برلين 76 - "رويا": مقاومة (يومية) من داخل زنزانة إيرانية
"رويا" للمخرجة الإيرانية مهناز محمّدي، المعروض في مهرجان برلين السينمائي (11 - 22 شباط/فبراير)، قسم "بانوراما"، هو أكثر من مجرد سرد عن السجن والمقاومة. تقاربها المخرجة الخمسينية كرحلة داخلية تستكشف كيف يمكن القيود الجسدية أن تعيد تشكيل الإدراك، وكيف تتحوّل الأحلام إلى مساحات للبقاء. تدور القصّة حول معلّمة إيرانية (مليسا سوزن)، محتجزة في سجن إيفين، وعليها إما أن تعترف بما لم تقترفه أو تبقى محاصرة في زنزانتها الضيقة التي لا تتجاوز ثلاثة أمتار مربّعة. لكن الفيلم لا يكتفي بهذه المأساة، بل يتجاوزها إلى محاولة فهم تجربة الإنسان في الظروف القصوى، حيث يصبح الحفاظ على الذات أكثر أهمية من مجرد النجاة الجسدية. محمّدي، التي عرفت عن قرب حياة السجن والاضطهاد السياسي، تستثمر تجربتها الشخصية وتحوّلها إلى مرجعيتها الأولى. فهي ناشطة واجهت الاضطهاد السياسي، اعتُقِلت مرات عدة، وحُكم عليها بالسجن لسبع سنوات، أمضت منها أشهراً عدة، مع مصادرة جواز سفرها لعشر سنوات. هذه المعاناة تضيف عمقاً للفيلم، الذي لم يُنتج بأموال إيرانية، بل جاء كمشروع سريّ يعكس تجربة المخرجة في مواجهة آلة القمع التابعة لنظام الملالي.
بعد سنوات من العمل في مجال الوثائقي، ها انها تعود إلى السينما الروائية، لكن العودة لم تكن إلى بنية خطية تقليدية. توضح في مقابلة: "الفيلم يتتبّع منطق العقل والذاكرة، حيث لا يسير السرد من خلال الشرح أو السببية الواضحة، بل عبر التكرار والانقطاع والتشتيت والصمت. السينما الروائية أعطتني إطاراً لا يحاول إعادة إنتاج الواقع، بقدر ما يعمل كما يعمل الإدراك".

وهكذا، أصبح الفيلم تجربة حسية وفلسفية: المُشاهد يُدعى إلى الانغماس في تدفّق وعي البطلة، حيث ينكسر التسلسل الزمني، ويتداخل الماضي مع الحاضر، لنرى كيف يعيش العقل هذه التجربة تحت الضغط النفسي. يقترح الفيلم فهماً آخر للمقاومة: ليست بالضرورة مواجهة مباشرة، وإنما استمرار للوجود الداخلي رغم القيود الخارجية. توضح المخرجة: "المقاومة هنا هي رفض للاختفاء، انها وسيلة للبقاء عندما يختفي كلّ ما تحت أقدامنا". هكذا، تصبح المعلّمة رمزاً لكلّ مواطن يعيش ضغوطاً قاهرة.
نبض