20 ألف كتاب تحت الركام... معركة إنقاذ ذاكرة غزة في مكتبة المسجد العمري
في حرم إحدى أقدم وأكبر المكتبات في فلسطين، تجهد مجموعة من المتطوعين من غزة لإنقاذ كتب قديمة لا تقدّر بثمن، دفعت ضريبة الحرب وتمثّل جزءاً عزيزاً من تراث ثقافي عريق.
على غرار مواقع ثقافية ودينية أخرى، أصيبت مكتبة المسجد العمري الواقع في البلدة القديمة في غزة، وهو أكبر وأقدم مساجد القطاع، بدمار كبير بسبب القصف الإسرائيلي. أما الجامع العائد إلى القرن الثاني عشر والذي كان كنيسة في ما مضى، فتحول قسم كبير منه إلى ركام.
تقول حنين العمصي التي تدير صندوقاً للحفاظ على التراث يحظى بدعم المكتبة الوطنية البريطانية: "صعقت عندما شاهدت كمية الدمار التي لحقت بالمكتبة. كان المشهد قاسياً جداً. ورأيت أن من واجبي الانصراف إلى إنقاذ الكتب".

أخذت العمصي على عاقتها مع مجموعة من المتطوعين إطلاق مبادرة لإنقاذ المكتبة. وتوضح لوكالة "فرانس برس" أنّ "الجزء الغربي من هذه المكتبة أُحرق عندما قُصف الجامع العمري الكبير ثلاث مرات خلال الحرب" التي استمرت عامين بين إسرائيل وحركة "حماس" بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
كانت المكتبة تضمّ نحو 20 ألف كتاب لم ينجُ منها سوى ثلاثة أو أربعة آلاف كتاب فقط. وتؤكّد العمصي أنّ "مكتبة الجامع العمري الكبير هي ثالث أكبر مكتبة في فلسطين بعد مكتبة المسجد الأقصى ومكتبة أحمد باشا الجزار. وهي مكتبة تاريخية هامة تضم مجموعة متنوعة من الكتب في الفقه والطب والشريعة والأدب ومختلف التخصصات الأخرى".

تاريخ غزة ضارب في القدم، ما يجعل القطاع الفلسطينية كنزاً لآثار حضارات متعاقبة بينها الكنعانية والمصرية والفارسية واليونانية. وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2025، كانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) قد وثّقت أضراراً في 114 موقعاً منذ اندلاع الحرب، بينما أطبقت إسرائيل حصارها على القطاع خلال عامي الحرب، ما تسبّب بأزمة إنسانية كارثية ونقص في المواد الغذائية والأساسية في غزة المدمّرة.
"عفن وبارود"
داخل إحدى غرف المكتبة الحجرية القديمة، تعمل مجموعة من المتطوعات على جمع أوراق وبقايا كتاب أوراقه صفراء، احترقت أجزاء منه، بينما تردّد إحداهن أنّ "رائحة عفن وبارود" تتصاعد منه. وفي غرفة مجاورة، تنفض العمصي الغبار عن كتاب قديم وتقول إنّ "حالة الكتب النادرة والتاريخية يرثى لها بسبب تركها لأكثر من 700 إلى 800 يوم... يمكننا أن نرى الضرر الهائل وبقايا البارود عليها". وتشدّد على أنّ جهود حماية التراث الفلسطيني بالغة الأهمية، كون "هذه الكتب تمثل تاريخ المدينة، وتشهد على أحداث تاريخية".

وكانت لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة أعلنت في تقرير صدر في حزيران/يونيو 2025 أن الهجمات الإسرائيلية على المدارس والمواقع الدينية والثقافية في غزة ترقى إلى جرائم حرب. وقالت لجنة الأمم المتحدة الدولية المستقلة للتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة في تقرير: "لقد دمّرت إسرائيل النظام التعليمي في غزة، وألحقت أضراراً بأكثر من نصف المواقع الدينية والثقافية في القطاع".
من جهتها، ردّت إسرائيل واصفة اللجنة بأنها "آلية منحازة ومسيسة بطبيعتها تابعة لمجلس حقوق الإنسان"، معتبرة أن تقريرها "محاولة أخرى للترويج لروايتها المغلوطة عن حرب غزة".
نبض