الروائية القطرية هدى النعيمي لـ"النهار": الكتابة النسوية تجاوزت الدفاع عن المرأة إلى الهمّ الإنساني

ثقافة 20-02-2026 | 11:35

الروائية القطرية هدى النعيمي لـ"النهار": الكتابة النسوية تجاوزت الدفاع عن المرأة إلى الهمّ الإنساني

"المشهد السردي والقصصي والروائي الخليجي لافت ومثير، ويدعو إلى الإعجاب والدهشة"
الروائية القطرية هدى النعيمي لـ"النهار": الكتابة النسوية تجاوزت الدفاع عن المرأة إلى الهمّ الإنساني
الروائية القطرية هدى النعيمي.
Smaller Bigger

تشكلت التجربة الأدبية للكاتبة القطرية هدى النعيمي عبر ثقافات عدة، إذ لم تكن حبيسة سياق واحد أو بلد بعينه. أدّت الفترة التي عاشتها في مصر دورًا مهمًا في صقل شخصيتها الإبداعية، لكنها، في الوقت نفسه، استطاعت أن تستغل هذا التعدد الثقافي لتنفتح كتاباتها على القضايا العربية والخليجية، ولتصبح النعيمي واحدة من الأصوات الأدبية البارزة في المشهد الثقافي الخليجي.

عزّزت مكانتها أخيرًا بتتويجها بجائزة كتارا للرواية العربية 2025 عن روايتها "زعفرانة"، في إنجاز يعكس نضج تجربتها السردية وقدرتها على استحضار التاريخ برؤية إنسانية، مع إعادة طرح أسئلة الهوية عبر صياغتها لأعمال تنفتح على الذاكرة العربية وتاريخ منطقة الخليج "المنسي".

بدأت رحلتها الأدبية بالقصة القصيرة، ثم اتسعت تجربتها لتشمل الرواية وأدب الطفل والكتابة النقدية، مستندة إلى خلفية علمية وخبرات ثقافية ومهنية متعددة أسهمت في تشكيل تجربتها الأدبية الخاصة. 

"النهار" التقت النعيمي التي تحدثت في هذا الحوار عن ملامح مشروعها الأدبي، وشغفها بالكتابة التاريخية، ورؤيتها لدور الأدب في استعادة الوعي بالتاريخ والانشغال بالهم الإنساني العام، إلى جانب تقييمها للمشهد الأدبي الخليجي الراهن.

* تُوجتِ بجائزة كتارا عن روايتك "زعفرانة". ما قيمة هذا الإنجاز بالنسبة إليك؟
- غمرتني سعادة بالغة لحصولي على "كتارا"، فهي جائزة راسخة ومهمة، وتتميز بتعدّد فروعها، ما أسهم في إحداث حراك ثقافي وأدبي لافت. 
عمومًا، الحصول على الجوائز يمنح الكاتب دفعة إلى الأمام، وقدراً من الثقة في ما يكتب، كما يجعله مستعدًا لمقابلة القارئ بتمكّن أكبر. ويشعره بأنه ما زال قادرًا على العطاء، وما يكتبه جديرًا بأن يجد صداه وأثره لدى القارئ. وبالتأكيد، يسعى معظم الكُتاب إلى الجوائز؛ فالبعد المادي مهمّ بلا شك، ويعني الكثير للجميع. لكن الناحية المعنوية تحمل أثرًا طيبًا وإيجابيًا أيضًا، وتمنح طاقة لمواصلة الإبداع.

 

رواية “زعفرانة“ الفائزة بجائزة “كتارا“ 2025.
رواية “زعفرانة“ الفائزة بجائزة “كتارا“ 2025.

 

* تحمل رواية "زعفرانة" بُعداً تاريخياً... حدّثينا عنها وكواليس كتاباتها؟
تتناول "زعفرانة" أحداثا تاريخية وقعت في منطقة الخليج، وهي حرب "ظفار" في جنوبي سلطنة عمان. وأتساءل دائمًا، كيف لحرب كهذه أن ننساها وألا نعلم عنها شيئاً؟ قد نختلف في المواقف تجاهها، لكن ينبغي أن نعرف أن ثمة حربًا قد اندلعت. 

لا أدعي أنني عمانية، لكنني أردت عبر "زعفرانة" الغوص في تاريخ منطقة الخليج. فرغم كوني خليجية وقارئة جيدة، لم أكن أعلم أن ثمة حربًا اندلعت في ستينيات القرن الماضي تسمّى "ظفار"، ثم اكتشفت أنّها استمرّت أربعة عشر عامًا بكلّ ما تحمله من معاناة وقسوة وقصف وقتل وتشريد، وكان وقعها على منطقة ظفار مروّعًا؛ ومع ذلك ظلت مجهولة بالنسبة إلينا. وغمرني الفضول الشديد للبحث حول هذه الحرب وقراءة كل ما يُكتب عنها من أبحاث وذكريات.

