برلين 76 - "الدبّ الذهب" للبنانية ماري روز أسطا عن "يوماً ما، ولد"
بعد ثلاث سنوات على فوز الفيلم اللبناني القصير "يرقة"، من إخراج الشقيقتين ميشيل ونويل كسرواني، بجائزة "الدبّ الذهب" في مهرجان برلين، يعود فيلم لبناني قصير آخر لينال أرفع جائزة سينمائية في المهرجان نفسه: "يوماً ما، ولد" للمخرجة اللبنانية ماري روز أسطا (38 عاماً)، والبالغ مدته 27 دقيقة. وتُعدّ هذه أول جائزة كبرى تنالها أسطا، التي أنجزت عدداً من الأفلام الروائية القصيرة، من بينها "ثم جاء الظلام"، الذي حصد جوائز في القاهرة ومالمو.
وضعت المخرجة كاميرتها في عكّار، المنطقة التي تعرف تضاريسها ووجوهها عن قرب. رجلٌ ملتحٍ (أنطوان ضاهر) وعدد من الصبية، يتقدّمهم فتى ذو قدرات خارقة (خالد حسن). بيت ريفي، دفء عائلي، وطبيعة تبدو كأنها الحاضن الأول للحكاية. وليس تفصيلاً عابراً أن يكون التصوير قد جرى في منزل جدّ المخرجة؛ فالمكان هنا أكثر من ديكور، إنه ذاكرة تتجسّد في الجدران والوجوه. ومن باطن الأرض يطلّ الأولاد، في مشهد يستحضر عوالم أمير كوستوريتسا.

تحلّق طائرات في السماء، وهذه وحدها كفيلة بزحزحة الفيلم من حميميته إلى منطقة أكثر اضطراباً. يوميات الفتى أرضية وسماوية في آن، حتى إن صوت الطائرات الذي يخترق الشاشة يضبط إيقاع حياته. أسطا، خريجة السمعي البصري في جامعة "ألبا"، والمتمرّسة في مجال الإعلانات، تُظهر تمكّناً لافتاً من أدواتها البصرية؛ لا تتردّد في التصوير داخل العتمة، ولا تخشى إدارة طفل وممثلين غير محترفين في تجربة أوصلتها إلى مهرجان بحجم برلين.

وعند تسلّمها الجائزة من أحد أعضاء لجنة التحكيم، قالت أسطا: "كتبتُ هذه الكلمات لأنني سمعتُ أن الاستعداد خيرٌ من الندم (…). نعم، البرليناله صوتها مسموع وتأثيرها حقيقي. إنه فضاء أرفض أن يُنتزع منا، نحن السينمائيين المستقلين، بكل تنوّع أصواتنا واختلاف رؤانا. لذلك حرصتُ أن يُعرض فيلمي هنا، في برلين".

وأضافت: "أقف أمامكم وفي داخلي امرأتان: مخرجة يغمرها الامتنان وهي تتسلّم هذا “الدبّ" الجميل الذي قد يغيّر مسار حياتها، وإنسانة لبنانية شاهدة لا تستطيع أن تصمت. أعتذر إن خانني الصوت. أنجزتُ فيلماً عن طفل يمتلك قوى خارقة يُسقط طائرتين حربيتين إسرائيليتين لأن هديرهما اقتحم نومه. هكذا يفعل الخيال السينمائي: يمنح الضعفاء قدرةً على قلب المعادلة. لكن في الواقع، أطفال غزة، وفي كل فلسطين، وفي بلدي لبنان، لا يملكون قوى خارقة تحميهم من القنابل. أربعة أطفال قُتلوا في لبنان بالأمس فقط، ووقف إطلاق النار لا يزال يُنتهك في غزة ولبنان. لا ينبغي لطفل في هذا العالم أن يحتاج إلى معجزة كي ينجو من إبادة تُغذّيها حسابات الفيتو والصمت وانهيار القانون الدولي. إذا كان لهذا "الدبّ" معنى يتجاوز فرحي الشخصي، فليكن معناه بسيطاً وواضحاً: أطفال لبنان وفلسطين ليسوا بنداً على طاولة تفاوض".
نبض