تعدّد بلا حدود: ملحمة الضوء والذاكرة في جداريات نبيل نحّاس
فيصل سلطان
في خطوة موفّقة، اختارت المفوّضة العامة والمنسّقة لجناح لبنان في بينالي البندقية، الدكتورة ندى غندور، بالتعاون مع وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة، الفنان نبيل نحّاس لتمثيل لبنان في الدورة الحادية والستين من المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقية، عبر عمله التجهيزي الضخم بعنوان "تعدّد بلا حدود".
يتكوّن العمل من 26 لوحة جدارية متتابعة، منفّذة على القماش بألوان الأكريليك ومواد مختلفة، تمتدّ كأنها مقاطع من قصيدة شعرية - بصرية على طول 45 متراً وبارتفاع ثلاثة أمتار، في موقع أرسنال، في تركيب بصري يحتفي بالهوية المرنة من خلال الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد.
ومن المقرّر أن يُقام الجناح اللبناني في البندقية خلال الفترة الممتدّة من 9 أيار/مايو إلى 22 تشرين الثاني/أكتوبر 2026، برعاية وزارة الثقافة اللبنانية، وبإشراف "الجمعية اللبنانية للفنون البصرية" التي تقوم على تنظيمه. أما السينوغرافيا الكاملة للجناح، فيتولاها الثنائي شارل كتانة ونيكولا فياض من "East Architecture Studio"، في مقاربة تصميمية تسعى إلى إبراز أبعاد العمل وتكثيف حضوره المكاني والبصري.

وفي إطار متابعة التحضيرات، دعتنا منسّقة المعرض الدكتورة ندى غندور إلى معاينة اللوحات الجدارية والأعمال التجهيزية لمشروع "تعدّد بلا حدود" الذي أنجزه في محترفه في بلدة عين عار (من قرى قضاء المتن الشمالي)، قبيل إرسالها إلى البندقية مطلع آذار/مارس المقبل. للمرة الأولى، يحتفي الجناح اللبناني في بينالي البندقية بإنجازات فنان لبناني طليعي من طراز المبدعين الكبار، ممن يعيشون حياة فنية شاملة لا تهدأ. فنانٌ عرض أعماله في أبرز صالات نيويورك ولندن وبيروت ودبي وميونيخ، وأبهر النقّاد بأجواء تجاربه التقنية الآسرة.
بين الأرض والسماء: التجربة الكونية
تجهيزٌ باهر، أقرب إلى احتفال بصري، لوحات ضخمة متتابعة، كإفريزٍ أسطوري أو كنزٍ خفي، تكشف عن رحلة طويلة في أعماق الليل والبحار، وعن تقاطعات لمنظومات لونية ساحرة، تنفلت أحيانًا من جاذبية الأرض، لتعبّر عن يقظة الشرق المنسي في مسارات خرائط النجوم، الكامنة في رسوم الخطوط الحريرية الهندسية التي صاغتها ثقافات الشرق وحضاراته في سفرها الطويل، على ضوء النجوم، عابرةً البراري، الشبيه بالسفر في البحار المظلمة، مسترشدةً بجمرات الحكايات الميثولوجية.

تتوالى اللوحات إشاراتٍ وعلامات، مثل سرٍّ غامض في تماسّ مع غيبٍ خفي، كاشفةً عن فلسفة وجود ترى أن كل ما يولد هو يقظة، وأن عين الفنان "تسمع" حوافز النهوض في تمثّلات بصرية، كما يقول الشاعر بول كلوديل.
تتقاطع متتاليات لوحاته مثل البرق في تجسيدها لتصاوير مبلّلة بروح السفر وأعماق الذكريات، لذا ينبثق نسيجٌ خاطف من مشهديّه، أجزاءُ جذوع ثلاثة أشجار: شجرة النخيل رمز الحياة والخصوبة، وشجرة الزيتون رمز القداسة، وشجرة الأرز رمز الخلود. كمن يكشف، في غمامات أعالي الجبال وأعماق البحار، عن التطوّر الخلّاق في علاقة النجوم بورود السماء، وعن أسرار هالات النجوم في الأعماق.