بعد كل القراءات والبحث والسعي للمعرفة، قررت أن أكتب من منظوري الخاص ككاتبة قطرية، لأروي هذه الحرب التي وقعت على بعد خطوات منّا، وحملت صدى كبيراً في منطقة الخليج كله.

ظهر أمامي العالم المتخيّل لروايتي عبر بطلتها وتسمّى "زعفرانة"، التي خرجت من قرية قطرية وذهبت إلى عُمان مع زوجها في ستينيات القرن الماضي، حيث تتقاطع حياتها مع اندلاع تلك الأحداث الكبرى، وتقاسي ويلات الحرب، بينما يتشتت أبناؤها. وفي نهاية المطاف، تعود عجوزًا، منحنية الظهر إلى قريتها في قطر. 

حاولت في "زعفرانة" تشجيع الناس على قراءة التاريخ، وما زلت أواصل ذلك، لأن تاريخنا زاخر بالقصص الثرية.
في هذا السياق. خلال السنوات الأخيرة، كتب بعض الكتاب العُمانيين عن هذه الحرب في أعمالهم الروائية، مثل رواية "الحرب" لمحمد اليحيائي، و"الباغ" لبُشرى خلفان، و"نحن شؤوننا والثورة" لنورة الشحي.

* ما هي أحدث أعمالك الروائية؟
- توجهي نحو كتابة الرواية التاريخية مستمر عبر أحدث رواياتي وهي "ختم خزعل"، الصادرة عن دار العين في القاهرة؛ ويسعدني أن تخرج من مصر التي أعشقها. تدور أحداثها استنادًا إلى وقائع تاريخية شهدتها منطقة الخليج وما حولها. في هذه الرواية، اخترت تسليط الضوء على بقعة مظلمة لا يعرفها الكثيرون هي "منطقة الأحواز"، التي كانت يوماً ما منطقة عربية ذات حاكم عربي يدعى "خزعل"، ثم ألقي القبض عليه من قبل الإمبراطور الفارسي عام 1925، ونُفي إلى طهران لمدة 11 عامًا حتى وفاته. ويُقال إنه جرى تسميمه، لتنتهي "الأحواز" منذ ذلك الحين وتصير فارسية بالكامل.

 

هدى النعيمي المتوّجة بـ“كتارا“.
هدى النعيمي المتوّجة بـ“كتارا“.

 

كتبت هذه الرواية بعد مرور مئة عام من تلك الأحداث، للتذكير بما جرى في الأحواز، التي كانت تسمّى "عربستان". وأحياناً نسمع كلمة عربستان ونعتقد أنها منبثقة من الخيال ولامعنى لها، بينما في الواقع هي مملكة عربية، فكلمة "ستان" تعني "منطقة أو أرض" ومعناها أرض العرب، بيد أنها مُحيت تماماً قبل مئة عام، بعدما كانت منطقة عربية بالكامل بحاكم ولغة وعادات عربية، وتشبه كثيرًا العراق والخليج على الضفة الأخرى للخليج العربي. ومن خلال هذه الرواية ألقي الضوء على ما حدث هناك وقتذاك، لنتعرف أن ثمة عربًا ما زالوا هناك في تلك البقعة يطالبون بعودة هويتهم العربية، وبإذن الله تعود.

لقد صنعت عالماً افتراضيًا عبر عائلة "عزيز الأحوازي"، التي تعيش تجربة اختفاء بلدها ومحو هويتها العربية، وتشتت أبنائها في بقاع الأرض.

* لماذا تميلين إلى الكتابة التاريخية؟
- تستهويني الكتابة التاريخية، وأشجع الجميع على قراءة التاريخ دائمًا. وتعود دوافعي في ذلك إلى أننا نشأنا في أزمنة تضم أجيالًا كثيرة لا تقرأ إلا الكتاب المدرسي أو الجامعي. وحرمتنا المناهج التعليمية من معرفة أحداث جسيمة وقعت في ديارنا أو محيطنا القريب، وهو أمر لا يجوز من وجهة نظري؛ ومن المعيب أن تتفتح أمامنا مصادر المعرفة عبر الإنترنت وغيره، ومع ذلك لا نعرف ما حدث في أوطاننا منذ خمسين أو ستين عاماً. وأرى أن إعادة التاريخ في قالب روائي قد يشجع القارئ على العودة إلى المعرفة.

