شِعريّةُ الوَطَنِ وتحوّلاتُ القَصيدةِ: قراءةٌ في "رؤى التحولات"

ثقافة 28-02-2026 | 07:42

شِعريّةُ الوَطَنِ وتحوّلاتُ القَصيدةِ: قراءةٌ في "رؤى التحولات"

شِعريّةُ الوَطَنِ وتحوّلاتُ القَصيدةِ: قراءةٌ في "رؤى التحولات"
الغلاف.
Smaller Bigger

فاروق غانم خداج

كاتبٌ لُبنانِيٌّ وباحثٌ في الأدبِ والفِكرِ الإنسانيِّ

 

في زمنٍ تتجدّدُ فيه الأسئلةُ الكبرى حولَ الهويّةِ والانتماءِ، يعودُ مفهومُ الوَطَنِ إلى الواجهةِ بوصفِهِ سؤالًا ثقافيًّا وجماليًّا، لا مجرّدَ شعارٍ سياسيٍّ. من هذا الأفقِ تقاربُ الدُّكتورةُ دورين نبيل نصر في كتابِها «رؤى التحوّلات: قراءةٌ في شعريّةِ الوَطَنِ لدى الشاعرِ القرويِّ وخليلِ حاوي ومحمّدِ الماغوطِ»، الصادرِ عامَ 2023 عن دار الجيل، تحوّلَ دلالةِ الوَطَنِ في الشِّعرِ العربيِّ الحديثِ عبرَ ثلاثةِ شعراءَ شكّلوا محطّاتٍ مفصليّةً في مسارِ القَصيدةِ العربيّةِ.

 

الكتابُ، كما وردَ في تقاريرِ حفلِ توقيعِهِ الذي أُقيمَ في حرمِ جامعة القديس يوسف في بيروت – فرعِ الشَّمالِ في خريفِ 2023، يتناولُ شعريّةَ الوَطَنِ لدى رشيدِ سليمِ الخوري (الشاعرِ القرويِّ)، وخليلِ حاوي، ومحمّدِ الماغوطِ. ويقومُ التصوّرُ العامُّ للدِّراسةِ على تتبّعِ العلاقةِ بين تحوّلِ الشَّكلِ الشِّعريِّ وتحوّلِ الرُّؤيةِ إلى الوَطَنِ، من القَصيدةِ العموديّةِ إلى التَّفعيلةِ ثمَّ إلى قَصيدةِ النَّثرِ.

 

في مقاربتِها للشاعرِ القرويِّ، أحدِ أبرزِ وجوهِ العصبة الأندلسية، تنطلقُ نصرُ من معطياتٍ سيريّةٍ معروفةٍ: هجرَتُهُ إلى البرازيلِ، وحضورُهُ القوميُّ، وتمسُّكُهُ بالقَصيدةِ العموديّةِ. تقرأُ هذا التمسُّكَ بوصفِهِ خيارًا جماليًّا وثقافيًّا معًا، حيثُ يصبحُ الشَّكلُ الكلاسيكيُّ أداةً لحفظِ الذاكرةِ في مواجهةِ المنفى. الوَطَنُ هنا يتجلّى كحُنينٍ إلى الأرضِ الأولى، والقَصيدةُ تتحوّلُ إلى وعاءٍ للهُويّةِ، لا إلى مساحةِ قطيعةٍ معها.

 

مع خليلِ حاوي تنتقلُ الدِّراسةُ إلى مستوىً أكثرَ توتّرًا وتعقيدًا. لا يُطرَحُ الوَطَنُ في شعرِهِ كمكانٍ مفقودٍ فحسب، بل كمعنىً مأزومٍ يتداخلُ فيه السياسيُّ بالرمزيِّ والأسطوريِّ. تتحوّلُ الغربةُ من تجربةٍ خارجيّةٍ إلى حالةٍ داخليّةٍ، بحيثُ تغدو الذاتُ في صراعٍ مع واقعِها ومع تصوّرِها للخلاصِ. وتبدو قَصيدةُ التَّفعيلةِ إطارًا ملائمًا لهذا القلقِ، إذ تسمحُ بهامشٍ إيقاعيٍّ يوازي اضطرابَ التجربةِ.

