ريتا ترحل نحو "شتائها الطويل"... حبّ محمود درويش الذي هزمته الحرب

ثقافة 25-02-2026 | 14:58

ريتا ترحل نحو "شتائها الطويل"... حبّ محمود درويش الذي هزمته الحرب

برحيل تمار بن عامي، المرأة التي عُرفت في الشعر باسم "ريتا"، تُطوى إحدى أكثر قصص الحب التباساً في الذاكرة العربية الحديثة.
ريتا ترحل نحو "شتائها الطويل"... حبّ محمود درويش الذي هزمته الحرب
محمود درويش وتمار بن عامي. (مواقع التواصل)
Smaller Bigger

ريتا في الوجدان العربي تميمة شعرية، ونصف ابتسامة غامضة خلف بندقية، سكنت قصائد محمود درويش محبوبةً مستحيلةً يفصل بينها وبين الشاعر جدار من النار والأسلاك الشائكة. رحلت أخيراً، وطوت صفحة مأسوية من الشعر العربي.

لسنوات، ظنّ القراء أن ريتا محض خيال أو رمز فنّي صاغه درويش ليجسّد مأساة الصراع. لسنوات، كُتبت روايات عن الحب المستحيل الذي جمع شاعر القضية الفلسطينية بجندية إسرائيلية. لكن عام 2014 حمل معه "الزلزال المعرفي" الذي كشف وجه ريتا الحقيقي. كانت تمار بن عامي؛ الصبيّة التي هزمتها السياسة وانتصرت عليها الحرب، لتتحوّل قصتها من رسائل حبّ سرية إلى وثيقة إنسانية تجسّد تمزق الهويّة بين نداء القلب وقسوة البندقية.

ظلت ريتا لعقود طويلة مجرد كائن شعري، عيون عسلية تسكن خلف بندقية، ورمز للمحبوبة المستحيلة التي تحول بينها وبين الشاعر جدران الأيديولوجيا وقسوة الاحتلال. إلا أنّ الغموض بدأ يتكشف تدريجاً، بدءاً من تلميحات درويش نفسه في مقابلات متأخرة، وصولاً إلى الإعلان الكامل عن هويتها في عام 2014.

 

محمود درويش وتمار بن عامي. (مواقع التواصل)
محمود درويش وتمار بن عامي. (مواقع التواصل)

 

تمار بن عامي، المولودة لعائلة يهودية من أصول بولندية وروسية، كانت راقصة ومصممة رقصات نشأت في بيئة يسارية في مدينة حيفا. والدتها كانت شيوعية الهوى، ما وفر أرضية ثقافية سمحت لها بالانخراط في أنشطة مشتركة مع العرب في وقت كان فيه الفصل العسكري والقانوني هو السائد. التقت بمحمود درويش لأول مرة في عام 1962، خلال أمسية سياسية وشعرية نظمها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) في بلدة شفاعمرو بالقرب من حيفا. في ذلك الوقت، كان درويش شاباً في الثانية والعشرين من عمره، وكان يخطو خطواته الأولى نحو النجومية كشاعر للمقاومة، بينما كانت تمار فتاة في السادسة عشرة والنصف من عمرها، تفيض حيوية وتشارك في فرقة رقص فولكلورية.

عذوبة اللقاء وقسوة البندقية
كان حب درويش لتمار بن عامي تجربة وجودية عميقة صهرت مفاهيمه عن الوطن والآخر واللغة. تروي في فيلم "سجل أنا عربي" (إخراج ابتسام مراعنة، 2014) أنّ العلاقة بدأت برقصة أدّتها في مقر الحزب الشيوعي، حيث بدا درويش في عينيها "وسيماً، كريماً، اجتماعياً وذكياً". امتدت العلاقة لنحو خمس سنوات، تخللتها فترات صعبة من الفصل الجغرافي؛ إذ كان درويش يخضع للإقامة الجبرية والقوانين العسكرية في حيفا، بينما كانت تمار تدرس في القدس.