أنا لست مؤرخة، ولا أكتب تاريخاً لكنني أسعى لتسليط الضوء على البقع (الصفحات- الزوايا) المنسية من تاريخنا. وهي دعوة للقراءة والبحث والاكتشاف، لنفهم ما حدث في تاريخ أمتنا. أحاول قدر المستطاع قراءة التاريخ، ثم أكتب عن تلك الأحداث. رواياتي حتى الآن تأخذ هذا المنحى، وربما تكون روايتي الثالثة في نفس الخط التاريخي، ولا أدري إن كنت سأخرج من سجن الرواية التاريخية، لكنه يأسرني بشدة. 

* ما أبرز الصعوبات التي تواجهك في الكتابة التاريخية؟ 
- تكمن الصعوبات في ضرورة القراءة بكثافة، إلى جانب الحاجة إلى المعرفة العميقة، والبحث عن المراجع والمصادر. وهذا ما حدث بالفعل، إذ مكثت سنوات في القراءة حول حرب ظفار بدافع الفضول. لقد شدني التعرف على هذه الأحداث، ثم صرت أقرأ  كل ما يصلني من معلومات، وما أتمكن من الوصول إليه حول هذه الحرب، ومن هنا خرجت رواياتي التاريخية.

 

“ختم خزعل“ أحدث روايات النعيمي.
“ختم خزعل“ أحدث روايات النعيمي.

 

* كيف ترين المشهد الأدبي الخليجي خلال السنوات الأخيرة؟ وكيف تقيّمين تطوره؟
- المشهد السردي والقصصي والروائي الخليجي لافت ومثير، ويدعو إلى الإعجاب والدهشة. واليوم، الكتابة في الخليج -خصوصاً على يد النساء- تدعو للسعادة، رغم أن الكتابة النسائية في الخليج حاضرة منذ الستينيات والسبعينيات، لكن قدراً من الهدوء شابها، أو بالأحرى "توخي الحذر" بسبب المحاذير الاجتماعية والدينية والرقابية، إذ يكون صوت الرقيب الداخلي في المجتمعات المحافظة شديداً ومزعجاً للغاية؛ وهناك من تصدى له من كُتاب وكاتبات الخليج.

لكن اليوم مع التغيرات والتحولات الاجتماعية التي تشهدها دول الخليج، أضحى الصوت النسائي يعلو، وبرزت "شجاعة"، ولن أقول "جرأة" في تناول قضايا لم تكن المرأة لتتناولها من قبل. لذلك، نجد فيضاً من الكتابات القصصية والروائية والشعرية وهو مشهد باعث على التفاؤل.

* بالحديث عن الأدب النسائي. سبق لك أن صرّحتِ بأن الكتابة النسوية تجاوزت مرحلة الدفاع عن المرأة. ماذا تقصدين بذلك؟
- هذا ما أقصده تحديدًا أن الكتابة النسوية لم تعد حكرًا على قضايا النساء، ولا تتحدث على لسان المرأة، ولا تنشغل بقضاياها وحدها. لكن يتوجب أن تكون مهمومة بالهم الإنساني والوطني شأنها في ذلك شأن كتابة الرجل.

ففي مراحل سابقة، ولا سيما منذ الأربعينيات وحتى ستينيات القرن الماضي، اتسمت الكتابات النسوية بقدر كبير من الذاتية والإغراق والتركيز على هموم المرأة في داخل الأسرة والمجتمع. أما اليوم، فقد اتسعت آفاق كتابات النساء، وأصبحت تشتمل على مناحي وموضوعات متعددة؛ فالمرأة تكتب في التاريخ والفنون، وتتناول قضايا شديدة التنوع ذات مساحات أوسع، وهو ما يضع كتابتها في المستوى ذاته لكتابة الرجل، وربما تتجاوزها أحيانًا.

* ثمة نقاش مستمر حول علاقة الكاتب ببيئته. إلى أي مدى تأثرت كتاباتك بالثقافة والواقع الخليجي؟
- لا بد لي أن أتأثر بالواقع الخليجي، فقد نشأت فيه. أنا قطرية، درست في بلادي حتى تخرجت في الجامعة، ثم أحاطت بي الثقافة الخليجية في كل مكان. وفي الوقت ذاته، أتيحت لي فرصة القراءة عبر مكتبة المدرسة ثم الجامعة، والتي زخرت بالكتب المصرية؛ وأخص الثقافة المصرية بالذكر، لأن قراءاتي من خارج المناهج تضمنت روايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقي وغيرهم. لذا فالثقافة الخليجية  كانت حاضرة داخل بيوتنا، لكن الثقافة العربية استقيناها من رفوف المكتبات. فاجتمعت الاثنتان معًا لتشكلا ملامح تجربتي الكتابية.

