عالية ممدوح تسرِد المرض شخصيةً بروايةٍ مغايرة

ثقافة 27-02-2026 | 00:05

عالية ممدوح تسرِد المرض شخصيةً بروايةٍ مغايرة

إنها كتابة أخرى، مغايرة، ولنفيَها حقّها نحتاج إلى تعديل بوصلة القراءة وتبديل أدواتها.
عالية ممدوح تسرِد المرض شخصيةً بروايةٍ مغايرة
الروائية العراقية عالية ممدوح. (مواقع التواصل)
Smaller Bigger

لن يفلت القارئ والمعلق على رواية عالية ممدوح الجديدة "خلوة النقص" (دار الآداب، 2026) لو شاء أن يستعيدها من سؤال: أين تبدأ، وكيف يحدّد مجراها وتسلسلها، وهي محددة شكلًا؟ السبب عندي أن مؤلفة "حبات النفتالين" (2000) "المحبوبات" (2004) و"التّانكي" (2019) انخرطت في هذه الأعمال وغيرها في سلك من الكتابة الروائية كان ينزاح تدريجيًا عن مقتضى القواعد المحددة لبنيات وعمران السرد الحاوية لمعيش وتمثيلات واقعية، لينتقل إلى كيانية الذات وتبئيرها موضوعًا وتوطينها مضمارًا للحكي، ومن هنا الانتقال بالرواية من سرد الآخر، وهذا اختصاص جنسها، إلى فرع منه يسرد سيرة مؤلفه بوصفها معادلًا موضوعيًّا للواقع، هو إشكال مرتبط بتغيير البراديغم، من شمولية المجتمع إلى مركزية الفرد.

كلُّ شكل فنيّ قرينٌ بمحتواه، وبرؤيته، وفي "خلوة النقص" يتضافر العنوان لصنع مكونين: الخلوة فضاء، والنقص تيمة، تتوالد عنهما فروع: الأمكنة تتّسع، تضيق، تمتد، تحضر تغيب تُسكَن تُهجَر، وأخيرًا لتصبح الذاتُ الفضاءَ الوحيد القابل للعيش في خلوة الجسد الهشّ ونقصانه اللانهائي، بضموره المادي وانثياله الوجداني ذاكرةً تسيل لتكتبَه. تكتب ماذا؟ نقصَه، آلامَه، تباريحَ الهوى والخسران للمجهول أكثر من المعلوم؛ وتكتب خاصة، أقول بحيطة شديدة "تسرد" المرض. ذلك أن عالية ممدوح جعلت من مرض أصابها وتنقّل بها إلى مستشفيات الضاحية الباريسية (العسكري، بواسي، سان جوزيف...) هواجسَها ومادةَ حكيها على امتداد 180 صفحة، إن غادرته فإلى استطرادات تسبح فيها الذكريات والمشاعر الآنية، ومناجاة للغائبين وتكليم للذات، بصيغة مذكرات، تداعٍ حر، استعارات. كله بمثابة ترقيعات رفّاءٍ لوجود مهترئ بين ماضيها وحاضرها. وعوْدٌ على بدء إلي المرض المنبع والمصب.

 

غلاف الرواية. (دار الآداب)
غلاف الرواية. (دار الآداب)

 

بحكم مراسٍ وطويلٍ في كتابة ناصعةٍ بالشكل الذي ترتئيه، تعرف ممدوح جيدًا أن القارئ ينتظر ممن يعلن عن رواية أن يقدّم له قصة، أي لا يغشّه حتى لو أخلص النية، لذلك فهي تبدأ تاريخ المرض من أوله، متأصّلٍ في السلالة، الجدّات، العمّات، للموت حضور مطلق في البيوت، تخبر (بالخبر) عن ذلك، ومنها جاء تسلسل المصاب؛ لذا فالمرض شرعيّ، تاريخيّ، ابنُ واقع، فيصلُح حكاية للرواية، لنقل تاريخًا جديدًا للفرد بعد أن غادر بلاده، وطنه، لا نعلم وما همّ اختيارًا أم قسرًا - ومن حسنات هذا العمل أنه لا يطنطن بتراجيديا منفى مزعوم ويبتئس به للكسب ومجد أدبي ملفق، فأكبر الأدباء النازحين إلى فرنسا، يونسكو، كورتثار، ماركيز، ستيتية ومحمود درويش لم ينطقوا يومًأ بكلمة "منفى" ولا وظفّوها في أي مزاد أدبي؛ منهم عالية ممدوح التي غادرت العراق سنة 1982 لأسباب تخصّها وانتهى بها المقام في عاصمة الأنوار - لينتهي به المطافُ روائيّا إلى ما نحن بصدده، أي المرض.