فاللوحات الجدارية التي يقدّمها نبيل نحّاس أشبه بمقاطع من قصيدة طويلة، تذكّرنا بقول الشاعر الفرنسي رامبو: "رأيتُ أرخبيلاتٍ نجميةً وجزرًا سماواتُها الهاذية مفتوحة على السماء". فالصور الشعرية يقدّمها نبيل نحّاس كعتبات تروي جزءًا من سيرته الفنية وجهده الإبداعي الخلّاق، الحامل إشراقات فجر من ألوان "الكريستال"، وقد صار ذلك جزءًا من رؤيته التي تعبّر عن سحر الحكايات المخبّأة في استجلاء روح أشجار الأرز كمرجع وحيد اختزنه في الذاكرة.
قاماتُ جذوعٍ وأغصانٍ ذهبيةٍ وارفة تنبثق في تناغمها كشواهد على أزمنة متخيّلة مستمدّة من عوالم الذكريات: ذكريات طفولته حين رأى أشكال الأشجار الأسطورية، الأشجار المجبولة بالأرواح والصمت العميق، في حالات التحام مع فيض السماء، ومع نظراته الحائرة في نسيج مجرّات من نجوم لا تنتهي؛ نجومٌ تطير، وأخرى تسقط كي ترقد في أعماق الأرض والبحار.

إنها ذاكرة طفولته التي أيقظت في تجاربه تجلّيات هذا العالم الأسطوري، حيث يمثّل الفضاء الزمكان الشامل الذي تسبح فيه المجرّات والنجوم والكواكب في مدارات حلزونية ناتجة عن الجاذبية والدوران. لذا انبثق في متتاليات لوحاته ما يشبه درب التبانة، حيث تتشكّل النجوم في ألوان زاهية تحاكي وميض أنوار الكريستال، لتعبّر عن أسفار وخرائط المدار الحلزوني في أعماق البحار (أسفار عبر التاريخ في البحر الأبيض المتوسط لا يعرف لها الإنسان بداية ولا نهاية).
المؤثرات الفنية: من القاهرة الى بيروت ونيويورك
وُلد نبيل نحّاس في بيروت عام 1949، في عائلة امتلكت مصنعًا لنسيج الحرير في جبل لبنان. أمضى سنواته العشر الأولى في القاهرة في كنف عمّه أنطوان سليم نحّاس (1901–1966)، أحد أبرز المعماريين في مصر وأستاذًا في كلية الفنون الجميلة، الذي أسهم في إطلاق موهبته وتنمية إحساسه بالبُنى الهندسية الكامنة في الطبيعة، فافتتن منذ بداياته بالأهرامات وبالشكل المثلث. كما كان لوالدته، التي امتلكت متجرًا لبيع الكريستال في الخمسينيات، دور في صقل وعيه اللوني عبر مراقبة حركة الضوء، إضافة إلى تأثره بأعمال الفنانة إيفيت أشقر. خلال دراسته في مدرسة داخلية بعينطورة، اعتاد رسم الطبيعة اللبنانية، وانشغل في مراهقته بالموسيقى قبل أن يتحوّل شغفه إلى استكشاف الأساطير المتصلة بآثار جبيل الفينيقية. عام 1968 سافر إلى الولايات المتحدة، فدرس الفن في جامعة لويزيانا في باتون روج، ونال بكالوريوس الفنون عام 1971، ثم ماجستير الفنون من جامعة بال عام 1973.

بدأ مسيرته بأسلوب تجريدي هندسي، مستلهِمًا ذاكرة طفولته في القاهرة، حيث تشكّل وعيه البصري على إيقاعات الهندسية الرياضية في الفنون والعمارة الإسلامية، وما تختزنه من نظام صارم وروح تأمّلية. ثم نما سريعًا من خلال احتكاكه بمحترف أستاذه جوزف ألبرز (Albers)، الذي أيقظ في تجاربه هواجس إدخال هياكل الأشكال الهندسية السابحة في الفراغ. لذا تميّزت معارضه الأولى في نيويورك بإبراز الحسّ الهندسي المنظّم واحتواء الفضاء، وتجسيد إيقاعات المتتاليات بين الفارغ والملآن، والأسود والأبيض، تعبيرًا عن أهوال الحرب اللبنانية ودمار وسط بيروت التجاري.
في تلك المرحلة، أنجز تجارب اللوحات السوداء المغمورة بالطلاء الذهبي، قبل أن يتحوّل نحو الحركات الدائرية المستوحاة من نسيج الطبيعة، باحثًا عن إبراز السطوح النافرة عبر إدخال غبار الألماس والألومينيوم والتراب في ألوان الأكريليك، استعادةً لذاكرة طفولته وتأمّله أشكال لحاء الأشجار. غير أن التحوّل الأبرز في أعماله جاء بعد رحلة إلى شاطئ إيست هامبتون عقب إعصار عنيف، حيث استعاد حلم طفولته بالتقاط نجوم البحر التي قذفها الموج.

