ثقافة
28-02-2026 | 14:29
حوار تحت شمس شباط و"درع يهودا"
لا أريد التخلّي عن هذا القدر الضئيل من الأنسنة في قلب هذا "الوحش" الذي أنا ونحن البشر مطلقًا.
مقذوف ينفجر فوق المياه قبالة حيفا. (أ ف ب)
صباح اليوم السبت، 28 شباط 2026.
قال لي الصديق الصحافي "إفتَحْ". قلتُ أفتحُ ماذا؟ قال التلفزيون. قلتُ لا أفتح التلفزيون فأنا فاتحٌ رأسي. قال بلى تفتح. قلتُ لماذا؟ قال إنّها الحرب، وبات لها إسم، وتُدعى "درع يهودا". قلتُ دع الموتى يدفنون موتاهم، أمّا أنا فأريد أنْ أحيا، لا أنْ أموت في هذه الحرب أو في غيرها، وإنْ بالسماع والنظر. قال لا مفرّ، فالطائرات والمسيّرات في سمائكَ، وأنتَ تشارك فعلًا، شئتَ أم أبيتَ. قلتُ إنّي حذفتُ الشاشات التي تنقل الأخبار وأكتفي بمشاهدة السينما والفوتبول وسماع الموسيقى الكلاسيكيّة والجاز. أمّا السكنى ففي رأسي، وهو غرفتي، فلا مكان لي سواه، وهيهات أنْ أخرج منه، وإذا خرجتُ فإلى الطبيعة أو إلى لا مكان، لأنّي كلّما خرجتُ سقطتْ نجمةٌ من قلبي وانطفأ ضوء. قال كيف تستطيع أنْ تحيّد نفسكَ عمّا يجري؟ هل أنتَ منفصمٌ، وبلا دماغ؟ قلتُ أستطيع ونصف، وإنّما لستُ منفصمًا بل بدماغٍ كامل، ولا يهمّني أنْ أتباله وأتسعدن وأهلوس وأدمن وأكون ببّغاء أو آلة أو عضوًا أو حشرة أو حجر داما في هذه الجوقة القطيعيّة التي تُدعى "المعرصة الكونيّة". قال أحسدكَ وهنيئًا لكَ. قلتُ لا تحسدْني، بل هنيئًا لكَ أنتَ، فأنا لن يهنأ لي بال قبل أنْ يعود الكون جميلًا. قال أنتَ حالمٌ ومخرِّف، فهو، أي الكون، ما كان يومًا جميلًا، ولن يكون. قلتُ حالمٌ ومخرِّفٌ نعم، وأيضًا أنا مجنون، فلولا هذا الجنون ما كنتُ لأستطيع أنْ أتحمّل فضيحة الشرط البشريّ، وما كنتُ لأنام وأستيقظ وأحلم وأحبّ وأكتب، وأقنع الأرض بلزوم مواصلة الدوران حول الشمس. قال رويدكَ، فربّما لن يبقى حجرٌ على حجرٍ في المنطقة، ولا تبقى دول، ولا أنظمة، ولا رؤوس، وقد لا يبقى رأسكَ وغرفتكَ موجودَين، فأيّ حيطٍ أنتَ، وبأيّ "جبروتٍ" نفسيّ وعقليّ تتفادى ملاحقة الشاشات ووسائل التواصل للاطلاع على المستجدّات المتسارعة؟ قلتُ إنّما فقط أشرب قهوتي، وأحترم وقت القهوة، والمزاج، وأعيد الكرّة، وأمتنع عن الموت، وأرفض الانصياع والانخراط، وبسبب هذين الأسلوب والطريقة أراني مقيمًا تحت سماءٍ مضفورةٍ بنجومٍ كثيرة، وغيوم، وملائكة، وحدائق، وبساتين، ونساء، وشموس، وأشعار، وموسيقات، وما لا يُحصى من الرغبة في الحبّ والكتابة. قال ألهذا سألتَني عن مقتطفٍ شعريّ للشاعرة الإيرانيّة فروغ فرخزاد "كلّ الطرق التي سلكتُها نحو الآخرين أعادتني إليَّ/ كأنّ القدر كان يخبرني/ أن لا وطن لي/ إلّا داخلي"، للتأكّد من أنّها كتبتْ ذلك، على وجه الدقّة؟ قلتُ إنّ شخصًا يشبه الضوء كان أرسل إليّ هذا المقطع فأردتُ معرفة المصدر الذي استُقيَ منه، ثمّ رأيتُ أنّه يكفيني أنْ يحمل النهار مخاطبةً من هذا النوع والمستوى والسويّة، لكي أظلّ أرفض أخبار الحروب والشاشات، وأظلّ "أقاوم" هذا الذي تدعوني إلى الانغماس فيه، وخصوصًا بعد اندلاع هذه الحرب الجديدة. قال أنتَ شاعر، أمّا أنا فلستُ. قلتُ إنّما أفعل ما أفعله بصفتي بني آدم - إنسانًا، ولأنّي لا أريد التخلّي عن هذا القدر الضئيل من الأنسنة في قلب هذا "الوحش" الذي أنا ونحن البشر مطلقًا. قال إليكَ هذا الخبر العاجل ها هم يقصفون تل أبيب والقواعد الأميركيّة في أبو ظبي والبحرين والكويت والرياض وقطر وبغداد، ثمّ أردف أنّ المطر انحبس قليلًا، وأشرقتْ شمسٌ خجولة، وخرج الناس هنا ليتشمّسوا. قلتُ أرأيتَ يا صديقي كم أنّ الدنيا بألف خير، وكم أنّ الوقت الذي نهدره بلا معنى، يمكن أنْ يكون ممتلئًا بجمالٍ لا يتكرّر، وبالسعادة، في حين نهرقه بملاحقة برامج الـ"توك شو" والقصف والقصف المضادّ و... الإسناد وصرعات المشاهير والأخبار العاجلة والترشّح وتأليف اللوائح وعقد التحالفات وهل يجرى الانتخاب وهل يتأجّل الانتخاب فيمدّد للمجلس الكريم فيعود يتربّع سيّد نفسه ورئيسه؟!
ثمّ ختمت لا بدّ من ركوة جديدة وشمس جديدة. نهارك سعيد.
الأكثر قراءة
آراء
2/26/2026 7:26:00 PM
التشكيك في نيات الإمارات حيال أمن المنطقة والسعودية تحديداً واستقرارها، عبث ويتجاهل حقائق ووقائع دامغة في التاريخ القريب.
اقتصاد وأعمال
2/28/2026 3:05:00 AM
ثاني عملية استدعاء للعلامة التجارية خلال أقل من شهر...
ايران
2/28/2026 8:35:00 AM
فرض حالة طوارئ فورية في جميع أنحاء إسرائيل
سياسة
2/27/2026 8:46:00 PM
الخزانة الأميركية تحذف اسم داني خوري من لائحة العقوبات بعد إدراجه عام 2021 بشبهة الفساد.
نبض