن المتري"- إذا صح التعبير- إنما بـ "أوشام" يتركها في بيوت الأصدقاء ويتركونها في بيوته، حبرًا أو صوتًا أو دمًا، أو خربشات ملوّنة أو شرارات.
برودة الوثيقة ودفء الرواية
أليست كل كتابة وثيقة. وليس السيرة وحدها، شهادة على كاتبها وعلى الزمان. وأمّا الشهود الصامتون فإلى زوال. في "أوشام المكتبة" و"أوشام الغناء"، عبّر نبيل سليمان عن خشيته من ارتكاب "أدنى خطأ في التوثيق"، لكن أين دفء الرواية من صقيع الوثيقة!؟ ليس مهمًّا. عن أي صقيع تتحدث! الكتابة تُنازلُ الموت. الحبر أبقى من الدم.
في "أوشام" يتمسك نبيل سليمان بالحبر، لكن بالحبر البارد، حبر الواقع. الكتابة الواقعية تحب الرؤوس الباردة، وكل كتابة تسعى إلى القلوب يخرج حبرها من قلوب دافئة. وفي حب النساء دافئًا يكون الحبر، حبر الوشّام. سليمان، لا يسعى إلى أسطرة حياته، بل يبدو كأنه يصرّ على وقعنتها أشد الوقعنة: هنا في هذه الأماكن بالذات، ومع هؤلاء البشر وهذه الكتب وتلك الحيطان، ووراء هذه النوافذ عشت وما زال بعضي يعيش. لا أسئلة يطرحها الوشّام خارج الواقع أو على شيء ليس هو واقعًا. أم هو يلعب لعبته مع الواقع، معنا، فيضع بين يدينا عجينة لنصنع منها أسطورة- أسطورته؟ ربما! فمن يعبأ بأساطير الكائن الصغير- الإنسان، إذا لم يعبأ بها كائن صغير مثله. الإنسان بأخيه الإنسان، كما بعدوّه الإنسان، يكون. الكتابة ليست للنمل ولا الديدان. والعشق لنصرة الإنسان.
يعجبنا أن نتأمل تحوّل اليرقة إلى خادرة، وخروج الفراشة إلى الضوء، لكننا نغمض أعيننا عن النصل القاطع المسلط على تحوّل الكائن العجيب- الإنسان الصغير وانسلاخاته، الكائن الذي يلتهم الحياة صغيرًا وتلتهمه الحياة كبيرًا. "بل ما زلت ألتهم أخضَرها!"، يعترض الوشّام. العشق أخضر دائمًا. وما أبأس حياة تأفل بلا عشق.
ليس في "أوشام" عشق عظيم سوى للحياة، وعشق كاتبها لأمه، ولا وجع أعمق من وجع هذا العشق. "دعيني ألبد في حضنك الآن مثلما كنت أفعل كلما التقينا بعد فراق، وما من فراق طال مثله هذه المرة. خمس سنوات عبرت خلالها عشرات المرات بمقامك الجديد: أقرأ الفاتحة من بعيد"، "صرتُ أمَّك وأنت بنتي الأرملة". "يا... أجمل نساء الدنيا، سواء كنت في الرابعة عشرة أم في الرابعة وثمانين". الكاتب الثمانيني ما زال طفلا يبحث عن أمه في كل النساء.
الكتابة فعل بوح
يستل الكاتب قلمه ويشهره في وجه العتم، كما يستل الفارس سيفه ويشهره لإعتام العين التي تتوعده بالموت. يفقأ عين الموت. أليس من يكتب سيرته مقدام، وهو يعي ما بين السيرة والسر من سر؟ توقف. مهلك! يقول لي صنّاع الفن: البوح عملية انتقائية. أن تبوح بشيء، يعني أنك تسكت عن أشياء. لماذا نعلّم أطفالنا كلمة "بَحّْ" أي لا شيء، ولا نعلمهم كلمة "بُحْ". مهما يكن البوح- يتابع صنّاع الفن- فما الصورة التي تقدمها السيرة إلا واحدة من صورٍ كثيرة يختارها صاحبها بعناية. فما بالك بالصورة الذاتية، التي يلتقطها الكاتب لحياته، ليس من مسافة يد أو ذراع، بل من مسافة خمسة عقود أو أكثر؟ لا تنتظروا زبدة الحياة، إلا إذا كنتم تريدون من كل سيرة أن تتشبه بـ "تقرير إلى غريكو". شموا رائحة الحياة في سيرة واقعية مدهونة على رغيف العيش، المخبوز على نار الواقع السوري.