هناك أيقن أن حكايات الحاضر تختزن أصداء الماضي، وأن نجوم السماء تسقط لتولد من جديد في أعماق البحار، كما كان يروي له والده، فبات الكشف عن كنوز أسطورة غائبة محور تجربته الفنية الجديدة.
وثبة البحث عن المقدس
يبلور نبيل نحّاس عبر رشاقة اليد التصويرية وطراوتها التجريدية معالم الفكر الفني المتوسطي، جامعًا بين الأسطوري والفلسفي، وكاشفًا عن الوجود الضوئي للون في عتمة الخلاء الموحش في حكايات الليل. يستثير طاقات الإشارة ليكشف أبدان النجوم في فضاءات الليل الأزرق والنهار المشتعل، في رؤى لونية يمكن تسميتها "حرارة الأمكنة الغافية في الذاكرة"، التي تتحرّك بين شطيّن المرئي وغير المرئي، كحلم يوحّد الموجودات ثم يهدمها في اللحظة ذاتها. ثمة سماءان لهذا العالم، المشرق والمغرب، هما معًا سماء الواقع وسماء الحلم.
تتتابع لوحاته كقصيدة تتحوّل إلى رموز وإشارات مضيئة، في أزمنة متغيّرة تنجذب أحيانًا نحو البحث عن المقدّس، عبر إيقاعات الدوائر السماوية التي يحيطها بلحاف من خطوط ومثلثات وأشكال هندسية ودوّامات، تتجلّى كنبض المطر على سطوح المياه الراكدة. دوائر تستحضر حركة الكتل المتراصة في ميتولوجيا الحضارات القديمة بلغة الاشكال الهندسية التي تفسر سر النسيج الأسطوري (السماوي والارضي) الذي يضيء زرقة السماء بعد ظلمة. خطوط تتدلى في البئر الذي دخله جلجامش متمسكا بأغصان منكسرة بحثا عن زهرة الحياة. في هذا الأفق، تبدو متتاليات لوحاته سفرًا في الأبدية، وقصائد زمنٍ مجزّأ، لا زمن فيه سوى اتحاد السماء بأغصان الأرز في أعالي الجبال، وأنوار كريستال النجوم في أعماق البحار.

تتكرّر في جداريات نبيل نحّاس إيقاعات المدّ صعودًا والغوص في الأعماق، حيث تمتزج الحصى بالنجوم في مدارات الرياح وقواقع البحار، كبحثٍ عن يقين بأن الكون يدوم في الزمن، وأن الديمومة تتجلّى في صور النجوم في الأعماق، وقامات الأشجار في أعالي الجبال، وحركات العشب والتواءات الأغصان في وضوحها ولمعانها.
لذا لا انفصال في "تعدّد بلا حدود" بين الصعود والهبوط، ولا بين الهندسة الجزئية والذاكرة الكلّية؛ فاللوحات لا تنقل المرئي فحسب، بل إحساس الانشطار والتجمّع، وكشف عوالم الحركة العاصفة، كأزيز الرياح وشرارات البرق في ظلمة الزمان، وأصداء الحرائق والحروب، وموت الطبيعة، في مقابل وثبة الحياة الكامنة في انبثاق جذع أرزة شامخة مكتهلة في غابة مشتعلة بالسواد.
يضفي نحّاس على هذا الانبثاق ضربات لونية خاطفة، مرتجلة في تعجينها وتشفيفها، لتشكّل مشهدًا من فناء رمزي للطبيعة ووثبات خيالية مثل كرنفالات أعياد لونية، تشهد على صمود الحياة وسط أعاصير الرياح واصداء انفاسها الحاملة سواد الاوقات الحزينة واعياد الشعوب التي جعلت من تمائم النجوم الذهبية شعلة النهوض، فهي شاهدة على ممالك الحضارات الزائلة في مدن حوض البحر الأبيض المتوسط التي رأت في غابات الأرز الخالدة حلقة الوصل بين الموت والحياة، كضوء مسافر بألوان الذهب والفضة.
نبض