غلاف الكتاب.
صدر عن "دار الأنام للطباعة والنشر" كتاب جديد للمفتّش التربوي المتقاعد شفيق يحيى بعنوان: "سفر في الذاكرة التربويّة"، هو الثالث له في الشأن التربوي، بعد "آراء في الإنقاذ التربوي" 2001، و"خواطر تربويّة" 2003. وإذا كانت التربية شؤوناً وشجوناً هي ما يجمع بين الكتب الثلاثة، فإنّ ما يميّز الثالث عن سابقَيْه هو أنّه ينطلق منهما، ويتجاوزهما، في الوقت نفسه. ذلك أنّه يشتمل على كثير من الآراء والخواطر التربويّة، ممّا اشتمل عليه الكتابان السابقان، لكنّ التعبير عنها يتمّ في إطار من الذكريات والسيرة الذاتية.
في كتابه الجديد، يستعيد شفيق يحيى سيرته التربويّة تلميذاً ومعلّماً ومفتّشاً تربويّاً. ولكلٍّ من هذه المراحل ذكرياتها الخاصّة بها؛ فيحيى التلميذ ينتقل من مدرسة قريبه سليم قاسم يحيى الخاصّة، إلى مدرسة عرمون الرسمية، إلى المدرسة الداودية في عبيه التي كان والده يحلم بضمّه إليها، وهو الذي قال لمديرها يوماً: "جئت أسأل عن أخلاقه قبل علاماته"، إلى الجامعة اللبنانية دارساً للغة الإنكليزية وآدابها.
ويحيى المعلّم تعاقب على التعليم في: مدرسة أغميد الرسمية التي أُلحق بها معلّماً منفرداً، فأحياها بعد موات. المدرسة الداودية في عبيه التي انتُدِب إليها لتدريس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية، وكان ينتقل إليها من بلدته عرمون يوميّاً سيراً على الأقدام. مدرسة عيناب الرسمية التي أعاد افتتاحها بعد إقفال في عام 1964، وعمل فيها معلّماً ومديراً حتى عام 1974، تاريخ التحاقه بالتفتيش التربوي. وهو في هذه المدارس جميعها أبلى البلاء الحسن، وترك أثراً طيّباً في نفوس التلاميذ والأهل والزملاء، واستحقّ شكر المسؤولين التربويّين في بعضها.
ويحيى المفتّش التربوي مارس التفتيش، طوال اثنين وعشرين عاماً، نفّذ خلالها 3077 زيارة تفتيشية للمدارس والثانويّات والمهنيّات ودور المعلمين الرسمية، بين عامي 1979 و2001. وساهم خلال عمله في تغيير النظرة النمطيّة إلى التفتيش التربوي، فعمل على أنسنته، وسلّط الضوء على الإيجابيات من دون أن يغضي عن السلبيات، فاستحقّ احترام المرؤوسين ومحبّتهم، من جهة، واحترام الرؤساء وتقديرهم، من جهة ثانية، حتى إذا ما أُحيل على التقاعد، جرى تكريمه في غير محطّة، وأسهب المكرّمون في ذكر مآثره والمناقب.
الذكريات التي يعود بها شفيق يحيى من سفره في الذاكرة التربوية ليست مجّانية، بل هادفة بامتياز. ذلك أنّ معظمها ينطوي على دروس تربوية، يفيد منها العاملون في الحقل التربوي، على اختلاف مواقعهم. وبذلك، يمارس الفعل التربوي حتى في عمليّة التذكّر، ويختار من الذكريات ما ينفع الناس ويمكث في الأرض دون الزبد الذي يذهب جفاءً، على حدّ تعبير الآية القرآنية الكريمة.