* درستِ وعملت في مجال الفيزياء النووية. كيف جاء هذا التحول إلى عالم الأدب؟
- أسهم المشهد الثقافي في القاهرة بدور كبير في تكوين شخصيتي، فقد اتسمت فترة التسعينيات في حياتي بزخم كبير، إذ كنت أدرس الفيزياء النووية وعلوم الإشعاع، وحصلت على درجة الماجستير من جامعة عين شمس، ثم الدكتوراه من جامعة القاهرة. مع ذلك، لم يمنعني المسار العلمي من متابعة المشهد الثقافي والأدبي والانخراط فيه؛ فكنت حريصة على حضور الندوات والعروض المسرحية والسينمائية، ومواكبة الفعاليات الأدبية التي كانت تزخر بها القاهرة آنذاك.

شكّلت مرحلة التسعينيات ملامح شخصيتي العلميّة، لكنني أيضًا، مع نهاية التسعينيات كنت قلمًا معروفًا في بلادي، إذ عملت مراسلةً لجريدة «الراية» القطرية. وخلال تلك الفترة في القاهرة أصدرت مجموعتي القصصية الأولى، ثم أتبعتها بأخرى، ولاقيت تشجيعًا مهمًا، خاصة أن دراسة العلوم من التخصصات الصعبة التي تتطلب تفرغًا. ورغم ذلك، استطعت أن أخلق نوعًا من التوازن الداخلي.

* كيف وازنت بين العلوم والأدب؟
- ربما كانت حرية القراءة الأدبية هي التي منحتني هذا السلام والتوازن الداخلي، والقدرة على الجمع بين عالم العلوم والكتابة الأدبية في آن، إذ أرى أنني لو اكتفيت بالتخصص في العلوم وحدها، رغم عمق هذا المجال، لما شعرت بذلك الاتزان والسكون الداخلي. وفي المقابل، لو تخصصت في الكتابة الأدبية فقط، لصار في داخلي فراغ ما، إذ لطالما شغلتني فكرة البحث عن الحقيقة الكبرى الكامنة وراء الطبيعة. كان سؤالي الدائم: ماذا يوجد خلف هذا الكون؟ ومن هنا جاء اختياري لدراسة العلوم الطبيعية والفيزيائية؛ فشكّل المزج بين العلم والإبداع مصدرًا لثراء تجربتي الإنسانية والكتابية.

* كيف ألقى هذا التعدد المكاني والمهني بأثره على التجربة الأدبية لهدى النعيمي؟
- لقد خدم هذا التعدد بعضه بعضًا. مثلًا، في عام 2008، حين توليت رئاسة القسم الثقافي في جريدة الراية لمدة قاربت العام ونصف العام، تشكلت تجربة فريدة أضافت إليّ الكثير، إذ أتاح العمل في صحيفة يومية التعرف على عالم الثقافة من الداخل، وظللت نشطة ثقافيًا حتى أثناء عملي لسنوات في مؤسسة طبية، حيث واصلت كتابة المقالات، وحرصت على التفاعل مع المشهد الثقافي في قطر ومصر والدول المجاورة. 

ورغم مشقة تلك التجربة، لكن داخل المؤسسة الطبية أضاف إلي بعدًا إنسانيًا عميقًا عبر الاحتكاك اليومي بالبشر في أكثر لحظاتهم ضعفًا، وهي تجربة لا يمكن وصفها بالكلمات. فالتعددية الثقافية، إلى جانب طبيعة العمل المهني والإنساني، هي التي أسهمت في تشكيل كياني اليوم، وتركت أثرًا بالغًا في وعيي الإنساني والكتابي.
كما أن الكتابة بطبيعتها تتجدد، وروح الكاتب تتغير مع الزمن، فأنا اليوم لستُ الشخص ذاته قبل ثلاثين عامًا. إذ تغير تفكيري، واتسعت نظرتي إلى الحياة، بينما اكتسبت منظوراً مختلفاً تجاه معرفتي بالعالم، ومن الطبيعي أن ينعكس كلّ ذلك على الكتابة.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/18/2026 10:44:00 PM
ديكارلو: إننا نشهد ضمّاً تدريجياً بحكم الأمر الواقع للضفة الغربية، حيث تُغيّر الخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب المشهد تدريجياً
المشرق-العربي 2/19/2026 1:11:00 PM
أهمية هذا التحول لا تقتصر على الجانب السياحي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية وثقافية واجتماعية واسعة.
شمال إفريقيا 2/19/2026 6:01:00 AM
مشاركة صدام حفتر في مؤتمر ميونخ للأمن تُكرّس واقعاً جديداً.