كانت لغة التواصل بينهما هي العبرية، اللغة التي أتقنها درويش ببراعة واستخدمها في كتابة رسائل حب شديدة الحميمية. كشف الفيلم الوثائقي عن بعض هذه الرسائل التي احتفظت بها تمار لأكثر من أربعين عاماً، حيث كان يناديها بـ"تماري". وفي إحدى الرسائل، كتب درويش: "لا أعرف كيف أستهلّ محادثتي معك وكيف أنهيها. لكنّني راغب في البوح لك، تماري الحلوة، أنّ قبلتك الخاطفة كانت كقبلة عصفور، وهي قبلة إنسانية نجحت في تطهير الفؤاد تماماً من كلّ ظن، سؤال، شك وكراهية". كان الحب بالنسبة إلى درويش في تلك المرحلة أداة للمقاومة الإنسانية ضدّ الكراهية الأيديولوجية المبرمجة.

 

محمود درويش وتمار بن عامي. (مواقع التواصل)
محمود درويش وتمار بن عامي. (مواقع التواصل)

 

قُبيل اعتقاله في سجن "معسياهو"، أبرق إليها قائلاً: "أنا مضطرّ للقائك قبل دخولي المعتقل. استجيبي لطلبي وتعالي إلى حيفا فوراً. لا تملكين وقتاً لكتابة رسالة جوابية. كوني أنتِ الجواب... أنتظرك... أنتظرك... لا تخيّبي أملي… تعالي". لكنّ تمار لم تأتِ. لم تنجح في المجيء إلى حيفا، ولاحقاً أبدت أسفها لأنّها "لم تقاتل" من أجل لقائه، "وسكنها الندم"، لتعترف في السبعين من عمرها بأنّها لم تقوَ على استيعاب حبّه الكبير. "كنت بحاجة لوقت يساعدني على الهضم. كنت يافعة جدّاً".

حرب 1967 والتحوّل إلى "العدو"
كانت حرب حزيران/يونيو 1967 زلزالاً دمّر الجسور الإنسانية الهشة التي حاول اليسار بناءها في حيفا. بالنسبة إلى درويش، كان التحاق تمار بسلاح البحرية الإسرائيلي كجزء من الفرقة الفنية العسكرية بمثابة خيانة شخصية وسياسية. البندقية التي كانت استعارة في شعره أصبحت واقعاً مادياً يحمله جسد المحبوبة.

كتب درويش في مذكراته "يوميات الحزن العادي" واصفاً هذا التحوّل: "ربما تكون هي الآن في نابلس، أو في مدينة أخرى، تحمل بندقية خفيفة كواحدة من الغزاة، وربما تكون في هذه اللحظة تعطي أوامر لبعض الرجال بأن يرفعوا أيديهم أو يركعوا على الأرض". هذا الإدراك القاسي حوّل المحبوبة إلى "محتلّ"، ما أدى إلى قطيعة نفسية لم تنجح محاولات الوصل اللاحقة في ردمها. أدرك درويش حينها أنّ العدو كان يختبئ في العلاقة.

الظهور للعلن
ظلّت هوية ريتا طيّ الكتمان الرسمي حتى عام 1997، حين اعترف درويش في مقابلة مع الصحافية الفرنسية لور أدلر بأنّ ريتا ليست مجرد رمز فني، بل امرأة حقيقية كانت قصّة حبّها "محفورة بعمق في جسده". ومع ذلك، لم يذكر اسمها الحقيقي حينها.

جاء التحول الأكبر في عام 2014 بصدور فيلم "سجّل أنا عربي". ظهور تمار بن عامي في الفيلم وهي في الستينيات من عمرها، تعيش في برلين وتستعرض صورها القديمة مع درويش ورسائله العبرية، أحدث صدمة في الأوساط الثقافية العربية. اعتُبرت أنسنة "العدوّ" في شعر درويش وتأكيد كونه حباً حقيقياً يمسّ برمزية الشاعر كأيقونة للمقاومة، بينما رأى البعض فيها تجلّياً لعبقرية درويش في فصل الإنساني عن الأيديولوجي من دون التنازل عن الثوابت الوطنية.

