ماريا جبّور في "القرنة البيضا" ليحيى جابر تجسّد حكايات من كتاب غلافه المسرح
مارلين سعاده
بين المسرح والكتاب رباطٌ وثيق، فالكلمة قبل أن تمثَّل تُكتب؛ قد يحظى نصٌّ ما بنجاحٍ كبير يمهّد له الطريق ليتجسّد على خشبة المسرح، فيمتدّ عرضه أحيانًا لسنوات، كقصة "روميو وجولييت" و"هاملت" لشكسبير... وغيرهما العديد من الأعمال. منذ نشأته حظي المسرح باهتمامٍ بالغ، ربّما لما له من تأثير وسحر في المشاهدين، لا سيّما في زمن كانت تغلب الأمّية، ولحاجة الناس لما يرفّه عنهم وينسيهم مشقّات العيش، فصُرفت مبالغ طائلة على الممثلين والديكور والأزياء... بهدف دعم المسرح وإنجاحه وتحفيز المشاهدين إلى ارتياده.
ليست مسرحية "القرنة البيضا" الأولى من ناحية "الاقتصاد" في الديكور، ولا من ناحية اكتفائها بممثلـ/ـة واحد/ة، ولكنّها امتازت بتحويلها خشبة المسرح الى غلافٍ متماسك وقويّ يتضمّن عددًا من الأقاصيص المرتبطة بمناطق محدّدة في شمال لبنان (لا سيّما زغرتا وبشري)، متفرّعة منها الى مدن الجوار، وصولًا الى ما وراء البحار...
تقتصر المسرحية على حضور أنثويّ فريد لماريا الدويهي، المرأة المصابة بميول - كما تردّد باستمرار على سبيل الفكاهة - أهمّها تجسيد شخصيّة الحكواتيـ/ـة ذات المواهب الفنية العديدة؛ وقد نجحت بالفعل في تقمّص شخصيّة العجوز والصبيّة والطفلة، والكهل والشاب، والأجنبيّ/ـة ذي اللكنة الغريبة؛ كما أجادت في الغناء وتنوّع اللهجات التي كان لها الدور الأبرز في ابتكار النكتة وإثارة الضحك لدى الجمهور الحاضر.
لقد أبدع مؤلّف ومخرج المسرحيّة يحيى جابر في تأمين الأجواء المناسبة للحكايات التي قدّمها على لسان بطلة المسرحية الوحيدة المسيطرة على الخشبة، تُمثّل كل الشخصيات في وقت واحد! علمًا أنّنا لو أحصينا عددها لوجدنا أنّها تقارب العشرين شخصيّة أساسيّة، بمعدّل أربع شخصيات لكلّ حكاية، عدا الشخصيات العرَضيّة. يكاد ينحصر الزمن الروائي بمرحلة محدّدة من تاريخ الجبل اللبناني ما بين القرنين 19 و 20، لذا اقتصر الديكور على مسند خشبي لإطار لوحة فارغ، مغطّى بوشاح باهت اللون؛ بينما تجلببت الممثلة باللون الأسود، من رأسها حتى أخمص قدميها، واقتصر تبديلها للزي على استبدال غطاء شعرها، وقد ساهم هذا التبديل الطفيف في خلق أجواء متنوّعة؛ فكأنها مع كلّ وشاح تفتح صفحة جديدة من صفحات خشبة المسرح، وتنقل لنا بصوتها وإيماءات وجهها كلّ تفاصيل الحدث، بجرأة وثقة، كاشفة كل العاهات المتولّدة من الذكورية والتقاليد، بأسلوب ساخر مضحك، ولكن، مليء بالعِبَر...
لقد نجح المخرج أيّما نجاح باستخدام زر الورد في أوّل حكاية، ليرمز من خلاله الى سحر الأنوثة وقسوة الاغتصاب في آن، مشهديّة رائعة، نقلت قصّة امرأة اغتصبها والدها؛ ونقْل واقع المرأة التي لم تكن تُعرف إلا باسم أبيها أو زوجها أو ابنها (ابنة فلان، زوجة فلان، أم فلان...) كاشفًا عن التقاليد التي تحقِّرالرجل إن عاون زوجته. فاتحًا صفحات من تاريخ إهدن الدموي، فتمر أمام ناظرنا مشاهد من "مطر حزيران" لجبور الدويهي، حيث يخضع الرجل للأخذ بالثأر، ولا تلطف قداسة يوسف بِك كرم بالدماء المسفوكة، أو تمحو كلمات نبيّ جبران الجهل عن أعين المتخاصمين وهو يقول لهم "أبناؤكم ليسوا لكم...".
لقد عكس حضور ماريا الدويهي الآسر إبداعَها وموهبتها المدعّمة بالثقة بالنفس والإيمان بالعمل. كما كشف أسلوبُ الكاتب والمخرج يحيى جابر إبداعَه الفكري والمسرحي، اذ اكتفى ببعض قطع من الخشب والقماش ليجسّد تاريخًا كاملا لشعبٍ عاش أسير تقاليده... ضحكنا وبكينا في آن واستخلصنا العِبٓر، فقد أجادا في نقل الصورة والفكرة باحترافيّة عالية وأداء مكثّف، لامسٓ عقولنا قبل قلوبنا. عرضٌ مقنع جدًّا!

نبض