سلمى مرشاق سليم رحلت بانتظار العدالة... شهادة أمٍّ بوجه الرصاصة
في الذكرى الأولى لرحيل لقمان سليم، جلست سلمى مرشاق، الأمٍّ الثكلى والمثقفة التي تدرك أنّ الرصاصة التي تُطلق على مفكّر لا تصيب جسداً إنّما فكرة الحوار نفسها، أمام رئيسة مجموعة "النهار" الإعلامية نايلة تويني. يومها، لم تبحث عن رابحٍ وخاسر، لأنّ المعادلة عندها كانت محسومة: "لم يربح أحد؛ كلّنا خسرنا". خسرت ابنها، وخسر البيت حواره اليومي، وخسر المختلفون "فرصة أن يتباهوا بمثقفٍ"، على حدّ تعبيرها، "بدل أن يقطعوا صوته". ما اعتبره القاتل نصراً، رأت فيه هزيمة أخلاقية وفكرية.
تحدّثت سلمى عن الخسارة وأحصت أشكال الغياب: غياب النقاش الذي كان يملأ البيت، تبادل الكتب بين لقمان وأخته رشا وأخيه هادي، تعدّد اللغات، ذلك الشغف المشترك بالقراءة الذي كان يجعل من المنزل مساحة جدال حيّ. "خسرنا الحوار"، قالتها لترثي تقليداً عائلياً غاب بغياب ابنها. في كلامها يقينٌ بأنّ الوطن نفسه خسر مفكّراً، وأن العالم العربي خسر عقلًا لامعاً.
لم يكن في حديثها أيّ نزوع إلى الثأر. سألتها تويني إن كانت قادرة على المسامحة، فأجابت بأنّ سلاح بيت محسن سليم لم يكن يوماً بندقية. "سلاحنا الفكر والكتب"، قالتها ببساطة العارف أنّ الكلمة لا تقتل إنّما تُقلق. تركت القصاص للّه، واحتفظت لنفسها بالوجع. أمٌّ فقدت جزءاً من نفسها ومن طاقتها. لم تتبرأ من الألم، لكنّها رفضت أن يتحوّل إلى كراهية مسلّحة.
"هناك تحقيق في لبنان؟"، سألت. في سؤالها إدانة لـ"سياسةٍ تختلط فيها الأحقاد بالمصالح". لكنها - رغم ذلك - لم تُسقط إيمانها بالحوار. تحدّثت عن زواجها المختلط، عن بيتٍ جمع مسيحية ومسلماً، عن أولاد تربّوا منفتحين على كل الأديان. روت كيف استقبلوا السيد موسى الصدر في منزلهم، وكيف تعلّمت أنّ الدين لا يُختزل في طقوس بل في قدرة البشر على التفاهم. الحضارة، في تعريفها، أن يتحاور الناس لا أن يقتل بعضهم بعضاً، وأن تقبل المختلف كي تتطور، لا أن تنغلق على شبيهك.
وحين سُئلت: من هي سلمى مرشاق؟ عادت إلى جذورها المصرية-اللبنانية، إلى عائلةٍ مهاجرة، إلى بيتٍ مختلط حتى داخل المسيحية نفسها، إلى خزائن ممتلئة بمجلّات "المقتطف" و"الهلال"، إلى مدارس فتحت لها أبواب الفكر منذ الصغر، ثم إلى الجامعة الأميركية في القاهرة. كانت سيرتها الخلفية التي صنعت مناخ بيتها الزوجي من القراءة والجدال والحرية.
اليوم، بعد رحيلها، نستعيد ذلك الحوار لنرسم صورة أمٍّ مثقفة آمنت بأنّ القلم سلاحٌ أخلاقي، وأن الحوار هو العلامة الفارقة بين المتحضّر والقاتل. بين الخسارة الفردية والخسارة الوطنية، ظلّت متمسكة بفكرة واحدة، قوامها أن لا أحد يربح حين يُقتل صوتٌ حرّ.
نبض