 

أمّا مع محمد الماغوط، فتبلغُ الدِّراسةُ لحظةَ التَّحوّلِ الأكثرِ حدّةً. في هذه التجربةِ، لا يعودُ الوَطَنُ موضوعًا للحُنينِ أو الرَّثاءِ، بل مادّةً للسُّخريةِ والكشفِ المباشرِ. ترى نصرُ أنّ كسرَ البِنْيَةِ التَّقليديّةِ للقَصيدةِ يوازي كسرَ الخطاباتِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ السائدةِ. اللُّغةُ اليوميّةُ الحادّةُ في نصوصِهِ تعبّرُ عن موقفٍ نقديٍّ من العالمِ، لا عن تمرّدٍ شكليٍّ فحسب.

 

ويتّصلُ هذا المنحى بمسارِ المؤلِّفةِ البحثيِّ السابقِ، ولا سيّما كتابِها «قصيدة النثر: محمد الماغوط أنموذجًا»، الصادرِ عامَ 2022 عن دار الجيل، حيثُ عالجتْ بِنْيَةَ قَصيدةِ النَّثرِ ومرجعيّاتِها في السِّياقِ العربيِّ.

 

من الناحيةِ المنهجيّةِ، يعتمدُ الكتابُ مقاربةً تحليليّةً تربطُ النَّصَّ بسياقِهِ الثَّقافيِّ والتَّاريخيِّ، من دونِ أن تحصرَهُ في ظرفِهِ المباشرِ. فالوَطَنُ يُقرأُ كبِنْيَةٍ رمزيّةٍ تتشكّلُ داخلَ اللُّغةِ الشِّعريّةِ نفسِها. ويظهرُ في المعالجةِ توازنٌ بين التَّحليلِ الفنّيِّ والتَّأويلِ الدَّلاليِّ، بما يحفظُ للشِّعرِ خصوصيّتَهُ بوصفِهِ فضاءً للأسئلةِ المفتوحةِ.

 

تأتي هذه القراءةُ في لحظةٍ يتجدّدُ فيها السُّؤالُ عن معنى الوَطَنِ في الثَّقافةِ العربيّةِ، وفي السِّياقِ اللُّبنانيِّ خصوصًا، حيثُ تتكثّفُ الحاجةُ إلى قراءةٍ تعيدُ وصلَ الشِّعرِ بتحوّلاتِ المجتمعِ والتَّاريخِ. إنَّ الكتابَ يقدّمُ إطارًا لفهمِ كيف تغيّرَ معنى الوَطَنِ حين تغيّرَ شكلُ القَصيدةِ، وكيف أصبحَ التَّحوّلُ الجماليُّ جزءًا من تحوّلٍ أعمقَ في الوَعيِ الأدبيِّ.

 

وإذا كان لي من كلمةٍ أخيرةٍ، فهي أنَّ هذه الدِّراسةَ تستحقُّ القراءةَ بوصفِها نموذجًا للبحثِ الجادِّ الذي يضعُ الشِّعرَ في قلبِ الأسئلةِ الكبرى، ويُذكِّرُنا بأنَّ الوَطَنَ، قبلَ أن يكونَ حدودًا وجغرافيا، هو رؤيةٌ تتشكّلُ في اللُّغةِ، وقَصيدةٌ لا تنتهي.


الأكثر قراءة

آراء 2/26/2026 7:26:00 PM
التشكيك في نيات الإمارات حيال أمن المنطقة والسعودية تحديداً واستقرارها، عبث ويتجاهل حقائق ووقائع دامغة في التاريخ القريب.
النهار تتحقق 2/27/2026 2:06:00 PM
مقطعان قيد التداول. ويمكن فيهما مشاهدة مقاتلات شبحية وهي تنطلق من نفق حفر في جبل.  
سياسة 2/27/2026 8:46:00 PM
الخزانة الأميركية تحذف اسم داني خوري من لائحة العقوبات بعد إدراجه عام 2021 بشبهة الفساد.