في مرحلة التلمذة، يتذكّر الصفعة التي تلقّاها من مدرّس الرياضة، في الأيام الأولى لالتحاقه بالمدرسة الداودية، ما جعله يكره المدرّس والمادّة معاً. وإذا كان استطاع التحرّر من كره الأوّل، مع الزمن، فإنّ كره الثانية لازمه طوال حياته المدرسية، ولم يكن يمارس حصّة الرياضة إلّا كواجب مفروض عليه. في المقابل، يتذكّر حسن استقبال المدرّس أمين أبو عكر في المدرسة نفسها، وما أحدثه في نفسه من ارتياح، لازمه طوال عمره، وجعله يحبّ المدرّس ويرتاح إليه، ويذكره بالخير كلّما سنحت الفرصة. ولعلّ الدرس المزدوج الذي يمكن استخلاصه من هاتين الذكريين هو خطورة التعنيف المدرسي على المتعلّم الطفل، من جهة، وأهمّيّة التعاطي التربوي مع هذا المتعلّم، من جهة ثانية.
في مرحلة التعليم، يتذكّر يحيى الجرن الحجري الذي نحته أحد أبناء أغميد بنفسه، وأهداه إيّاه بعد انتقاله إلى مدرسة أخرى عربون تقدير له، لأنّه أحيا المدرسة بعد موات، فأصبح "جرن أغميد" رمزاً للوفاء، أوصى أبناءه بالحفاظ عليه. ويتذكّر تفانيه في إدارة مدرسة عيناب الرسمية التي افتتحها بعد إقفال، وجعلها متقدّمة على نظيراتها في قضاء عاليه، إدارياً وتربوياً، ما استحقّ معه كتاب شكر من المفتّشيّة العامّة التربوية، اقترحه المفتّشان هاني خير الدين وإيلي خيّاط، في حينه. ولعلّ الدرس المزدوج من هاتين الذكريين يكمن في تقدير الأهل للعمل الجيّد، من جهة، وشكر المسؤولين للقائمين به، من جهة ثانية.
في مرحلة التفتيش، يتذكّر يحيى ممارسة عمله في أصعب الظروف، متّخذاً من حسن التخلّص وسيلةً لتحقيق الغاية. ذلك أنّه لم يتورّع عن العمل، في عزّ الحرب، موازناً بين متطلّبات القيام بالواجب ومقتضيات السلامة الخاصّة، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ولا يفوته أن يتذكّر، في هذا السياق، مواكبته أسئلة الامتحانات الرسمية، خلال نقلها إلى البقاع في عام 1983 بطوّافة عسكرية للجيش اللبناني، والاحتلال الاسرائيلي للبنان على أشُدّه. ولعلّ الدرس المزدوج المستخلص من هذه الذكرى هو أنّ الظروف الاستثنائية يجب ألّا تحول دون القيام بالواجب، من جهة، وأنّ الموظّف المسؤول يمكنه اجتراح الوسائل المناسبة لمواجهة هذه الظروف، من جهة ثانية.
وانسجاماً مع منهجه التربوي في التفتيش، يعكس الكتاب حرص شفيق يحيى على ذكر الإيجابيات وتسمية القائمين بها، وذكر السلبيات من دون التشهير بمرتكبيها. فالتربية بناء وليست هدماً، والتفتيش توجيه قبل أن يكون عقوبةً. ذلك أنّ رصد المخالفات ضرورة لمعالجتها، وتصيّد الأخطاء مقدّمة لتجنّبها. والمهمّ هو أكل العنب وليس قتل الناطور، من وجهة نظر المؤلّف.
وعليه، يعود القارئ والدارس والمهتم من "سفر في الذاكرة التربوية" بكثير من الدروس، ويغنمون الوفير من العبر، ولن يعود أيٌّ منهم إطلاقاً من الغنيمة بالإياب. بهذا السفر النفيس يتوّج شفيق يحيى مسيرةً من العطاء في حقل التربية، استمرّت طوال أربعين عاماً، ولم تُحَل على التقاعد بتقاعد صاحبها، فالمربّون لا يتقاعدون، على حدّ تعبير المفتّش العام التربوي الأسبق، الراحل الدكتور محمّد كاظم مكّي.
