برلين 76 - "نرسيسو": الجريمة التي عرّت مجتمعاً

ثقافة 20-02-2026 | 00:25

برلين 76 - "نرسيسو": الجريمة التي عرّت مجتمعاً

قدّم مارسيلو مارتينيسّي فيلمه "نرسيسو" في "بانوراما" برلين 76، مستعيداً باراغواي عام 1959 تحت قبضة نظام عسكري يخنق الحقيقة.
برلين 76 - "نرسيسو": الجريمة التي عرّت مجتمعاً
"نرسيسو" المعروض في "بانوراما" برلين 76. 
Smaller Bigger
تدور أحداث "نرسيسو" لمارسيلو مارتينيسّي في باراغواي عام 1959، في لحظة تاريخية خانقة تخضع فيها البلاد لنظام عسكري صارم، حيث يسود الصمت ويقمع الخوف أي محاولة لقول الحقيقة. في هذا السياق، يعود نرسيسو (ديرو روميرو) من بوينس آيريس، حاملاً معه إيقاع الروك أن رول، ليصبح سريعاً ظاهرة إذاعية ورمزاً للحرية والانفلات. شخصيته الكاريزمية والغموض الذي يحيط به يجعلانه موضع رغبة عند النساء والرجال، لكنه يثير أيضاً القلق والاضطراب. بعد حفله الأخير، يُقتل. السؤال الذي يظلّ معلّقاً: من قتل نرسيسو؟ هذا السؤال يولّد سؤالاً آخر: كيف ولماذا أصبح موته ممكناً؟
 
شخصية نرسيسو مستوحاة من قصّة حقيقية: مقتل برناردو أراندا عام 1959، وهي قضية درسها الكاتب غويدو رودريغيث ألكالا. هذه الجريمة تحمل رمزية كبيرة في تاريخ الباراغواي، إذ استُخدِمت ذريعة أخلاقية لتشديد القمع وفرض أجندة سلطوية مهّدت لديكتاتورية عسكرية استمرت قرابة خمسة وثلاثين عاماً. ما جذب المخرج في كتاب ألكالا، هو حياده الظاهري وقراءته "السريرية" لمجتمع كان مهيّأً لحدوث مثل هذه الجريمة، رغم أن الفيلم لا يتبع حبكة الرواية، فيتشرب أجواءها ومخاوفها ودينامياتها الاجتماعية، لتشكّل هذه العناصر القلب العاطفي والسياسي للفيلم.

تتقاطع تجربة المخرج الشخصية مع الفيلم عند مفهوم "الإيمان". فكما يوضح، الأنظمة السياسية لا تقوم على القادة وحدهم، بل على جماعات تؤمن، أحياناً بطريقة مفرطة أو مثيرة للقلق، بأن ما تفعله هو الصواب. شخصيات "نرسيسو" تُقدَّم من هذه الزاوية: أشخاص تحرّكهم قناعات يعتقدون أنها ستصنع بلداً أفضل، مهما كانت نتائجها كارثية. الفيلم يقف في تلك المسافة بين الإيمان وعواقبه، وبين الفعل والكارثة.

تلعب الموسيقى دوراً محورياً في هذا الصراع. فالأغاني الفولكلورية الباراغوايانية متجذّرة في الهوية الجماعية، ولا تُقدَّم كتراث يجب تجاوزه، وإنما كأرشيف للذاكرة العاطفية. في المقابل، يدخل الروك أن رول كموسيقى "أجنبية" تثير الشك والريبة. الموسيقى في الفيلم أكثر من مجرد خلفية، فهي ساحة صراع بين الانتماء والخوف من الآخر. والرغبة، بمختلف أشكالها، محرّك خفي للفيلم. لكنها رغبة لا تنفصل عن القمع. في مجتمع موسوم بتاريخ طويل من الكبت، تولد الرغبة محاطة بالخوف، ومضطرة إلى التفاوض مع الممنوع.

 

 

يجد القمع الثقافي والجنسي استعارة قوية في مسرحية "دراكولا" الإذاعية داخل الفيلم. هذا الفضاء الصوتي، المستوحى من تقاليد الإذاعة في الخمسينات، يخلق عالماً ضحلاً تصبح فيه المخيلة نفسها فعلاً خطيراً. الإبداع، هنا، شكل من أشكال العصيان، ولهذا يُعاقَب أصحابه.

اختيار التصوير في أماكن داخلية، وفي مقدمها مبنى الإذاعة، لم يكن مصادفة. فالعاصمة أسونسيون تظهر كمدينة مهجورة أو معلّقة خارج الزمن. الإذاعة تصبح المركز: مكاناً يتقاطع فيه الصوت والسلطة والجمهور الغائب، أولئك الذين يستمعون في الظلام، يخافون، يصفقون، أو يرقصون.

يحضر النفوذ الأميركي في الفيلم من خلال رمز محطة المياه، وهي بنية تحتية تاريخية أُنشئت عام 1959 بدعم من الولايات المتحدة ولا تزال تعمل حتى اليوم. الماء، رمز الحياة والتقدّم، يجسّد وعد الحداثة. لكنه في الوقت نفسه يذكّر بأن البنى التحتية تحمل معها تبعية وهياكل سيطرة صامتة، تستمر حتى بعد تغيّر الأنظمة.

يبقى موت نرسيسو، عن قصد، لغزاً بلا حلّ، اذ يتحوّل شرخاً تتصادم عنده الرغبة والسلطة والإيمان. الاتهام السريع، الذي طال شخصية لولو بسبب ميوله المفترضة، يكشف كيف من الممكن أن يصبح التحقيق عرضا عاما، وكيف استُخدم الخوف لتبرير حملات قمع واسعة ضد المثليين والمعارضين السياسيين.

"نرسيسو" يتجاوز كونه فيلم جريمة، قافزاً إلى عرض أنماط تدميرية تتوارثها الأجيال. مارتينيسّي أراد فيلماً عن مجتمع يعيد إنتاج خوفه مراراً، وهو، كما يقول مخرجه، فيلم ينتظر مواجهته الحقيقية حين يُشاهَد أخيراً داخل باراغواي، أمام الناس الذين يحكي قصّتهم.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 2/20/2026 7:38:00 AM
غراهام: إذا استُبدل نظام إيران بالشعب الإيراني، فسيؤدي ذلك إلى مستقبل مشرق لإيران ويفتح مساراً جديداً للتطبيع
تحقيقات 2/20/2026 6:41:00 AM
خلال الحرب المستمرة على غزة، تبخرت جثامين ما يقارب من 3000 فلسطيني دون أثر.
المشرق-العربي 2/20/2026 9:14:00 AM
حماس: أي مسار سياسي أو ترتيبات تناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان 
لبنان 2/21/2026 2:00:00 PM
الجيش الإسرائيلي: تم القضاء على عناصر من الوحدة الصاروخية في حزب الله في غارات أمس على منطقة بعلبك