قصة حب متخيَّلة بين ابن البيطار وناسخة دمشقية في ثنايا "رواية تاريخية" فرنسية

ثقافة 26-02-2026 | 10:37

قصة حب متخيَّلة بين ابن البيطار وناسخة دمشقية في ثنايا "رواية تاريخية" فرنسية

العشَّاب الأندلسي شاهد على أوج ازدهار غابر.
قصة حب متخيَّلة بين ابن البيطار وناسخة دمشقية في ثنايا "رواية تاريخية" فرنسية
لوحة غلاف الكتاب.
Smaller Bigger

تصف سيمون لافوريل - زَكري عملها "العشَّاب الأندلسي"، بـ"الرواية التاريخية"، لكن مترجمه إلى العربية عادل مهنى جعل العنوان الرئيسي للعمل نفسه كالتالي: "رسائل لابن البيطار"، ما قلل في رأيي من طبيعته التخييلية. وهذه الرواية صدرت بالفرنسية عام 2017، وصدرت لها أخيراً ترجمة إلى العربية، عن "المركز القومي للترجمة في القاهرة" بتوقيع الأستاذ في الجامعة الأوروبية للأعمال في باريس عادل مهنى الذي برر اختيار عنوان "رسائل ابن البيطار" ليتصدر تلك الترجمة بقوله إنه وجدها "أوسع وأعمق من أن تكون مجرد قصة تاريخية أو أطروحة طبية"!

يتألف متن الرواية من 40 رسالة كتبها ابن البيطار، إلى شخصية متخيلة هي "حصيفة الدمشقية"، وتتضمن تفاصيل أطروحته الشهيرة "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"، فضلاً عن بوح بمشاعر فياضة تجاه هذه الناسخة التي لن تقع تلك الرسائل في يدها إلا بعد وفاة ابن البيطار. كما تتضمن تفاصيل حياته بعيداً عن مسقط رأسه في الأندلس وحزنه العميق لعدم استطاعته العودة إلى بلده الأم التي كانت مدنها وقتذاك تتساقط واحدة تلو الأخرى أمام الجيوش الإسبانية.

إمام النباتيين
عبدالله بن أحمد المالقي (1197 - 1248) من ألقابه: شيخ العشَّابين، وإمام النباتيين ورائد الطب الأخضر. وعُرِف بابن البيطار، نسبة إلى مهنة أبيه الذي كان طبيباً بيطرياً. ويعد ابن البيطار مِن أعظم علماء العصرِ الذهبي للحضارة الإسلامية، فقد كان عالم عصره في علوم النبات والعقاقِير، والصيدلاني الأول في تراكيب الدواء، ورائدَ العِلاجِ الكِيمِيائي. وُلِدَ في الأندلسِ، بمدينة مالَقة، وتلقىٰ علومَه في إشبِيلِيَة. غادر موطنه بعد بلوغه العشرين من عمرِه، وأقام في العديد من البلدان من مراكش إلى الجزائر ثم تونس، فالشام، ومنها إلى الحِجاز، وغزة، والقدس، وبيروت، ومِصر، ثم اليونان، قبل أن يستقر في دِمَشق، حتى وفاته. وضعَ ابن البَيطار عدداً من المؤلفات، أشهرُها الموسوعة النباتية المسماة "الجامع لمفرداتِ الأدويَةِ والأغذية"، التي أنجزها أثناء إقامته في مصر، وفيها يصف أكثر من 1400 عقار نباتي وحيواني ومعدني؛ منها 300 من صنعه. ولم تقتصر جهود ابن البَيطار على ذكر مئات الأدوية والعقاقير، بل أسهمَ في استقرار المصطلح الطبي العربي وأثرى معجمه الذي أصبح من بعده مصدراً ثرياً لكل أطباء أُوروبا والغرب عموماً.

 

غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.

 

أما رواية "العشَّاب الأندلسي"، فتقوم على تقنية الرسائل، لتقدم صورة متكاملة الجوانب من حياة بطلها قبل مغادرته الأندلس، وما أنجزه بعدها في طب الأعشاب، في ظل معارك متواصلة بين جيوش المسلمين وجيوش الفرنجة من ناحية، ولغزو التتار للعالم الإسلامي وما خلفوه من دمار، من ناحية أخرى، فضلاً عن نزاعات أمراء المسلمين التي لم تؤد إلا إلى إضعاف شوكتهم ومن ثم زيادة مطامع الاستيلاء على مقدرات بلدانهم.

