من المأْلوف المُتَّبَع في الدُوَل، أَن تُصدرَ طوابعَ بريديةً تذكارية، أَو ماليةً إِدارية، لأَماكنَ أَو شخصياتٍ أَو مناظرَ من البلَد، تخليدًا محليًّا، وانتشارًا عالميًّا.
وفي المأْلوف بداهةً أَن يَظهر في زاويةٍ من الطابع اسمُ الرسام (حين على الطابع صورةُ لوحة)، أَو اسم المصوِّر (حين على الطابع صورةٌ فوتوغرافية).
غير أَنَّ هذا المأْلوف خرَجَ عن المأْلوف في لبنان، فصدَرَت مجموعةُ طوابعَ جميلةٍ تحملُ صوَرًا جميلةً لبلداتٍ جميلةٍ من جنوب لبنان الجميل، ولم تُكلِّف الدولة أَقلَّ جهْدها بذكْر اسم صاحب الصُوَر على زاوية الطابع، ولا حتى باستئْذانه لأَخْذ صُوَره الفوتوغراغية ونقْلِها إِلى الطوابع.

صاحبُ هذه الصوَر هو المصوِّر الفوتوغرافي الإِعلامي والفنان كامل صُبحي جابر ابن النبطية المولَّه بنَبَطيَّته وجنوبه، هو الواضعُ عنها وعنهُ مجموعةَ كتُب وكتابات تؤَرِّخُ هذه البقعة الرائعة من جنوب لبنان، الموجَعِ اليوم بضرباتِ عدوٍّ وحش. لكنَّ كلَّ حبَّةِ ترابٍ من جنوب لبنان باقيةٌ في الذكْر والذكْرى والاستذكار، كما الحال مع كامل جابر بقلْبه وعيْنه وكاميراهُ الشاعرة.
هنا، في حلقة أُولى، صُوَرُ النبطية والطيّبة، وفي الحلقة التالية صُوَرُ كفرحونة ومرجعيون.

جمال النبطية
سنة 2025 أَصدرت وزارة المالية اللبنانية - بتوقيع وزيرها ياسين جابر - طابعًا ماليًّا من فئة 100.000 ليرة لبنانية، عليه اسمُ "النبطيّة"، وصورةٌ لها بكاميرا ابنها كامل جابر. يُستخدَم هذا الطابع في المعاملات الإِدارية والمالية وتصديقِها وإِخراجات القيد وسواها. في الصورة مشهدٌ عامٌّ للنبطية من جهتها الجنوبية الغربية، التقطتْه عدسة كامل جابر في 31 كانون الثاني/يناير 2008، وفي الخلفية تلال إِقليم التفاح مُتَوَّجة بالثلج.

في السنة ذاتها، وللمرَّة الأُولى في تاريخ طوابع لبنان البريدية (قبل نحو 100 سنة)، كانت شركة "ليبان بوست" - تنسيقًا مع وزارة الاتصالات - أَصدرَت أَول طابع بريديّ للنبطية، صمَّمَه كامل جابر في صورتين: قلعة الشقيف الأَثرية (رمز النبطية التاريخيّ) ونهر الليطاني (يُنْعش النبطية إِذ يُحيط بها من جهتَيْها الجنوبية والجنوبية الشرقية). قيمةُ الطابع: 250.000 ليرة لبنانيّة. قياسُه: 3×4 سنتم. صدرَت منه كمّيّة 50.000 نسخة. وفي اليوم الأَول للإِصدار (4 آب/أغسطس2025) صدَر 700 مغلَّف، على كلٍّ منها صورتان بعدسة كامل جابر: النبطية، ونهر الليطاني (بقيمة 1.500.000 ليرة لبنانية). وفي التاريخ ذاته صدرَت بالكمّية ذاتها أَربعةُ طوابع أُخرى لأَربع مناطق لبنانية: سير الضنّيّة (20.000 ل.ل.)، فالوغا (85.000 ل.ل.)، بشرّي (80.000 ل.ل.) وشلَّال جزِّين (85.000 ل.ل.).

عين الطيّبة الفَوقا
سنة 2018 أَصدرَت وزارةُ المالية طابعًا ماليًّا من فئة 250 ليرة لبنانية يَحملُ صورة "عين الطيّبة" (قضاء مرجعيون) بكاميرا كامل جابر، لاستخدامه على المعاملات المالية والإِيصالات الرسمية، بعدما باتَت فئةُ 250 ليرة الأَصغر تَداوُلًا في الطوابع المالية اللبنانية (حتى 2019). وكانت جمعية "بيت المصوِّر" في لبنان - ضمْن مجموعتها للعام 2015 - أَصدرَت هذه الصورةَ بطاقةً بريديةً في علبةٍ تضُمُّ 32 بطاقة تمثِّل مشاهدَ طبيعيةً وتراثيةً من جنوب لبنان. ثم أَعادت إِصدارها ضمْن مجموعةٍ من 10 بطاقات بريدية خصيصًا لصالح بلدية الطيّبة في مهرجانها السنويّ "لاقونا على الطيّبة" (صيف 2017).

حول هذا المكانِ الأُسطوريِّ الجمال، كتَبَ كامل جابر: "من أَعاليها تَسأَل النَبتةُ ملائكةَ الرهبة: "إِن كانت الدوائر مبعثَ دُواري، فكيف أَغوصُ في عين الماء والسماء معًا؟ مَن يقْصدها، يخالُها عينَ أَرضٍ شرَّعَت أَشفارَها مُدَوْزَنةً على إِيقاع البناء القويم نحو السماء، تتلَقَّف خيرَها وتُعيدُهُ ماءً عذْبًا طيِّبًا للشاربين. إِنها من أَروع عيُون المياه وأَجملها في لبنان. يميِّزها موقعُها المنخفِض عن سطح الأَرض بنحو عشرة أَمتار، غربيَّ ساحة الطيّبة. يمكن بلوغُ غديرِها بالانحدار على درَج حلزونيّ في تجويف صخريّ مشيَّدٍ بإِتقان، على النمَط الهرميّ المعكوس، في دائرة تتسع في أَعلاها وتَضيقُ تحت عند حوض الماء. يرجَّحُ بناءُ هذه "العين الفوقا" قبل نحو 200 سنة، أَيَّام العثمانيّين، ويتردَّد أَنَّ عمرَها من عُمْر الضيعة القديمة، أَو أَنها تاريخية رومانية وَفْقَ أُسلوب بنائها الشبيه ببعض المدارج الرومانية القديمة. كان الأَهالي يعتمدونها مصدرًا رئيسًا لشُرب الماء النقي، وتقصدُها الصبايا والنسوة لنقْل المياه منها إِلى البيوت في جرار يحمِلْنها على رؤُوسهنّ. لا يُعرف مصدر مائها، ويعتقد الأَهالي أَنّه بعيدٌ عنها، لأَن مياهها تغور وسط موقعها الدائري، لتَنْبعَ قرب "العين التحتا" على نحو 200 متر غربًا.
الحلقة المقبلة: كفرحونة ومرجعيون
نبض