مارون عبود بين السُّخريةِ بوصفِها منهجاً نقديّاً والوَجْدانِ بوصفِهِ ذاكرةً وطنيّة

ثقافة 26-02-2026 | 10:50

مارون عبود بين السُّخريةِ بوصفِها منهجاً نقديّاً والوَجْدانِ بوصفِهِ ذاكرةً وطنيّة

مارون عبود بين السُّخريةِ بوصفِها منهجاً نقديّاً والوَجْدانِ بوصفِهِ ذاكرةً وطنيّة
الأديب مارون عبود.
Smaller Bigger

 فاروق غانم خداج

كاتبٌ لبنانيٌّ وباحثٌ في الأدب والفكر الإنسانيّ

 

ليس مارونُ عبّود مجرّدَ اسمٍ في سجلِّ الأدبِ اللبنانيّ، بل هو حالةٌ ثقافيّةٌ تستحقُّ القراءةَ التحليليّةَ لا الاحتفاءَ الخطابيَّ. فقد كتبَ ليُقوِّمَ لا ليُمتِعَ فقط، واستخدمَ السُّخريةَ أداةَ تفكيرٍ قبل أن تكونَ زينةً أسلوبيّةً. ومن هنا يمكنُ فهمُ مشروعِهِ بوصفِهِ مشروعاً إصلاحيّاً متكاملاً يجمعُ بينَ النقدِ الأدبيِّ والرؤيةِ التربويّةِ والالتزامِ الوطنيِّ.

 

وُلدَ عامَ 1886 في عينِ كفاعٍ في قضاءِ جبيل، في بيئةٍ ريفيّةٍ منحتهُ حسَّ الملاحظةِ وصدقَ المعايشةِ. هذا الجذرُ الريفيُّ لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكَّلَ أساسَ نظرتهِ إلى الإنسانِ: الإنسانُ في بساطتِهِ، في تناقضاتِهِ، في ضعفِهِ وطموحِهِ معًا. لذلك جاءت كتاباتُهُ قريبةً من الواقعِ، مشدودةً إلى الحياةِ اليوميّةِ لا إلى التنظيرِ المجرّدِ.

 

تميَّزَ أسلوبُهُ بسخريةٍ هادئةٍ تكشفُ الادِّعاءَ دونَ أن تجرحَ الإنسانَ. لم يكن هدفُهُ الهدمَ، بل التَّفكيكَ البنّاءَ. كانَ يفضحُ مظاهرَ التكلُّفِ والتضخيمِ بلغةٍ بسيطةٍ دقيقةٍ، تُظهِرُ التناقضَ بوضوحٍ لا يحتاجُ إلى صراخٍ. وهذه البساطةُ لم تكن ضعفاً، بل قوّةً تقومُ على الاختزالِ الواعيِ والمعرفةِ العميقةِ بالواقعِ.

 

في كتُبِهِ النقديّةِ، لم يُواجِه الأشخاصَ بقدرِ ما واجهَ الظواهرَ. أدركَ أنَّ المجتمعَ الذي لا ينتقدُ نفسَهُ يتجمَّدُ. لذلك يمكنُ اعتبارُهُ من أوائلِ من رسَّخوا مفهومَ النقدِ الاجتماعيِّ المتوازنِ في لبنانَ، حيثُ لا ينفصلُ الأدبُ عن مسؤوليّتِهِ العامةِ، ولا تُختزلُ الكلمةُ في حدودِ الترفِ الجماليِّ.

 

أمّا في المجالِ التربويِّ، فقد كرَّسَ أكثرَ من ثلاثينَ عاماً لتدريسِ اللغةِ العربيّةِ. كان يؤمنُ بأنَّ المدرسةَ هي نقطةُ الانطلاقِ لأيِّ إصلاحٍ حقيقيٍّ. لم يرَ العربيّةَ مادّةً دراسيّةً فحسب، بل هويةً ثقافيّةً وروحاً جامعةً. من خلالِ التعليمِ، سعى إلى غرسِ التفكيرِ الحرِّ، واحترامِ التعدّدِ، والالتزامِ بالمعرفةِ الرصينةِ. وهكذا تحوَّلَ الصفُّ عندهُ إلى مساحةٍ لبناءِ الإنسانِ قبلَ بناءِ المعلوماتِ.

 

انفتاحُهُ الذي تبلورَ في بيروتَ عزَّزَ إيمانَهُ بالعيشِ المشتركِ قيمةً حضاريّةً لا شعاراً سياسيّاً. لم ينغلقْ على هويّةٍ ضيّقةٍ، بل رأى الوطنَ فضاءً جامعاً. هذا الوعيُ يتجلّى في سلوكِهِ كما في فكرِهِ، إذ عبَّرَ عن احترامِ التنوّعِ دونَ مساومةٍ على الثوابتِ الثقافيّةِ.

 

لكنَّ البعدَ الأعمقَ في تجربتِهِ يكمنُ في التوازنِ بينَ العقلِ والوجدانِ. فمع حدَّةِ نقدِهِ، يبقى في نصوصِهِ نبضٌ إنسانيٌّ واضحٌ. لم يكتبْ من موقعِ العداءِ للمجتمعِ، بل من موقعِ الحرصِ عليه. نقدُهُ كان محبّاً، وإن كان صارماً. وهذا ما منحَ كتاباتِهِ حرارةً داخليّةً تُشعرُ القارئَ بأنَّ الهدفَ هو الإصلاحُ لا الإدانةُ.

 

عادَ إلى قريتِهِ خلالَ الحربِ العالميّةِ الأولى، فشاركَ الناسَ ظروفَهم الصعبةَ. في تلك المرحلةِ تَشكَّلت خبرتُهُ السرديّةُ، واستمدَّ من الحياةِ اليوميّةِ مادّتَهُ الأدبيّةَ. الريفُ بالنسبةِ إليه لم يكن خلفيّةً جغرافيّةً، بل منبعاً للصدقِ والإنصاتِ.

 

إنَّ قراءةَ تجربتِهِ اليومَ تُظهرُ أنَّهُ لم يكن كاتبَ قصصٍ فحسب، بل ناقدَ ذهنيّاتٍ أيضاً. مشروعُهُ يقومُ على تحريرِ الفكرِ من الادّعاءِ، وتحريرِ اللغةِ من الزخرفِ، وتحريرِ الإنسانِ من التكلّفِ. بهذا المعنى أسهمَ في تشكيلِ حداثةٍ ثقافيّةٍ متوازنةٍ، لا تقطعُ مع التراثِ ولا تنغلقُ عليهِ.

 

رحلَ عامَ 1962، لكنَّ أثرَهُ بقيَ حاضراً في الذاكرةِ الثقافيّةِ. لم يتركْ مجرّدَ كتبٍ، بل تركَ نموذجاً لمثقفٍ يجمعُ بينَ الأصالةِ والانفتاحِ، وبينَ الالتزامِ والحرّيّةِ. جذورُهُ في الأرضِ تعني رسوخَهُ، وامتدادُهُ في الوعيِ يعني تأثيرَهُ. وهكذا يبقى اسمهُ علامةً مضيئةً في مسيرةِ الأدبِ اللبنانيِّ، ودعوةً دائمةً إلى نقدٍ متوازنٍ، ووجدانٍ يقظٍ، وكلمةٍ مسؤولةٍ.

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة 2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته