الغلاف.
يُبرز ديوان "غجريّة على شفة قصيدة" لسناء سليمان شجاع، مشاهد مضيئة على صفحات القائم والأمس القريب. فقد احتوى هذا العمل مشاعر بلغة ساحرة تجاوزت حدود الحاضر إلى الماضي، وشهدت على تداخل الحبّ العذريّ والوجد المقدّس، بروح الريف الذي وهبته الطبيعة للعشّاق مع قصصها التي لا تبارح الفكر.
يتسلّق فكر قارئ الديوان مع كلّ قصيدة، وكأنّه يصعد درجاً، عُلّق على متّكأِ كلّ درجة مزهرية وردٍ، تٌخبرك قصّة، وقصصُ العشّاق موجعة. فتشاهد في ردهة الديوان طيف أنثى، تغتدي بفستان خيوطه وحيَ أفكار، فتحتار بها وبك، هل أنت أمام شاعرة أم قاصّة؟
كل قصيدة أقصوصة، وكلّ قصّة قصيدة. فكم يٌشبه الأمس اليوم والغدّ، بكلّ قصائد الديوان التي تضمّ من الأخبار المشوّقة، والمفرحة والحزينة، الكثير الكثير. وعيون الكلام تسطع في صفحات الديوان، ويموج الغزل العذب من وحي تمرّد الحبر العاصف على اليراعة، ويندلع الحبّ ثورة في القلوب التي انتقلت إلى جوار الأحبّة: "الشّبان في وطني تزوَّجوا/ لا أخفي عنك منازلهُم ساكنة/ لكنَّهم أنجبُوا/ جارتنا البدينة/ اِنتقلَ مسكنها إلى المدينة/ قالت: هناك البحر/ يخفِّف من شهيِّتها/ الرّصيفُ المطّاطيُّ/ قد يَذوي جسدها/ أُغرمت بطبّاخ/ يعمل في الليل في الصّباح/ طبقُهُ ينال تنويهاً فوريّاً" (صفحة 133)
هل جميع الأمهات مترعات بلهفة الروح على أبنائهنّ؟ فهنّ أسيرات الحنان الذي يزنّر تقاسيم وجوههنّ، وحبساء اللهفة على مستقبل بناتهنّ. فهيام الابنة بشاعر نار تأكل ورع الأم، وخرج الرجاء من سؤال هزّ أركان الوالدة. علّ العاشقة تلتقي بعاشقٍ رسّامٍ مرّة أخرى، كطيف يمّرَ أمام عينيها بألوان لوحاته الآسرة، تراه ولا تستطيع أن تضمّه: "الله أمّاه/ كم تجرحين الورق غَمدا/ الرّسم جنينٌ شاءته الحياة صبغا/ الّرسم رجلٌ بلغ المشاعرَ نبلا/ الرّسم نبتةٌ، تماماً، كغرسة الرَّجوة/ هو مطرٌ مازج التّراب فأنجب عشبا/ فلِمَ فعلَه تنكرين، وتصدّين عصفا؟" (صفحة 21)
رأت الشاعرة الحبيب في المطر المحمّل بالخير للبشر، وفي ألمعيّة القمر، وفي صحبة نجمة السهر، وفي رحاب الفضاء، وشمس الصباح والمساء، وتألّق طيور السفر، وفي رائحة القهوة وعطر الرياحين والزهر، وفراشات الحقول... وتضمّنت كلّ قصيدة بدائع صاغتها شجاع بصدق ما شعرت، وقصصاً بها أغنت أديبتها العشق والعمر والغزل: "يحبّها سراً/ يُهدهدُ أَسِرَّةَ النّوم/ يقول: ذي رأفةٌ من غير مِنَّة/ يطمئِنُّ على نافذة الضّوء:/ حمداً ذا القمر، بالكادِ ينسلُّ ومضاً/ درفة القهوة أّغلقتِ الأبواب/ اِنقطع عنها البثُّ/ ستُباكرُ الفجر كي تملأَ دلوًا/ لن أخبرَ بذا أحداً، لن/ وإن رأوني على سهرٍ والله، وقسمًا/ أرتِّل برّاً" (صفحة 159)
داخل الديوان أحلام صغيرة وكبيرة وقصص تتوالى على الصفحات، وكلّ صفحة باب أوصد على قصّة غافية، أبطالها حبّ وغفوٌ في الأعماق، وعشّاق يصحون من دون استئذان بين ترحال، وهلوسات، وصخب ريح، وهيام، وضياء ضحكات يتراءى مع قصص الشتاء العاصف: "معلّقّاً كان الرّداء على عنق حَبل/ علناً كان يٌراقص ريحاً/ ما شاءَت الريح بزفيرها أن تعبرَ على عجل/ اِنغمس بأنفاسها/ أسلم كلّ نسيجه إلى متاهة العصف/ حَبِراً، مقهقهاً/ متفنّنا في اِلتواءات زِيّه/ شقياً... كان الهواء في دغدغةٍ جلده/ إذ اَنقلب الظّاهرُ على القلب/ والقلبُ باتَ كغصنِ ماجن عَبِثٍ." (صفحة 87)
لم تكتب الشّاعرة الحبّ بأحرفٍ من صمتٍ، ولم تكن حكايا الأمّهات في ديوانها ملامح هاربة من الحنان. فأحاسيس العشّاق الموصوفة تأسر عقل وقلب وتفاصيل القارئ. ففي كلّ قصيدة، أو أقصوصة شعريّة، تهيج أمواج الشوق، وتغتال الذكريات الأفكار، وتموج الريح بين الأنفاس، وتضجّ أسماء أبطال الديوان في عمق معاني الصفحات كأنهم في الحبّ "زليخة".
مَن غير العاشق يسمع هيصة عاشقة ثائرة في هذا الديوان؟ فمن شهوة شفاه غجريّة، ولغة همس، وجميل هوى، وبديع حرف، رسمت سناء شجاع لوحات تحكي حكايا أبطال ديوان "غجريّة على شفاه قصيدة".
الأكثر قراءة
آراء
2/26/2026 7:26:00 PM
التشكيك في نيات الإمارات حيال أمن المنطقة والسعودية تحديداً واستقرارها، عبث ويتجاهل حقائق ووقائع دامغة في التاريخ القريب.
النهار تتحقق
2/27/2026 2:06:00 PM
مقطعان قيد التداول. ويمكن فيهما مشاهدة مقاتلات شبحية وهي تنطلق من نفق حفر في جبل.
لبنان
2/27/2026 7:17:00 AM
كيف سيكون طقس نهاية الأسبوع في لبنان؟
سياسة
2/27/2026 8:46:00 PM
الخزانة الأميركية تحذف اسم داني خوري من لائحة العقوبات بعد إدراجه عام 2021 بشبهة الفساد.
نبض