نص نبيل سليمان لا يفلسف الأشياء ولا يفكرنها، بل يكاد يقدمها بصورتها الخام. الأصدقاء والناهلون من سبيل المودة، وعابرو بيوت "أوشام"، كُثر. وربما لأن كثيرًا منهم مشاهير، يأتي ذكرهم أشبه بضيوف شرف في احتفالية الكاتب، هل أقول بنفسه؟ ربما يصح هذا القول، لكن الأصح أن الكاتب يحتفي بحبره. أم الزبدة في أنّ الأسئلة التي تتركها "أوشام" مفتوحة، وأسئلتي منها، وفي غياب وشم اليقين. حين يُقرأ الوشم، كما تُقرأ اللوحة-النص، تطير الأسئلة منه إلى فضاءات أوسع وأشمل لا تنصاع لأي نص. ما يُحسب لكاتب أوشام أنه ليس أسير يقينيات وينبغيات.
"أوشام" نبيل سليمان، تتحدث عن حياةٍ عاشها صاحبُها، بأقصى الممكن، بلا متاهات. فكما لو أنه كان يعرف إلى أين يسير مغمض العينين، يمسك بيمناه جرسًا يكش به العتم وبيسراه زوادةً فيها "دواة وريشة وكتاب". وتبتسم المكتبة له وتهمس: "سيرتي سيرتك، فماذا ستكتب منهما ولم يبق لك إلا القليل؟" ويتساءل، "مرعوبًا: القليل من ماذا؟.. وكان ديك الجيران يصيح، بينما زقزقت عصافير أشجار الصنوبر التي تظلل المكتبة".
انتقاء وكتمان وتلميح
الفن في الانتقاء والكتمان والتلميح يكون. يكفي أن ترسم بضع أشجار للتعبير عن غابة، بل وبضع شخبطات للتعبير عن شجرة، لتقول الغابة ما تقول. من يجرؤ على كشف كل شيء، لا يبقى منه شيء، إلا جرأته الحمقاء. الكتّاب والشعراء والرسامون، والفنانون على اختلاف ألوانهم، ليسوا كذلك. تخيّلوا لو يتحوّل كلُّ مختلفٍ إلى لون. لكنا أمام لوحة وجود رائعة!. وأسأل نفسي: هل تهمس "أوشام" في أذن قارئها، في غفلة من كاتبها: "إليك لون صاحبي، لونه لون الحياة". "هل هو الأزرق أم الأخضر؟"، يسألها. تصمت "أوشام".
إليكم معادلة بسيطة بمجهول واحد، اكتشفتُها حين قرأت "أوشام" للمرة الثانية، محاولا إغماض قلبي عن معرفتي الشخصية بحياة كاتبها، الذي كثيرًا ما عايشته يجوب براري بعل، ينتزع الكلمات من أنياب الأرض، ثم يغسلها بدمع الدوالي محلىً باليانسون: "نبيل+ ؟= حياة". المجهول/المعلوم في هذه المعادلة هو عشق الحياة. وإذا بي أرى الوشّام يمسك بكسرة من زجاجة عرق كَسَرها عاشقٌ، يلمّ بها أشعة الشمس في حزمة ويحولها إلى نارٍ تصهر وتدفئ وتنير، نار للطهي والاحتفال، وللعيد الذي تقزل فيه. النار، دليلٌ ودعاءٌ ودعوة. تعالوا أيها الأصدقاء إلى الدفء إلى الشرارات في دار نبيل المطلة على البحر، ولست أدري لماذا سماها الفيلا، مُهملا الدفء الذي في "الدار"! وأعني دار البودي- نيبالين، غير البعيدة عن البيت الذي أوجعه فيه الحب، والذي "أسرع إليه الهجران بالشيخوخة"، على مرمى حجرِ منجنيق من وجر الوحش الذي هاج وماج وحرق سورية، ثم فرّ إلى بلاد الثلج. وإذا بالثلج يحرق قلوب السوريين بدلًا من أن يثلج صدورهم. رحل الوحش ولكن كل ما جعله وحشًا ما زال قائمًا. إنها ماكينة تصغير الإنسان يزودونها بأسنان جديدة حادة لامعة. وأقرأُ صيحةَ نبيل وأسفه، وأسمعه يقول: "الأَمْنَنَة قادمة فافتح ذراعيك واحن هامتك، كما يليق بمن بلغ الثمانين، وقد بات له ثلاثة وستون كتابًا، ويصل الليل بالنهار من أجل كتاب جديد، لكنه يتصاغر ويتخافت أمام أي تعبير من تعبيرات الأَمْنَنَة". أسمعك يا صديقي. أجل، الخوف يُفقد الإنسان ذاكرته، وجميل أنك تصارع وحش النسيان. وفيما الفارّ يُثلج صدره بثلج موسكو، يتوجع صاحب "أوشام": "عدت مواطناً في الدولة الأمنية الأسدية"،"ما بعد الأسد - وليس ما بعد الأسدية ". "سورية.. غصّتنا. سورية دمعتنا. سورية قلعتنا. سورية قصتنا".
أرجو لصديقي الذي "يصل الليل بالنهار من أجل كتاب جديد" أن ينتصر على الليل ويصل إلى كتابه، وأن يجد في الواقع صدى لصيحاته وليس زقزقات عصافير الدوري فحسب.
نبض