في كتابه الجديد، يستعيد شفيق يحيى سيرته التربويّة تلميذاً ومعلّماً ومفتّشاً تربويّاً. ولكلٍّ من هذه المراحل ذكرياتها الخاصّة بها؛ فيحيى التلميذ ينتقل من مدرسة قريبه سليم قاسم يحيى الخاصّة، إلى مدرسة عرمون الرسمية، إلى المدرسة الداودية في عبيه التي كان والده يحلم بضمّه إليها، وهو الذي قال لمديرها يوماً: "جئت أسأل عن أخلاقه قبل علاماته"، إلى الجامعة اللبنانية دارساً للغة الإنكليزية وآدابها.
ويحيى المعلّم تعاقب على التعليم في: مدرسة أغميد الرسمية التي أُلحق بها معلّماً منفرداً، فأحياها بعد موات. المدرسة الداودية في عبيه التي انتُدِب إليها لتدريس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية، وكان ينتقل إليها من بلدته عرمون يوميّاً سيراً على الأقدام. مدرسة عيناب الرسمية التي أعاد افتتاحها بعد إقفال في عام 1964، وعمل فيها معلّماً ومديراً حتى عام 1974، تاريخ التحاقه بالتفتيش التربوي. وهو في هذه المدارس جميعها أبلى البلاء الحسن، وترك أثراً طيّباً في نفوس التلاميذ والأهل والزملاء، واستحقّ شكر المسؤولين التربويّين في بعضها.
ويحيى المفتّش التربوي مارس التفتيش، طوال اثنين وعشرين عاماً، نفّذ خلالها 3077 زيارة تفتيشية للمدارس والثانويّات والمهنيّات ودور المعلمين الرسمية، بين عامي 1979 و2001. وساهم خلال عمله في تغيير النظرة النمطيّة إلى التفتيش التربوي، فعمل على أنسنته، وسلّط الضوء على الإيجابيات من دون أن يغضي عن السلبيات، فاستحقّ احترام المرؤوسين ومحبّتهم، من جهة، واحترام الرؤساء وتقديرهم، من جهة ثانية، حتى إذا ما أُحيل على التقاعد، جرى تكريمه في غير محطّة، وأسهب المكرّمون في ذكر مآثره والمناقب.
الذكريات التي يعود بها شفيق يحيى من سفره في الذاكرة التربوية ليست مجّانية، بل هادفة بامتياز. ذلك أنّ معظمها ينطوي على دروس تربوية، يفيد منها العاملون في الحقل التربوي، على اختلاف مواقعهم. وبذلك، يمارس الفعل التربوي حتى في عمليّة التذكّر، ويختار من الذكريات ما ينفع الناس ويمكث في الأرض دون الزبد الذي يذهب جفاءً، على حدّ تعبير الآية القرآنية الكريمة.
في مرحلة التلمذة، يتذكّر الصفعة التي تلقّاها من مدرّس الرياضة، في الأيام الأولى لالتحاقه بالمدرسة الداودية، ما جعله يكره المدرّس والمادّة معاً. وإذا كان استطاع التحرّر من كره الأوّل، مع الزمن، فإنّ كره الثانية لازمه طوال حياته المدرسية، ولم يكن يمارس حصّة الرياضة إلّا كواجب مفروض عليه. في المقابل، يتذكّر حسن استقبال المدرّس أمين أبو عكر في المدرسة نفسها، وما أحدثه في نفسه من ارتياح، لازمه طوال عمره، وجعله يحبّ المدرّس ويرتاح إليه، ويذكره بالخير كلّما سنحت الفرصة. ولعلّ الدرس المزدوج الذي يمكن استخلاصه من هاتين الذكريين هو خطورة التعنيف المدرسي على المتعلّم الطفل، من جهة، وأهمّيّة التعاطي التربوي مع هذا المتعلّم، من جهة ثانية.
