الرسّام الإيراني علي رضا شجاعيان لـ"النهار": حتى في المنفى نُعاقَب باسم النظام
بينما تغلي إيران، يجد علي رضا شجاعيان نفسه أمام مهمّة تتجاوز الفن: أن يكون صوت شعبٍ مكتوم الصوت. الفنان المولود في إيران والمقيم في "منفاه" الباريسي، أمضى مسيرته المهنية في التنقّل عبر جغرافيا الانتماء المعقّدة، يتحدّى بأعماله التحيّزات المجتمعية المتجذرة.
أخذته رحلته من طهران إلى بيروت، وصولاً إلى اللجوء في باريس عام 2019. غير أنّ الجغرافيا التي تستحوذ على تفكيره اليوم هي تلك الغارقة في لحظة تاريخية غير مسبوقة. في أعقاب الضربات الأخيرة على إيران والموت المفاجئ لمرشدها الأعلى، يجد شجاعيان نفسه عند تقاطع هشّ بين الفن والتاريخ وتجربة الشتات.

مشاهدة الوطن وهو يتشظّى من بعيد تُمثّل حزناً سريالياً متعدد الأبعاد. يصف شجاعيان هذا الفصل الحالي من المنفى بأنه عيش لتجربة الحرب ولكن في "بُعد مختلف". إنه وجود تُعرّفه تناقضات حادة تكاد تكون مستعصية على الحلّ: الأمان الجسدي في باريس في مواجهة الضعف الشديد المتمثّل في وجود أحبّاء عالقين في خط النار.
"هناك ازدواجية في المشاعر، وكلاهما مشروع"، يقول شجاعيان لـ"النهار"، "ما يمنحك الفرح هو رؤية نظام قمعي للغاية - خاصة بعد المجازر التي ارتكبها قبل أقلّ من شهرين بحق متظاهرين يطالبون بحقوق بديهية - يتعرّض لضرر بالغ، وهو ما لم نتمكّن من تحقيقه بأيّ طرق ديبلوماسية أو تحرّكات ناعمة". مع ذلك، فإنّ هذا الشعور بردّ الاعتبار يرتبط ارتباطاً وثيقاً برعب يشلّ الحركة. إنه انكسار قلب عميق يتولد من مشاهدة أبناء جلدته يتعرضون للقصف، مقترناً بشكوك مرعبة حول ما يخبئه المستقبل.

في لحظات الزلازل الجيوسياسية، غالباً ما يتّجه العالم نحو الفنانين للحصول على شهادة فورية، متوقعاً منهم ترجمة "ضباب الحرب" في الوقت الفعلي. غير أنّ شجاعيان يقاوم هذا المطلب بإنتاج ردود فعل سريعة. إنّ مسؤولية توثيق معاناة شعبه ليست عبئاً مفاجئاً فرضته عناوين الأخبار الأخيرة؛ بل هي السبب ذاته لتصنيفه من "الشتات". "لطالما حاولتُ أن أكون صوت من لا صوت لهم من خلال عملي"، يُخبرنا، "أُجبر العديد منّا على مغادرة بلادنا لأنّنا أردنا التحدّث عن هذه المعاناة، فكنّا مضطرين للبحث عن مكان للتعبير من خلال فنّنا".
هو صريح بشكل لافت حول الطبيعة المربكة للأزمة الحالية. فالحجم الهائل للضغط والتشتّت يجعل من الصعب على العديد من الفنانين إدارة حتى روتينهم اليومي. "بصراحة، لا يمنحك ذلك فرصة كبيرة لتكون منتجاً. أنا لست من محبي الإنتاج السريع كرد فعل فوري لمجرد التعبير، لأنه سيكون محدوداً بزمنه". عندما ينجلي الغبار في النهاية، سيتدفّق الفن بشكل طبيعي، ولكنّه يتطلّب نعمة الوقت والمعالجة.

بينما تتهاوى أركان الجمهورية الإسلامية، يخيّم سؤال كبير على المشهد الثقافي حول الكيفية التي ستتطور بها "اللغة البصرية" لإيران. "النشوء في مدن تغصّ بهذه الصور النمطية - المستلهمة من الأسلوب السوفياتي - وتلك الجداريات المنتشرة في كل زاوية لرجال قيل إنهم خدموا النظام باسم الله، يترك أثراً لا محالة". ومع ذلك، يشير شجاعيان إلى أنّ "الفنانين المستقلين لطالما نأوا بأنفسهم عن هذه الجماليات، ساعين بدلاً من ذلك إلى إيصال رسالة سلام وانفتاح عالمي".
يتوقع أنّ التحوّل الأعمق المرتقب لن يقتصر على إزالة صور الدولة فحسب، بل "سيتعدّاه إلى موت الرقابة ذاتها". لقد ولّدت القيود القمعية للنظام، عن غير قصد، مجموعة أعمال مجازية عميقة الطبقات في الفن والسينما الإيرانية، كتكتيك بقاء ضروري لتمرير الرسائل من تحت أعين الرقابة. ومما لا شك فيه أنّ التنقّل في مستقبل خالٍ من هذه القيود سيشعل شرارة نهضة ثقافية، مما سيغيّر جذرياً طريقة بناء وسرد القصص الإيرانية.

يلقي هذا المدّ المتحوّل أيضاً بظلالٍ طويلة ومؤلمة على الإيرانيين المتناثرين في جميع أنحاء المنطقة، ولا سيّما في الخليج. يتأمّل شجاعيان في المفارقة القاسية التي تواجه الإيرانيين في أماكن مثل الإمارات العربية المتحدة، "الذين فرّوا بحثاً عن الفرص والاندماج، ليجدوا أنفسهم الآن يتحمّلون عبء الارتباط بدولة معتدية بسبب أفعال الحرس الثوري الإيراني". إنه صراع داخلي يمزق القلب: أن تكون الضحية الأولى لقمع النظام، وفي الوقت نفسه تُعاقب وتُوصم من قبل العالم بسبب أفعال ذلك النظام ذاته. "للأسف، حتى في الشتات، نحن ضحايا النظام الإيراني"، يقول، "ونُعاقب كردّ فعل على سلوك ذلك النظام. من غير العدل على الإطلاق أن تتّسع رقعة هذه النار لتطال دول المنطقة التي لا علاقة لها بالصراع".
تحت تعقيدات المنفى، تتبلور رؤية شجاعيان لوطنه في أمل واحد يتردّد صداه عميقاً: وضع حدٍّ لنصف قرن تقريباً من الرعب. يؤكّد أنّ النظام الحالي "يلهث وراء الحروب واختلاق الأعداء"، ولم يمثّل يوماً إرادة الشعب الإيراني، ولم يجلب لهم سوى حروب غير مرغوب فيها وعقوبات وعزلة. حلمه هو بزوغ فجر إيران ديموقراطية؛ أمّة يمكنها أخيراً إعادة بناء نفسها، وتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط، واحتضان العالم. "أعتقد أنّ هذا هو الأمل الأكثر وضوحاً لدينا جميعاً... نهاية الجمهورية الإسلامية".
نبض