باريس 1988: النكوص عن الرومانسية
تُعدّ واقعة لقاء باريس في نهاية الثمانينيات الفصل الأكثر مأسوية في قصة ريتا. فبعد مرور أكثر من عقدين على انفصالهما، حاولت تمار إعادة التواصل مع درويش أثناء وجوده في فرنسا. تروي أنّها التقت به وكان "مرتبكاً"، وخلال اللقاء تلقّى مكالمة هاتفية من الزعيم ياسر عرفات، وتحدّث بالعربية التي لم تكن تفهمها جيداً، لكن ملامحه تغيّرت بعدها تماماً.   

في اليوم التالي، عندما ذهبت لمقابلته كما اتفقا، لم يفتح الباب. وعندما هاتفته من تليفون عمومي، صدمها بردٍّ قاطع وبارد: "أنتِ لستِ حبيبتي". بكت تمار بشدّة، وانتصر درويش السياسي ودرويش الرمز الوطني على درويش العاشق. أصبح حينها "شاعر فلسطين الأول"، ولم يعد هناك متّسع في حياته أو صورته العامة لحبيبة يهودية تذكّره بماضٍ يحاول العالم تجاوزه أو تأطيره في قوالب صلبة. استنتجت هي أنّه ربما تلقّى تحذيرات من "منظمة التحرير" بألا يلتقيها، لئلا يُستغلّ اللقاء ضدّه وضدّ القضيّة الفلسطينية.

"ليست اسم امرأة"
في كتابها "الموقّع أدناه محمود درويش" (دار الساقي - 2013)، أوردت الصحافية والأستاذة الجامعية إيفانا مرشليان حواراً أجرته مع درويش عام 1991، اتّفقا على أن يُنشر بعد رحيله بخمس سنوات. سألته عن ريتا "التي كنستها المدينة مع باقي المغنّين والتي لا تزال صورتها تأتيك بعد ثلاثين عاماً مع سنبلة أكملت عمرها في البريد، وراء الخريف البعيد".

أجاب درويش:
"ريتا، ليست اسم امرأة. هي اسمٌ شعري لصراع الحب في واقع الحرب. هي اسمٌ لعناق جسدين في غرفة محاصرة بالبنادق. هي الشهوة المتحدّرة من الخوف والعزلة دفاعاً عن بقاء كلٍّ من الجسدين في ظرفٍ يتحاربان فيه خارج العناق.

منذ خمسة وعشرين عاماً يوقظ الشتاء موقع ذلك الوجع، حيث لسعتني الأفعى. لا، لم يكن حبّاً، بقدر ما كان حادثة ومفارقة، واختباراً لإنسانية الجسد في تحرّره من الوعي.

كأنها، كأنّ هذا الاسم كان يغنّي، بعد الصهيل، ذلك الصمت البعيد البعيد الذي يأخذ كلّ واحد منّا إلى منفاه الذي لا يتجاور مع منفى الآخر. كان يغنّي بلغة لا أفهم منها غير اغترابنا وتلاشي الظلّ في الظلام. ولكننا ندّعي ملكية الزنبقة ذاتها.

لم يكن في وسع هذه الرغبة أن تنطفئ تدريجاً. كان عليها أن تحترق وأن تحرقنا. وكان على كنّاسي الشوارع أن يكنسوا الحادثة ومغنّيها في الصباح.

لا لأن حكايات شهرزاد قد انتهت، بل لأنها قد بدأت. ولأنه ليس في وسع الجسد أن يسرق الجسد كثيراً، على مرأى من بنادق الحراس. ولكن، من هي ريتا؟ سأبحث عنها مرة أخرى في جسدي، وربما تستطيع قصيدة ما أن تجدها... ربما!".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

تشغل أنظمة رادار متطورة بتقنية (LPI)، التي تسمح لها بمسح ورصد الأهداف في عمق الأراضي المعادية دون أن تكتشف hgرادارات وجودها أو تردداتها.
لبنان 2/23/2026 11:54:00 PM
لا عاصفة قطبية هذا الأسبوع… منخفض بارد وأمطار وثلوج على الجبال
لبنان 2/24/2026 12:55:00 AM
انتشار واسع لعناصر يُعرفون بـ"الأوزبك" في مدينة القصير بريف حمص، ولا سيما في المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية
لبنان 2/24/2026 1:04:00 PM
وزير خارجية لبنان: إسرائيل قد تضرب بنية تحتية استراتيجية ونعمل لمنع ذلك