في مرحلة التعليم، يتذكّر يحيى الجرن الحجري الذي نحته أحد أبناء أغميد بنفسه، وأهداه إيّاه بعد انتقاله إلى مدرسة أخرى عربون تقدير له، لأنّه أحيا المدرسة بعد موات، فأصبح "جرن أغميد" رمزاً للوفاء، أوصى أبناءه بالحفاظ عليه. ويتذكّر تفانيه في إدارة مدرسة عيناب الرسمية التي افتتحها بعد إقفال، وجعلها متقدّمة على نظيراتها في قضاء عاليه، إدارياً وتربوياً، ما استحقّ معه كتاب شكر من المفتّشيّة العامّة التربوية، اقترحه المفتّشان هاني خير الدين وإيلي خيّاط، في حينه. ولعلّ الدرس المزدوج من هاتين الذكريين يكمن في تقدير الأهل للعمل الجيّد، من جهة، وشكر المسؤولين للقائمين به، من جهة ثانية.
في مرحلة التفتيش، يتذكّر يحيى ممارسة عمله في أصعب الظروف، متّخذاً من حسن التخلّص وسيلةً لتحقيق الغاية. ذلك أنّه لم يتورّع عن العمل، في عزّ الحرب، موازناً بين متطلّبات القيام بالواجب ومقتضيات السلامة الخاصّة، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ولا يفوته أن يتذكّر، في هذا السياق، مواكبته أسئلة الامتحانات الرسمية، خلال نقلها إلى البقاع في عام 1983 بطوّافة عسكرية للجيش اللبناني، والاحتلال الاسرائيلي للبنان على أشُدّه. ولعلّ الدرس المزدوج المستخلص من هذه الذكرى هو أنّ الظروف الاستثنائية يجب ألّا تحول دون القيام بالواجب، من جهة، وأنّ الموظّف المسؤول يمكنه اجتراح الوسائل المناسبة لمواجهة هذه الظروف، من جهة ثانية.
وانسجاماً مع منهجه التربوي في التفتيش، يعكس الكتاب حرص شفيق يحيى على ذكر الإيجابيات وتسمية القائمين بها، وذكر السلبيات من دون التشهير بمرتكبيها. فالتربية بناء وليست هدماً، والتفتيش توجيه قبل أن يكون عقوبةً. ذلك أنّ رصد المخالفات ضرورة لمعالجتها، وتصيّد الأخطاء مقدّمة لتجنّبها. والمهمّ هو أكل العنب وليس قتل الناطور، من وجهة نظر المؤلّف.
وعليه، يعود القارئ والدارس والمهتم من "سفر في الذاكرة التربوية" بكثير من الدروس، ويغنمون الوفير من العبر، ولن يعود أيٌّ منهم إطلاقاً من الغنيمة بالإياب. بهذا السفر النفيس يتوّج شفيق يحيى مسيرةً من العطاء في حقل التربية، استمرّت طوال أربعين عاماً، ولم تُحَل على التقاعد بتقاعد صاحبها، فالمربّون لا يتقاعدون، على حدّ تعبير المفتّش العام التربوي الأسبق، الراحل الدكتور محمّد كاظم مكّي.
الأكثر قراءة
النهار تتحقق
3/4/2026 8:03:00 AM
الخبر ينتشر عبر تطبيق واتساب.
النهار تتحقق
3/4/2026 1:43:00 PM
رغم ان العنوان الذي تنشره احدى الصفحات في الفايسبوك مغر، فإنه من الضروري التحذير منه.
ايران
3/3/2026 11:01:00 PM
أنباء عن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران عبر اجتماع عُقد "أونلاين" بانتظار تأكيد رسمي
لبنان
3/4/2026 4:10:00 AM
وزارة الصحة اللبنانية: 6 شهداء و8 جرحى إثر الاعتداء الإسرائيلي على عرمون والسعديات في جبل لبنان
نبض