تروي الكاتبة قصةَ مرضها الذي لا تعرف عنه شيئًا في الظاهر، ونحن، سوى السّعال وإصابة ما في الرئة، ليخبرها الطبيب بعد معاناة وفحوص طويلة ومرور تحت أجهزة اختبارات شتى باسمِه: "التهاب رئوي خلالي ارتشاحي" (ص 180) وهي لا تفقه في الإسم شيئا ولا يعنيها لحدّ تمازح طبيبها: "ماذا لو تعاملنا معه [المرض] صاحبًا أو صديقًا" (ص 181). وهذا بالضبط ما فعلتْ. صادقت المرض. شخّصته إلى أقصى الحدود من خلال صورِ وأفضيةِ تنقّلها في المشافي، وأنواع وأدوات فحوصها، وحالات تلقيّها للعلاج، ومعاملات المحيطين بها، لذا اتخذ هيئاتٍ مادية دامغة رسّختها نعوتٌ في بنية الوصف، وعمّقتها مشاعر في بنية الإحساس. ما كان هذا ليتمّ لولا شخصنةُ المرض، انتقالُه من هيولى تجريدية إلى شخصية فاعلة، أخرى، فأنا المريضة تصبح أخرى، هذه إحدى لعب تمويه السيرة الذاتية، شأن الإيحاء بتنويع الضمائر: المتكلم ، المخاطب، الغائب، والخطاب كله بضمير واحد وبالمحتوى نفسه.

(أنا) تسعى لتتعدد في ذاتها أولًا، ببُعدين: الأصلية، وإن لم تحمل أيّ اسم في الكتاب السيرة كلها (لا توجد لها بطاقة مريض وهوية على المعصم كما في المستشفيات)؛ والثانية، هي التي تكتب بتقطّع في الكرّاس بجانب سرير الغرفة، هكذا تحقق ما سمته فرجينا وولف بتقنية "working in progress" حيث تحدث الرواية وهي تُنجز، تصنع البعد الثاني يتماهي مع الخطاب الأول معمِّقًا هويته، ويختلف في الشكل فقط. "كان المرض قد وزّع عليّ هباته فما كان عليّ إلا البقاء كالخادم الأمين لجسمي العليل فاستبدلنا [لاحظ ضمير الجمع] وصف الألم بالكتابة عنه" (ص 88) بينما للخروج من شرنقة الذات، وحتى عُصاب النرجسية، تنشر الكاتبة - الساردة - الشخصية غطاءَ المرض ليشمل محيطها، سُلاليًا في بغداد، وها هو يستفحل كالوباء في باريس، في صورة الجار تييري وطقوس الدفن بعد الموت الرصينة المحايدة بخلاف المسلمين. كذلك في معاينة (constat) تقريرية نظير تشخيص طبيب لداء، تبين البون الشاسع بين معاناة الشخصية المريضة، ومعناه في بلد الهجرة، فهو "حالة مضبوطة، هو قضيتك وحكايتك وحدك، الموت هنا قضية عادية" (ص 62) بذا فأدب الحِداد في المجتمع الغربي عقلانيٌّ لا مأساوي. لمن أراد أن يتأمل عليه أن يعود إلى رواية إيطالو سفيفو "وعي زينو" (1923) حيث يُخضع المريض زينو مرضه لوعي سيكولوجي، سيلاحظ هذا مع الفارق طبعًًا مع سفيفو. ثم لا بد أن نعرِّج على روائيين ممن صنعوا البطل - الضد، والذين اتخذوا سيرتهم الذاتية قصة، ومن ذوَتوا شخصيات رواياتهم وعوالمها، لحدّ أن نسأل ألا يوضع جنس (رواية) على الغلاف علامةً تجاريةً فقط، ونقرر بأنها كتابة أخرى، مغايرة، عندئذ ولنفيَها حقّها نحتاج إلى تعديل بوصلة القراءة وتبديل أدواتها، وهذا مبحث طويل يخص إواليات تحوّل الأجناس الأدبية.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 2/26/2026 7:18:00 PM
لبس حول "ضريبة البنزين"… مجلس شورى الدولة لم يُصدر قراراً بعد والمراجعات قيد الدرس
الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.