التاريخي والمتخيَل
إلى جانب أطروحات عدة لابن البيطار في طب الأعشاب، اتكأت سيمون لافلوريل - زَكْري على عدد كبير من المصادر التاريخية التي ترجع إلى زمن روايتها، منها أطروحة "عيون الأنباء في طبيقات الأطباء" لابن أبي أصيبعة الدمشقي الذي رافق ابن البيطار في استكشافاته لجميع أنحاء القاهرة ودمشق. وركزت على ترجمة لوسيان لوكلير في القرن التاسع عشر لأطروحة ابن البيطار "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"، إلى اللغة الفرنسية. رأت أنها الأكثر اكتمالاً وكمالاً من بين ما كتب باللغة العربية، فضلاً عن أنها لا تزال حتى اليوم مرجعاً أساسياً للمتخصصين في الطب في الشرق والغرب. ولوسيان لوكلير هو "مستشرق متميز ومستعرب ممتاز، عمل في الجزائر طبيباً جراحاً للكتائب العسكرية، وهو كذلك مؤلف كتاب (تاريخ الطب العربي) الذي يعتبر بدوره من المراجع المتكاملة والأفضل في هذا المجال" (ص 14، 15). وتخصص لوكلير كذلك في علوم النبات ودستور الأدوية العربي. ووضعت المؤلفة ملحقاً في ختام روايتها تضمَّن الإشارة إلى العلماء الذين ذكرهم ابن البيطار في أطروحته، ومنهم الرازي والغافقي والديدوري وابن النفيس وأبو سفيان الأندلسي وابن أبي أصيبعة، ومحيي الدين بن عربي وأبو العباس النباتي وابن حزم، والإدريسي وابن جبير. ومن اليونانيين: ديسقوريدوس وغالينوس. وكذلك ملك ألمانيا وصقلية والقدس في ذلك الوقت فريدريك الثاني. أما الشخصيات الخيالية فهي حصيفة الناسخة وأسرتها، و"سفير كانم: الأجنبي ذو الشخصية الأنيقة، الحبيب المميز والمثقف الذي جاء من بلاد السود"، الذي وقعت حصيفة في غرامه. وأيضاً "الأمير الفلسطيني"، الذي يرمز إلى أمراء تلك المنطقة من الشرق الذين دخلوا في صراعات وحروب مع أمراء وملوك الفرنجة من كل الأصول الغربية، في حين أن إمبراطورية كانم كانت بمنأى عن هذه الصراعات، تلك الإمبراطورية التي كانت معروفة بثرائها في هذا العصر، والتي امتدت حدودها بين مالي وجنوب ليبيا والسودان. ويفترض أن ابن البيطار كتب أطروحته التي تركز عليها الرواية، في القاهرة.

أبواب الموت
وبسبب هجوم التتار ووصول الحملة الصليبية السابعة، قرر ابن البيطار الذهاب إلى دمشق حيث وافته المنية في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر عام 1248، وهو التاريخ نفسه الذي سقطت فيه مدينة إشبيلية التي تعلم فيها. ويظهر الخطر الداهم الذي كان ابن البيطار يعيش ويعمل في ظله من الرسالة الأولى التي يخاطب فيها حصيفة بالقول: "تحيطنا كل أنواع الأمراض، والبشر والمقاتلين والجرحى الذين لا نستطيع معالجتهم. هذا الخطر في كل مكان ولا شك أنه يدفعنا يوماً بعد يوم نحو أبواب الموت المفتوحة على مصاريعها" (ص 17). وبعد الرسالة الأربعين، جاءت خاتمة الرواية تحت عنوان "الدفتر الأحمر من دمشق إلى البندقية"، والسرد فيها بضمير الغائب، وتصف استقبال أهالي دمشق لسلطان مصر وسوريا الصالح أيوب المريض وزوجته شجرة الدر، وتزامن ذلك مع وصول ابن البيطار إلى بيت حصيفة، وكان هو الآخر يبدو مريضاً، ومن ثم؛ "يجب الاهتمام به حتى يسترد قوته ويقف على قدميه، حاصة وأنه قام برحلة طويلة لم يتوقف فيها المماليك المزعجون عن الركض بخيولهم، ومع ذلك أخبرهم ابن البيطار بأنه يجب أن يعود بسرعة إلى القصر، فالسلطان لم يعطه الاختيار في أن يتصرف في وقته كما يشاء" (ص 182).

تنتهي الرواية بموت ابن البيطار، وهجرة أسرة حصيفة إلى البندقية ومعها الغلاف الجلدي الذي يضم رسائل ابن بيطار الأربعين، "لم ترغب في قراءة دفتر الملاحظات الذي تركه لها. واعتبرت أنه جزء من الماضي"، وانصرف اهتمامها إلى استقرار أسرتها، واستعادة تلك العلاقة الحنون مع هذا الأجنبي الذي كان يشغل عقلها".

الأكثر قراءة

الولايات المتحدة 2/25/2026 10:40:00 PM
صورة لـ "ستيفن هوكينغ" في ملفات جيفري إبستين تُعيد الجدل حول رحلته إلى جزر العذراء
واشنطن تشترط اتفاقاً نووياً دائماً مع إيران...
تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
سياسة 2/25/2026 5:10:00 PM
القوات اللبنانية: الفنان رشدان إنسانٌ حرّ يتمسّك بحريته